بادي ذي بدء يحذرنا القرآن الكريم من خطورة التعامل مع الغير أو إصدار الأحكام على الغير بناءً على الانحيازات المسبقة بل يأمر بالعدل رغم كل المتغيرات:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (المائدة : 8) ويفهم من الآية الكريمة: لا تحملكم كراهيتكم لمجموعة من الناس على أن تظلموهم. وذلك لأن العدل هو الأصل حتى مع الذين لا نحبهم أو حتى مع غير الصالحين. ولأن الحكم يجب أن يكون مبنيًّا فقط على الحقائق فقط الحقائق. وهذا توجيه قرآني واضح للتعامل مع الانحيازات المسبقة عن طريق تحييدها عن الحكم والسيطرة.

والقرآن الكريم هنا لا يخاطب مجموعة منتقاة من المجتمع المسلم بل يخاطب الجميع دون استثناء. فالانحياز المسبق جبلي لا يبرأ من أحد لكن الفارق بين هذا وذاك يكون فقط في التعامل مع الانحياز المسبق. بمعنى أن العاقل يحيد انحيازه وميله نحو فكرة أو شخص تمامًا، حين يكون مطالبًا بإحقاق الحق ومناصرته أو حتى مجرد إبداء الرأي وإصدار الأحكام والتصنيف والمفاضلة بصدق. هذا يعني أننا كلنا منحازون نعم كلنا منحازون عاطفيًّا ووجدانيًّا وفكريًّا نحو أفكار وعقائد وعادات وسلوكيات وميول. لكن الواجب علينا جميعًا ألا نكون أسرى هذا الانحياز.

أنا مصري أحب مصر وأعشق ترابها. أميل بقلبي إلى كل ما ينتمي لمصر. هذا لا يعني أن أحكم بأن الطفل المصري هو أذكى طفل في العالم أو أن أعتقد أن الشاب المصري هو أكثر الشباب جاذبية للنساء في العالم أو أن أؤمن بأن مصر هي أمل العالم كله لعيش سلام دائم بين الشعوب أو أقرر أن الحضارة المصرية هي أقدم حضارات العالم وأعظمها أو أعلن أن مصر مقبرة الغزاة على مر العصور، وأنها لم ترض أبدًا الرضوخ للاستعمار الخارجي أو غير ذلك من أمثال تلك الادعاءات الرومانسية.

وطنيتي وحبي لوطني وإخلاصي له لا يعني أبدًا وجوب الإيمان بتلك الترهات. الطفل المصري ذكي والشاب المصري جاذب للنساء، لكنه ليس هناك ثمة دليل واحد على تميز الطفل والشاب المصرييْن عن أقرانهما في باقي دول العالم، بل ولا لجنسية أخرى. ومصر دولة ليست هينة الشأن جغرافيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وأدبيًّا وعلميًّا، لكن هناك العديد من الدول التي تمثل آمالًا عريضة فعلًا للسلام العالمي قد تكون من ضمنها مصر بالتأكيد لكنها ليست على قمة الهرم بحال من الأحوال. وحضارة بلاد الرافدين أقدم من مثيلتها المصرية تاريخيًّا وهذا لا يقلل من عظمة وقدم الحضارة المصرية وتوغلها في أغوار التاريخ القديم بالتأكيد.

ولو كان المقصود بأن مصر مقبرة الغزاة بمعنى أن الغزاة يأتون ويحكمون ويسيطرون ويعيشون ويتناسلون جيلًا بعد جيل حتى تكون مقابر الغزاة وأبنائهم وأحفادهم في مصر فهذا تفسير مقبول ويؤيده تاريخ مصر بكل قوة. ومن الطبيعي أن يكون في كل شعب من لا يرضخ للاستعمار لكن تاريخ مصر مع الاستعمار يوضح قرونًا من الاستعمار متتالية دون ثورة. نعم كانت هناك ثورات بلا شك، لكن هذا لا يعني أن الشعب لم يهدأ. بل هدأ وسكن وتعامل مع الاستعمار بكل أريحية أجيالًا متعاقبة. وهذا ليس قدحًا في مصر ولا المصريين؛ فكثير من الشعوب العظيمة كانت كذلك. والإقرار بأحداث التاريخ ليس خيانة للوطن وليس عمالة أو جحودًا. بل على العكس تمامًا هو تمرد على الانحياز المسبق وإقرار بالحق والواقع رغم وجود المؤثر الداخلي القوي وهو هنا «حب مصر».

الواجب إذن فصل العاطفة والميول عن الحكم أو الشهادة والأدلة على ذلك كثيرة في القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح ومن ذلك:

قوله تعالى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا» (النساء : 135) فإذا ما طلبت منا الشهادة في أي قضية حتى لو كانت مجرد قضية فكرية كان الواجب قول الحقيقة. حتى لو كانت تلك الحقيقة سوف تأتي على حسابنا أو والدينا أو أحبائنا المقربين.

وقوله تعالى: «وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (الأنعام : 152) وفي هذه الآية الكريمة كذلك يحث القرآن الكريم على قول الحق في كل الظروف بمعنى إلغاء الانحياز المسبق.

وقوله تعالى: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)» (المائدة : 82 – 83) وفي هاتين الآيتين لمحة عظيمة من الإسلام الذي شهد لغير أبنائه بصفات حميدة.

وقوله تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ» (البقرة : 13) وقوله تعالى: «قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ» (الشعراء : 111) يعيب القرآن الكريم على هؤلاء الذين يرفضون الإيمان بالحق فقط، لأنهم رأوا ضعاف الناس وفقراءهم وبسطاءهم من أوائل المؤمنين. فكان استصغارهم واستحقارهم لمكانة المؤمنين مانعًا من الإيمان وهو مثال واضح على انحيازهم المسبق، وليس القناعة العقلية.

روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتي سَرَقَتْ، فَقالوا: ومَن يُكَلِّمُ فِيهَا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فَقالوا: ومَن يَجْتَرِئُ عليه إلَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أتَشْفَعُ في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قالَ: إنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ، وايْمُ اللَّهِ لو أنَّ فَاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». وفي الحديث الشريف دعوة صريحة لاجتناب دور الانحياز المسبق في إقامة العدل.

وشريح القاضي مثال رائع للحكم بالحق والعدل دون التأثر بأي مؤثر داخلي يمثل انحيازًا مسبقًا يمنعه من العدل: جاءه ولده وشرح له خصومة بينه وبين آخرين يستشيره: «إن كان الحق لي قاضيتهم وإن كان لهم صالحتهم عليه»، فرد القاضي على ابنه: «انطلق فقاضهم». مضى الابن نحو خصومه ودعاهم إلى القضاء فاستجابوا له ومثلوا بين يدي القاضي فعلًا. لكن القاضي شريح قضى لهم بالحق. فما كان من الولد بعد أن انصرف القوم إلا أن قال لأبيه: «فضحتني يا أبتِ، والله لو لم أستشرك من قبل ما لمتك أبدًا»، فقال له أبوه: «لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم؛ فتصالحهم صلحًا ينقص عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت».

ما سردنا من أمثلة لكيفية التعامل مع الانحيازات المسبقة هي مجرد أمثلة متواضعة جدًّا أما القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة وحياة السلف الصالح وحتى الحياة الحاضرة؛ فإن الأمثلة فيها تستعصي على الحصر. الشاهد أن العدل والحق يتمثل في النجاة من براثن الانحياز المسبق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد