في يوم ربيعي بديع، تخفف زرقة سمائه السابحات البيضاء المتناثرة، غاديةً في اتجاه الشرق، هواؤه نسيميُ الأثر شفاف، انكببت في مراجعة أعمالي اليومية، والتي أبدأها عادة ما بين السابعة والسابعة والنصف صباحًا، في مكتبي الواقع في الدور السابع في بناية مكسية واجهاتها الأربع بالحجر الأبيض الناصع، يكللها بمنظر بديع بلون الثلج المُشَوّب بقليل من الغبار الذي يبهت لونها، ويميل به نحو الشحوب، نَمّشَتْهُ وجعلت سطحه نافرًا بنتوءات كنتوءات قِشر البرتقال في أيادي حرفيي البناء.

سمعت صوت طائرة حربية محلقة على ارتفاع متوسط، وفي تمام 8:33 صباحًا سمعت صوت انفجار على سطح مرتفع عطان، ذلك الجبل الذي أخافنا دائمًا بمخازن السلاح المحصنة بالإسمنت المسلح، وأبوابها الحديدية السميكة والمبعثرة على سفوحه، وتحت صفيحته الصخرية التي تعلو شكله الهلالي الممتد من طرفه الشرقي المطل على تقاطع جسر المصباحي مع شارع حدة، والذي يصل مركز المدينة بأحيائها الجنوبية، هذا الطرف اختير لمشروع مجمعات سكنية و(فلل) سكنية فاخرة تدعى تلال الريان، وما زالت قيد البناء، يستدير هذا الطرف عند منعطف فج عطان الذي شقت أرضيته الصخرية شركة المقاولين العرب المصرية لتصل حي عطان الجديد بشارع الستين الجنوبي، ومنه عبر شارع 24 ذي المسارين إلى جسر حدة، تستمر هذه الاستدارة لتشكل هلالاً كاملاً، فصلته شركة المقاولين العرب عند منتصفه تقريبًا، وسط هذا الهلال وفي تلة منعزلة انفصلت صفيحتها الصخرية عن الهلال بعوامل الزمن، تقع أعلاها قرية عطان المحصنة طبيعيًّا بحيود الصفيحة الصخرية، والذي لا يوجد لها غير مدخل واحد، كما لو كانت هذه القرية نجمة الهلال، يا له من منظر بديع.

أضافت الأعمال الحربية الذي شنتها المملكة العربية السعودية، والدول المتحالفة معها ابتداءً من 26 مارس/ آذار 2015 خوفًا مركبًا إلى نفوس كل قاطني حي عطان، وما جاوره، الخوف القادم من الصواريخ الذي تنثره الطائرات على امتداد هذا الهلال وبصورة متواصلة، والخوف الساكن في نفوس السكان منذ زمن من احتمال انفجار بعض هذه المخازن (رغم علمهم أنه قد تم تفريغ معظمها منذ سنوات بسبب مخاطرها على المنطقة التي اأصبحت مكتظة بالسكان بعد رفع حضر البناء عليها منذ تسعينيات القرن الماضي).

ساورني شعور بأن الطيران سيستمر في استهداف المنطقة ذاتها، ولأن الموقع نموذجي للتصوير من مكتبي، والذي جعله الهاتف الجوال ميسورًا واحترافيًّا في ذاته، فتحت عدسة الهاتف وسحبت أحد كراسي طاولة الاجتماعات إلى جوار النافذة المطلة على موقع الحدث، مترقبًا لحظة استهداف ثانية.

يبعد الموقع 1600 متر إلى الشمال من موقع البناية، الموقع واضح ويعلو خط النظر من مكتبي بزاوية 10 درجات تقريبًا، تحتل النافذة موقعًا متوسطًا في مكتبي، والتي منحتني ميزة الرؤية المتسعة والواضحة بسبب واجهتها الزجاجية الكبيرة وإطلالتها الشمالية التي مكنتني من رؤية كامل الهلال ونجمته.

وجهت عدسة الهاتف نحو الموقع الذي وقع فيه الانفجار قبل دقائق، والذي لم يعد يخيفنا لكثرة ما سمعنا منه على امتداد هذا الهلال الصخري، وحول منزلي حيث وقع أقربها على مسافة تزيد قليلا على 100 متر، استهدف منزل إخوة صالحين ليس لهم علاقة بأي فريق، دمر المنزل تمامًا، وتدخلت عناية الله وحفظتهم في غرفة في أحد أركان المنزل في الدور تحت الأرضي، اتخذوا منها ملجأ احتياطيًّا لنومهم.

في لحظة مجنونة خاطفة للذهول والأحاسيس، مجمدة للزمن والمشاعر، دون أن أسمع صوت طائرة حربية محلقة عن قرب، شاهدت كرة ضخمة من الدخان الأسود الملفوف بالنيران الباهتة، تشكلت في زمن لا يستطيع العقل تتبع بداياتها؛ لهذا تبدو وكأنها تشكلت بكاملها فجأة عابرة للزمن، وفي أقل من ثوانٍ انطلقت من أعلاها ألسنة كالرماح تشق طريقها سريعًا نحو السماء، رافقها زيادة شدة اللهب في قلب الكرة، وميله أكثر نحو اللون الأحمر البراق، قطر هذه الكرة يصل إلى مئات قليلة من الأمتار.

تغير كامل لون السماء بعد الانفجار مباشرةً، وقبل أن تصل صدمة الانفجار إلى موقع مشاهدتي، فأصبحت باهتة ألوانها شاحبة كئيبة.

أشلاء الصخور من كل الأحجام تتناثر في كل مكان، تسمرت مكاني وغادر الزمن والمكان إدراكي، وبعد ثوانِ قليلة صرعتني أشلاء الزجاج ذي اسماكة 6 ملليمترات، وموجة هواء ساخن قليلًا مع الكرسي الذي أجلس عليه وأسقطتنا أرضًا، تحول المكتب كله إلى ركام متناثر مليء بأشلاء زجاج النوافذ والغبار، كذلك كل المكاتب المجاورة لمكتبي، رغم أنها ليست في مواجهةْ الانفجار.

صعدت مخلفات الانفجار إلى مسافة ما بين 500 إلى 700 متر في عنفوان مجنون، لم تنسيني شدة الصدمة أن هذا يوم عرس ابنتي الصغرى، وأنها وبعض أفراد الأسرة مشغولون بالتجهيزات في منزلنا الكائن على بعد 1200 متر من موقع الانفجار، وعلى عجل أخذت سيارتي سريعًا متوجهًا إلى المنزل.

هالني ما رأيته حال وصولي المنزل، جميع نوافذ المنزل الزجاجية تحطمت، تحطم كثيرًا من أطر النوافذ المصنعة من الألمنيوم وبعضها قذف نحو الخارج، والبعض نحو الداخل رغم تثبيتها المحكم بإطارات النوافذ الحجرية، وبتصرف غريزي بحثت عن ابنتيّ.

كان منظرًا صادمًا عندما شاهدت العروسة جوار إحدى نوافذ غرفة الاستقبال، في حالة ذهول، والزجاج المحطم والغبار منتشر حولها وعلى حاجياتها التي كانت ترتبها داخل حقائبها وفي كامل الغرفة، وأطر النوافذ ملقاة بجوارها، حرستها عناية الخالق لأنها كانت محمية بجلوسها خلف إحدى الدعامات الحجرية بين النوافذ، مازحتها ببعض العبارات عَلِي أواسيها وأسلب منها ذهولها، بدأت تنظيف حقائبها من أكسار الزجاج ثم سحبتها إلى الصالة المجاورة لتنظيف الغرفة من الزجاج والغبار، وتحرك الجميع لرفع الأنقاض لتدب الحياة في بيتنا من جديد، بعد مشاورة مع أم الأولاد اتفقنا على إلغاء مراسم العرس؛ لأن كل المدعوين سيكونون مشغولين بمشاغل ما بعد الانفجار والصالة الذي حجزناها قبل ستة أشهر لم تعد صالحة لإقامة المناسبات، والحياة في كامل العاصمة مشلولة.

تركت منزلي متوجهًا إلى فج عطان، والذي يبعد بأكثر من كيلومتر عبر شارع 24 ذي المسارين، كان هذا الشارع مغطى بالأحجار التي تساقطت على كامل المنطقة من كل الأحجام، وأصبحت حركة السيارات شديدة الصعوبة رغم أنها ذات دفع رباعي مصممة لعبور الأماكن الوعرة، السماء مظللة بغمامة سوداء كئيبة، تثير الرعب والفزع، البنايات على جانبي الشارع وأغلبها فلل حسنة التصميم والجودة في بنائها ومتانتها من الإسمنت المسلح والأحجار الملونة المقطعة بعناية مهشمة الجدران، محطمة النوافذ، مهلهلة كأنها تعرضت لحرب شوارع دامت أشهرًا، شبهًا بشوارع بيروت ما بعد 75، الصخور متناثرة في كل مكان، وكل ما اقتربت تجاه الفج زادت كثافة تواجد الصخور وأحجامها، ولم تعد تستطيع السيارات السير، ركنت سيارتي على جانب الطريق، ومشيت سيرًا على الأقدام.

شاهدت موقع الانفجار من طرف الشارع، والذي يعلو هذا الطرف بما يزيد على 150 مترًا، انخلع جزء كبير من الصفيحة الحجرية عند موقع الانفجار، وتهدم جزء كبير منه عند سفح التلة بعد ما فتته قوة الانفجار وشدته، والمتطاير منه ملأ الجوار إلى مسافة أكثر من كيلومتر من موقع الانفجار، إضافة إلى تناثر محتوى المخزن إلى مسافات فاقت الكيلومتر والنصف، تهدمت المنازل القريبة والذي كان أقربها على مسافة 400 متر تقريبًا من موقع الانفجار، وتناثرت عليها صخور كبيرة بعضها بحجم سيارة متوسطة، كان المنظر شبيهًا بمناظر أفلام هوليوود عن حروب المدن وغزوات الغرباء القادمين من الفضاء (الآلينز).

تركت الموقع مصدومًا بما شاهدت عائدًا إلى سيارتي لأطوف بالأحياء الأبعد، شاهدت قرب منزلي على بعد أكثر من كيلو متر من موقع الانفجار جدرانًا متينة أسقطها الانفجار أرضًا، وأبواب دكاكين ومستودعات حديدية متينة قد دفع بها الانفجار نحو الداخل، وفي الأحياء الأبعد وحتى المحجوبة بالتلال عن موقع الانفجار لم تسلم واجهاتها الزجاجية من التحطم، وسقوف الديكور في المعارض التجارية لم تسلم أيضًا من التحطم.

لقد وصل تأثير الانفجار وتحطيمه لزجاج النوافذ والمحال التجارية حتى مسافة 10 كيلومترات من موقع الانفجار.

إنه يوم حزين هبط على صنعاء عند الساعة 10:10 صباح يوم الاثنين 20 أبريل/ نيسان 2015، قلب حياة المدينة رأسًا على عقب، وولد صدمة جماعية لكل سكان العاصمة، يهيمون في ذهول بمشاعر مصدومة ونفوس اعتصرها الألم، وصمت صابر.

ما هذا الانفجار؟! وما طبيعته؟

الكل يسأل ما سبب هذا القدر من الدمار والخراب، رغم وقوعه على تلة صخرية منعزلة نوعًا ما، تعلو ما حولها بأكثر من مئة متر، وفي موقع يفترض له أن يمتص معظم طاقة الانفجار، وأقرب سكان يبعدون عنه بما يقارب نصف كيلومتر.

بحثت في النت وشاهدت تجارب لأكبر قنبلة اختراق للتحصينات، والذي أعلن أنها طورت لاختراق تحصينات المنشآت النووية الإيرانية في حالة نشوب نزاع مسلح معها، والذي سميت (مواب)، اختصارًا للتسمية الإنجليزية:

GBU-43/massive ordnance air blast

وما زاد في حيرتي أن تفجيرات التجارب الذي أظهرتها الفيديوهات لم تكن بحجم وتأثير انفجار عطان، هل كان موقع الانفجار نموذجيًّا لإجراء تجربة حية لمثل هذا النوع من القنابل؟!

تأملت مليًا في الموقع والمحيط والبيئة السياسية والصراع القائم لأخلص إلى:

1- مخزن سلاح يقع تحت صفيحة حجرية صلبة متماسكة تمتد مئات الأمتار طولًا وعرضًا، وسماكة تتراوح بين 30 و50 مترًا.

2- حرب في بلد بعيد عن الأضواء منسي، تأثيره الإعلامي لا يخرج بعيدًا عن جغرافيته.

3- إذا تناثر محتوى مخزن السلاح فذلك سيؤكد أن القنبلة قد اخترقت كامل الصفيحة الصخرية، وبلغت المخزن، وهذا يؤكد نجاحها لما صممت من أجله، وفعلًا تناثر المحتوى، ومن المشاهدات فيما بعد الانفجار أنها كانت أشلاء لذخائر صغيرة مزقها الانفجار.

يا ترى هل كان هذا الموقع هو الهدف في حد ذاته؟ أو كان الهدف ترويع السكان وقتل القريبين من موقع الانفجار، والذي تجاوز المئة وجرح ما يقارب الألف؟ أو كان الهدف إجراء تجربة غير عابئين من قاموا بها بحياة البشر؟

إنه إنتاج المتحضرين المشبع بغرائز القتل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اسره, حرب, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد