كيف للحزن أن يكون أغنية مبهجة تسمعها و لا تبكي؟ تطربك و قد تتمايل على أنغامها؟!

 

هكذا غنى محمد منير (يا حمام بتنوح ليه)، كلوحة حزن سعيدة.

 

تبدأ الأغنية بموسيقى صاخبة، بها دق طبول، تتداخل الكلمات (سمع بكايا الحجر نهنه و قال مالك .. فتفت قلبي وأنا ببكي على حالك)، كيف يقال هذا كما قيل؟! هل هو درجة من التصالح مع الحزن وتقبله بتلقائية شديدة تجعل من وجوده حالة طبيعية؟ أم هو وفاء له كشيء حدث ويحدث وسيحدث؟
(فيه حاجة غالية عليك يا شاب ضيعالك
أنا قلت ضاع الأمان مني و مش آمن
بحلم أعدي الزمن في نطه مش ضامن)

 

العالم بأسره قصة حزينة طويلة ومستمرة تبدأ من (يا حمام بتنوح ليه)
( فكرت عليه الحبايب
يا حمام ضاع منك ايه
دوبتني كده فوق ما أنا دايب
العمر و أحلى ما فيه كان حلم و طار من يدي
و الحلم أنادي عليه لا بيسمع و لا بيهدي )

 

قصة الفقد، قصة النقصان، قصة المجهول، قصة الحلم و اللهاث ورائه، و قصة الآخر، دائمًا هو الآخر يكون سببًا في متاعب كثيرة (عايبين أقول على نفسي احترت أو أقول وليف روحي هجرني من بين عيون الناس اخترت جوز العيون اللي قتلني).

 

لا يكف الحب عن كونه سببًا في أحزاننا، تفريق الأقدار، الرغبة في الوصال، ثنائية الرجل و المرأة اللذين حتى في اجتماعهما هنالك شيء لا يكتمل، هنالك لحظات سماوية لا تدوم لكثير من الوقت، لا يمكن امتلاكها أو الاستحواذ عليها، و ما أن يدركوا ذلك حتى يبدأ عذاب آخر (جوز العيون اللي قتلني).

 

تدرك في النهاية بأنك لا انفصال لك عن هذا العالم بما فيه، ولا بد من حزن ( أنا يا حمام زيك نايح و الحزن ده له لون و روايح سهم الهوا دايما صايب).

 

التفاؤل قيمة حسنة، لكنها لا توضع في مواجهة مع الحزن، و الله عز و جل حين أراد ألا يحزن أم موسى فقد أزال عنها مسبب الحزن و أتاها بالبشارة: [فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ] (القصص-13)، الحزن صدق، والصدق يطلب لذاته، فالصدق حسن في كل الأوجه، وأيًّا ما يأتي بعده فهو خير، ما دام الصدق هو المدخل.

 

المتابع لأفلام (ماجد مجيدي) المخرج الإيراني، يلمس أنشودة حزينة تسري في أفلامه، و الأفلام الإيرانية عمومًا، والشعب الإيراني بدوره.

وقد لاحظت تمايز أفلامه من عدة نواحٍ: هدوء الرتم، والافتقاد للحس الدرامي، والمشاهد تكون بطيئة الحركة فيها من النظرات والحركات والسكنات، والأحداث تجري في مدة زمنية قصيرة المدى، وغالبًا ما تترك نهاياتها مفتوحة، أما عن الموسيقى التصويرية فهي تتمثل في أصوات الحياة اليومية من زقزقة عصافير وحركة سير. فتأمل!

 

ومن لا يجيد الحزن، لا يجيد الحياة، ولا يمنح لحياة الآخرين معنى!

 

– إننا لا نحيا لنكون سعداء.
(طه حسين)

 

– لا، إننا لا نحيا لنكون سعداء، ولا حتى لنجعل الآخرين سعداء.
(سوازن طه حسين)

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد