الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

طالب المهندس فريد خميس، رئيس مجلس أمناء الجامعة البريطانية بالقاهرة، ورجل الأعمال، المـصريين بأن يعملوا في مجالاتهم ويخدموا بلدهم، وأن لا يهدموا كيانات الدولة بما سماه الفذلكة والفلسفة، مؤكدًا أن مصر في معركة، وأخطر فئة على المجتمع حاليًا هم المثقفون.

يعود تاريخ هذه التصريحات إلى ما قبل عامين من الآن والتي نتبين منها المستنقع الذي وغلت فيه مصر، إذ إن رجل بمنصب علمي كهذا يتحدث عن أن المثقفين الذين من المفترض أنهم البوصلة التي توجه المجتمع للمسار الصحيح هم أخطر فئة على المجتمع، ليست الخطورة في أن المهندس لا يدرك قيمة المثقف فهو يدركها ويعيها جيدًا ولكن هو يزوّر عمدًا المنطق السليم لمصلحة ما سماه (كيانات الدولة).

في أية دولة محترمة لا يمكن أن تجد أي تعارض بين طبقة المثقفين وبين السلطة لأن المفترض أن كل طرف يكمّل الطرف الآخر لأن خدمة المجتمع لا تكون إلا بتوفر العنصرين المعرفة والقيادة الرشيدة، أما قلب المفاهيم وإسكات صوت العقل والحكمة وتغليب صوت الرعونة والمراهقة السياسية فهذا يحدث فقط في جمهوريات الموز التي اكتشفنا مؤخرًا للأسف أنها تحيط بنا من كل جانب.

بعد الانقلاب الذي نفذ في مصر عام 2013 شن عبد الفتاح السيسي بمعاونة وزير الداخلية حينها محمد إبراهيم حملة شرسة على كل مؤيد لبقاء المعزول الدكتور محمد مرسي على رأس السلطة وأودعهم جميعًا في السجون، لم تترك الحملة سياسي ولا داعية ولا ناشط ولا أي مثقف يتكلم بصوت العقل إلا ورمت به في غياهب المعتقلات ولم يُعرف عنه شيء حتى هذه اللحظة والتهم مجهزة مسبقًا لا يهم مدى مصادمتها للواقع كما علّق الدكتور محمد القدوسي في أحد البرامج فالدكتور محمد مرسي متهم بالهروب من السجن ومتهم بإقتحامه في آن واحد، ولكن هذا لا يهم؛ لأن الذي قال هذا هو (القضاء الشامخ) وعلى الجميع الامتثال له لأنه كما قلنا المطلوب إسكات صوت العقل مهما كان وأينما كان لأن البيئة التي يغيب عنها العقل هي أنسب بيئة للحكم الديكتاتوري المتسلط.

من المفاهيم التي حرص هذا النوع من النظم على تشويهها هو مفهوم الوطن وإستخدامه لإقصاء كل مخالف ومعارض واتهامه بالخيانة والعمالة والآن يتم اتهامه بأنه (حمار وغبي) كما فعل السيد وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة أثناء مناقشته رسالة الماجستير لطالب باكستاني.

في نظرة سريعة إلى تاريخه نجد أن وزير الأوقاف لا يتورع عن هدم أساسيات لا تحتمل الجدل لأجل إرساخ الفكرة التي يسميها هو (الوطنية) والتي ينافح عنها بكل قوة، ظهر ذلك في قضية الداعية سالم عبد الجليل والداعية عبد الله رشدي وكذلك قضية الشهادة وجوازها لغير المسلم والحديث هنا ليس عن التأصيل في هذه القضايا وإنما التناول الأرعن الغير مسؤول من رجل من المفترض أنه اكاديمي قبل أن يكون مسؤول حكومي، كذلك هناك قراراته المشينة فيما يتعلق بأداء الشعائر مثل فرض الخطبة الموحدة على أئمة المساجد وعدم إستخدام الميكرفونات في صلاة التراويح في المساجد وإيقاف من يدعو على الظالمين، أما الطامة فهي قرار إلغاء مادة التربية الإسلامية في المدارس وبحسب ما قال هو سيتم صياغة مادة عن الأخلاق والقيم والتربية الوطنية يتم إعدادها بالتنسيق مع الكنيسة.

مشكلتي ليست مع غياب المحتوى الذي غالبًا هو محتوى ضعيف كما هو الحال في أغلب الدول التي لا تراعي وضع منهج دراسي مناسب ولكن مشكلتي هي مبدأ إزالة المادة نفسها من المقرر لأنه يرى أنها تقود للتمييز بين (أبناء الوطن الواحد)، هذا المبدأ هو المعول الذي يتم به هدم معالم وأصول الدين وممارسة شعائره في المجتمع حتى لا يبقى أي أثر له في المستقبل  ونفس الخطاب الأرعن غير المسؤول والغير عقلاني هو الذي يُوجّه للدعاة المصلحين الذين نأوا بأنفسهم عن ساحة الاعتراك السياسي ليتفرغوا للدعوة إلى الله وتعليم الناس أمور دينهم الأساسية.

والآن يتمادى سعادة الوزير في غيّه وينسف كل أصول المناقشة العلمية التي يعرفها كل من شم رائحة العلم والتي يجب أن تكون أبعد ما يمكن عن الإستقطاب السياسي والتعصب الأعمى ليصف الطالب المتقدم لطرح رسالة الماجستير بأنه غبي وحمار أمام ملأ من الناس لأنه نقل عن الأديب محمد إقبال قوله: إن أخطر الأصنام الجديدة هو الوطن وإلباسه للدين بمثابة الكفن.

ولو لم يكن هناك مصداقًا لقول الأديب إلا ردة فعل سعادة الوزير لكفت ووفت، فمن أهم ما نعرف به عبدة الأصنام غياب الحجة في ساحات النقاش العلمية كمثل التي حضرها يومذاك والتي ثار فيها على طالب ليس ملزمًا بالأساس بوطنية الوزير المزعومة وليس للوزير ولا للجنة المناقشة أي حق على الطالب الباكستاني سوى المعلومة والرأي العلمي الذي لا يميز بين وطن هذا أو ذاك، ولم يقف الأمر إلى هذا الحد، بل طالب بفتح تحقيق رسمي في خلفية الاستعانة بكلام كهذا في رسالة علمية ولمّح بإغلاق المعهد نهائيًا.

ولم يكن سعادة الوزير على درجة من الصدق بقدر تلك التي كان عليها عندما قال إنه لا يمكن بـ(حسّه الوطني) أن يقبل برسالة كهذه لأن الحضور الذين كانوا يصفقون لثورته ببلاهة واللجنة التي كانت تتابع هذه الحالة من الهيجان، وكذلك نحن المتابعين لم نعرف جميعًا سببًا علميًا لعدم قبول الرسالة ولم ندرك مخالفة علمية واحدة ارتكبها الطالب ولن ندرك لأن المعيار الأول لقبول الرسالة هو ذلك (الحس الوطني) الذي يغمر مشاعر وأحاسيس سعادة الوزير.

ولأن الحقيقة مهما كان قبحها تخرج في مواقف كهذه فقد تمادى سعادة الوزير في اعترافاته وقال: (العلم لمصلحة الدين والوطن ولو هيضر بمصلحة الوطن يُلغى).

هذه هي العقلية التي تُدار بها وزارة الأوقاف وسائر المؤسسات العلمية في مصر، فإن العلم يجب أن يتفق مع صنمهم الذي يسمونه كذبًا وزورًا (الوطن) ويجب فقط أن يخدم هذا الصنم ويكون الصنم قبلته مهما كان ذلك مخالفًا للحق وللمنطق والعقل وحتى الإنسانية، ولو حاد العلم عن صراط هذا الصنم فيجب إلغاءه، فلا تعجبن عزيزي القارئ إذا قال لك أحدهم إن مؤسسة الأزهر هي مجرد مؤسسة حكومية تأتمر بأمر الرئيس وتنتهي بنهيه ولو لم يكن كذلك لتم القضاء عليها، ولا تعجب لو سمعت من أي رجل يعمل في الحقل التعليمي تصريحًا كالذي قدّمنا به لهذا المقال فالمؤسسة التعليمية، سواءً كانت المعنية بالمدارس والجامعات تسير على نهج باقي المؤسسات الأخرى كالقضاء والشرطة والصحة وغيرها لا تخدم سوى السلطة وبها تحكم السلطة قبضتها أكثر وأكثر على الدولة وكأنهم يريدون لهذا الشعب أن يذوق ما ذاقه قوم موسى منذ قرون خلت.

هؤلاء لم يفهموا أن الوطن ليس مكانًا ما تشير إليه وتقول: ذاك هو الوطن.. وبالطبع لن يكون هو النظام، ولكنه معنى يحس به المرء ويدفعه للبذل والعطاء بصورة تلقائية وذلك في سياق علاقة تبادلية وسط مجتمع صحي سليم من الضغائن والمنازعات تقوده قيادة رشيده، هذا هو المعنى الذي تكون فيه المعرفة مسخّرة لخدمة المجتمع والمعرفة لن تخدم المجتمع مالم تكن صحيحة غير محرّفة ولا مشوهة، وهذا هو المعنى الذي يهدم صنمهم وهو المعنى الذي يعرّيهم ويظهر وجوههم الحقيقية ويفضحهم أمام الملأ، ولذلك هم يحرصون على طمس هذا المعنى من خلال تزوير المفاهيم وتحريفها وتعطيل أي نشاط علمي فكري قد يسقط بنيانهم حتى يتحقق قول صاحب الجلالة:

«يعمل التعليم إيه في وطن ضايع؟!»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر, مصر, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد