أتساءلُ دائمًا: ما الذي قد يدفعُ عقلاً نفعيًّا أحيانًا إلى تغليبِ المصلحة العامة على أهدافه الخاصة؟ ولماذا قد تؤدي الأخطاءُ الفادحةُ أحيانًا إلى الصوابِ الأكبر؟ وعلى أيِّ قانونٍ تعتمد شهوةُ أحدهم في حيوانيتها حينما تفترسُ الضحية، في حينِ تخجلُ عينا (شهوانيٍّ) آخر حينما تنظرُ خطأً لما حرّمته عليه معتقداته؟!

والسؤال الأهم هنا: لماذا لا يمكن لهذه الفَرَضِيّاتِ جميعًا الحدوثُ إلا في مدينة الفارابي وأفلاطون، أو في أفلام (الخيال الأخلاقي) إذا جاز لنا أن نسميها كذلك؟

ربما يكون لاجتثاثِ هذه الأفكار المتضاربة مع واقعِها عن أحداثِها أثرٌ مغايرٌ في إيجادِ السبيل الأمثل لطَرْحِها إلى عالمِها من جديد، وبشكلٍ تتقبله عقولُنا بلا هذا الرابط العقلي المزمن بين السمو الأخلاقي، والمُثُل العليا التي يتقافز البشرُ من حولها ولا يمكنهم الوصول إليها لعقدتهم في نقص النفس البشرية عن مثل هكذا سموٍ في السلوك. أو ربما بالأحرى تكون العقدة التي اصطنعتها المدينةُ الفاضلةُ في انتسابِ كلِ ما هو فاضلٌ إليها، مع اجتلابِ العبارة المخدرة للضمائر «مدينةٌ لا وجودَ لها في الواقع».

وعلى هذا النحو فقد يكون لعزلِ فكرةٍ ما عن سجلِها التسلسليّ في الفشل، أو حتى النجاح الجزئي العامل المحفز لانتقالها إلى مستوى إبداعيٍ متقدمٍ وأكثر حرفيةٍ وإتقان؛ إيمانًا بأنّ العقل البشري لا يضمرُ بانحدار النسل البشري كما في طولِ (آدمَ) عندما تقارنه بأحدِ (الأقزام) من لاعبي كرة السلة الطوال. ولا شك في أنّ الأخوين (رايت) قد تجاهلا الخوف الذي رافق الإنسان عمره على هذا الكوكب من الارتقاء إلى السماء حينما قاما بتجربتهما بالطائرة الشراعية ذات المحرك الذي هو بالقطع أثقل من الهواء الذي يحمله، وبالقطع قد تجاهلا الكوميديا السوداء التي رافقت مصرع بن فرناس حينما حاول أن يتشبه بالطيور، ربما لم يتذكرا من عظامه المتكسرة إلا هوسه بالتحليق كالنسور.

ربما تكون هذه الأسباب هي المفسر المنطقي لاستحواذ الأطفال على النصيب الأكبر من الأفكار الإبداعية التي تُنعِش العالم بعد أن تظنه يتجه إلى الركود الفكري. وربما يسوقنا ذلك إلى التساؤل عن تلك الآلية التي يعيد بها التاريخُ نفسه، أو حتى عن مدى صحة هذه العبارة إن جاز لعقولنا أن تفكر خارج صندوقِ أسئلتِها المألوفة.

قد تجد لنفسك في الإجابة عن هذه التساؤلات أرضًا خصبةً في عالم الثورات الحديثة، أو ما بات يُعرفُ بالربيع العربي الآن؛ ذلك الربيع الذي إذا استدعيتَ طغاته تساءلت عن القدر الذي يمكن لعقولهم أن تحمله من الغباءِ التاريخي، وعدم استقرائهم لصفحات الماضي القريب أو البعيد. لكننا إذا ابتعدنا عن (الصندوقِ) قليلاً لنرى ما وراءه سنستطيع بقليلٍ من العناء أن ننفي عن هؤلاء صفة الغباء؛ بل ربما اكتشفنا أنهم من المتأملين في التاريخ أكثر من غيرهم، وبالعودةِ إلى الطبيعة البشرية التي تسعى دائمًا إلى ربط المُجتَزئات معًا –فكرًا وواقعًا– سنكتشف كيف يسعى الطاغية إلى أن يكون كأسلافه طاغيةً للنهاية، فلن يتنازل عن طغيانه وغطرسته؛ لأن الطغاةَ لم يفعلوا ذلك أبدًا فيما مضى، ولأنه يعلم أنّ عاقبة هذا التخلي عن الطغيان لن تكون عفوًا شعبيًّا يحفظ له بقيةً من كرامةٍ أضاعها لأن أسلافهم من الثوارِ لم يفعلوا، وهكذا يقول (الكتالوج).

وبعيدًا عن مقدمات ابن خلدون الطويلة في (فبركة) التاريخ، أو حتى عن نظرية المؤامرة في كون المنتصر دائمًا يكون مَلَكًا بعثه الله لإنقاذ البشرية من شياطينِها؛ فإنّ المشكلة التي لم يلتفت إليها كثيرون من المنادين بالتفكير خارج الصندوق، هي أنّ المنطلق في هذه النظرية من التفكير هو تحقيقُ غاية ما في هذا الصندوق مما يُجبِرُنا على التحديد بإطارٍ معين لا نرتد عنه إلى غيره.

إذن، وانطلاقًا من نظرية «انسف حمامك القديم» نستطيع أن نغير وجه التاريخ الإنساني إذا ما لجأنا لاستبدال (الصندوق) الذي نفكر خارجه حاليًا بصناديقَ جديدة نستطيع أن نجد لأنفسنا فيها متسعًا لأهدافٍ أخرى مغايرة تلتقي جميعها في أُفُقِ الصندوقِ الأكبر: صندوق الدنيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد