في ليلة شتوية قديما حين كانت الإذاعة تقدم برامج يُمكن أن تُسمع، كانت أضواء السيارات المارة بين الفينة والأخرى تنعكس على الزجاج المغلق ويمضي خيالها على الجدران بانسيابية كصوت محمد عبد الوهاب الآتي من الراديو يحكي فيه عن قصة “لقاء السحاب”[1]. كنت صغيرة لا أعي كل ما يقول، سألت أمي وأبي عن هوية المتكلم، فأشارا إليّ في نفس اللحظة أن انتظري إلى نهاية البرنامج. وما أن جاءت الموسيقى الخاتمة يقطعها صوت المذيعة الهادئ “تسجيلات.. من زمن فات” وتأتي الكلمة الأخيرة بصداها وتبدأ حكايا أبي وأمي عن تلك الذكريات فأنام وأنا مستندة على ذراعها أنتظرهما حتى يجيبا عن سؤالي..

بعد أكثر من عشرين عامًا على سماعي لتلك الحلقة، يأتي “هضبة” جيلنا ويعلن عن أغنية مشتركة للقاهرة، جاء في إعلانها الأول صورة غير فائقة الالتقاط للنيل ولكن الصبر طيب..

وكانت المفاجأة.. “الكينج” موجود! لأ وبيلطم كمان عند كلمة (وتتحاكى بأحوالها)..

طيب؟ هكذا كان رد فعلي بعد مشاهدتها، شعور بالسفاهة وقلة القيمة، ذكرني بجلساتنا الليلية مع الأصدقاء و”تهييسنا” مع بعض، لم يذكرني أبدًا بالقاهرة ونيلها..

ذكرني بنيلة القاهرة وما وصلت إليه، كُتب عن الأغنية واستهزئ بها بما يكفي، ولكن حزني على أن سحاب جيلنا.. تراب أو طين بمعنى أصح.

قبل كتابتي للمقال رجعت للقصة الأصلية للقاء السحاب، ووجدت ضمن تفاصيلها أن أم كلثوم وعبد الوهاب كانا يتدخلان في تغيير كلمات الأغاني رغم أن الكُتاب والشعراء كانوا لا يبارون في قريحتهم وتمكنهم، وانعقدت المقارنة المجحفة في ذهني بينهم وبين مزعجي زماننا المنتسبين زورًا للفن وكلمات “أغانيهم” التي تشبه كل شيء إلا الأغاني!

مثير للشفقة أن أحد هؤلاء ضمن لجنة تحكيم لبرنامج مواهب لأطفال يملكون من الإتقان ما لا يملك هو منه مثقال ذرة، وأن إحداهن وقد ثارت حفيظة المجتمع في بداية شهرتها على الانحلال الذي تنشره بكليباتها، فماتت حفيظة وارتقت تلك التافهة إلى نفس لجنة التحكيم!

نفس الإذاعة التي بثت تلك الذكريات، سمعت منها ما أكره ويكرهه كل عاقل خلال اليومين الماضيين، بعد انقطاع عن استماعها لسنوات طويلة، مذيعون لا برامج لهم، ومستمعون أرادوا تبديد بعض الملل، لدرجة أن إحدى المتصلات كانت تسأل المذيع عن زوجته ووالدته دون معرفه سابقة، حينها جاءتني إجابة سؤال: من ذا الذي يقرأ لوليد ديدا[2] ويظن أن ما بين يديه يمكن أن يُسمى كتابًا؟!

وعلى هذا النسق تتيبس كل مفاصل حياتنا، وتصبح المقارنة بين ماضينا القريب وحاضرنا الكئيب عبئا لا نستطيع معه صبرًا، وأُفقنا المسدود يزيد المشهد قتامة، فلا نحن استطعنا أن نبقى أسرى للماضي ولا انطلقنا لمستقبل ولا عشنا أصحاء في حاضرنا على حاله، بل زدنا عليه من أمراض نفوسنا وعقد نقصنا ومعاركنا الحقيقية والوهمية على حد سواء!

__________________________________________________________________________________________________

[1] القصة الكاملة للقاء السحاب

إنت عمري … لقاء السحاب … القصة الكاملة والحفلة الأولى .. لهذا اللقاء قصة طويلة تبدأ من خمسة أعوام سبقت ظهوره…

Geplaatst door ‎قول للزمان إرجع يا زمان‎ op Vrijdag 12 december 2014

[2] شاب ظن أنه شاعر وكتب هراء في كتاب ووصل إلى الطبعة الثامنة على الأقل، واصطحب معه صاحبته في حفل التوقيع ليرى القراء من هي ملهمته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الطرب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد