كان لابد من توافر صفات بعينها في الشخصية التي أقامت ملكا وحكما امتد لعشرات السنوات من بعده؛ لذا تجمعت عدة صفات في عبد الرحمن الداخل منها أنه كان ثاقب الفكر، ناقد العزم، واسع العلم، راجح العقل، شديد الحدة، بليغا مفوها، شاعرا، سخيا، ورعا، طلق اللسان، واسع العلم، بالإضافة إلى أنه كان متواضعا ويشارك الناس أحزانهم، يحضر الجنائز ويصلي عليها، ويعود المرضى.

عُرف عنه أيضا أنه لم يكن ينفرد برأيه، فعند الإجماع على رأي كان حاسما في تطبيقه، ورغم أنه حاكما ومحاربا ومجاهدا، كان أيضا شاعرا رقيقا مرهف الحس، متواضعا مع الرعية، يخالط بالناس ويعاملهم دون حراسه رغم شدة حذره وقلة طمأنينته. عندما أشار عليه المقربون منه بعدم الخروج في أوساط الناس، لم يستجب لأنه كان محبوبا من شعبه ومقربا إلى قلوبهم.

لم يكن ليؤسس دولة قوية، في ظل وجود قوى تطارده وتحاول قتله منها العباسيون والخوارج والنصارى والثورات التي اندلعت في الداخل وغيرها، إلا بوجود صفات كهذه التي كان يتمتع بها صقر قريش.

لفهم شخصية صقر قريش بصورة أوضح حين نعلم كيف كان في معاملته للناس، فقد جاء أن أحد الناس طلب منه حاجة أمام أعين الحاضرين، فقضاها له ثم قال له: إذا ألمّ بك خطب أو حَزَبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك؛ كي نستر عليك، وذلك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا – عز وجهه – بإخلاص الدعاء وصدق النيّة، موقع قصة الإسلام.

مثل هذا الموقف يبين لنا ورع وتقوى صقر قريش، فهو يريد أن يخدم الرعية كما ينبغي ويلبي احتياجاتها وأيضا يعلم الرعية أن يلتجؤوا إلى الله أولا لأنه هو المسير للكون ومجيب المضطر، وفي نفس الوقت يطلب من السائل أن يقدم مسألته في رقعة من أجل التستر عليه ومنع الحرج عنه.

حكم عبد الرحمن قرابة 34 عاما، قضى هذه الفترة في الثورات والحروب وبناء الجيش وتأمين حدود الإمارة. ورغم انشغاله بكل هذه الأمور، نال صقر قريش مدح العلماء له بالعلم وحسن الخلق.

أقرا أيضا صقر قريش ودخوله الأندلس – ج(2)

ذكرنا منذ قليل أن صقر قريش كان خطيبا مفوها، يصعد المنابر ويقدم الموعظة للناس، وكان شاعرًا مرهف الحس، قال سعيد بن عثمان اللغوي: كان بقرطبة جنة اتخذها صقر قريش، وكان فيها نخلة أدركتُها، ومنها تولدت كل نخلة بالأندلس قال: وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن معاوية:

يا نخل أنت غريبة مـثـلـي في الغرب نائية عن الأصل

فابكي، وهل تبكي مـكـيسة عجماء، لم تطبع على خيل؟

لو أنها تبكي، إذًا لـبـكـت ماء الفرات ومنبت النـخـل

لكنها ذهلـت وأذهـلـنـي بغضي بني العباس عن أهلي

ما أجمل هذه الصورة البلاغية رغم قسوتها بالنسبة لصقر قريش، فهو يشبه نفسه بالنخلة الغريبة التي نبتت في بلاد الغرب وأثمرت تمرا وخلَفت نخيلا متكاثرا، مثله تماما عندما قدم من الشام وحيدا فريدا لا زاد في سفره ولا راحلة معه، اعتمد فقط على بعض من النفر، لكن إصراره على تكملة رسالته ونشأته ورعايته في بيت جده هشام بن عبد الملك أكسبته مهارات وصفات كانت هي النور الذي أضاء له الطريق في بلاد الأندلس.

ومن شعره أيضًا:

أيها الراكب الميمـم أرضـي أقر من بعضي السلام لبعضي

إن جسمي كما علمت بـأرض وفؤادي ومالـكـيه بـأرض

قدر البين بيننا فافـتـرقـنـا فعسى باجتماعنا الله يقضـي

في هذه الأبيات أيضا يمكننا أن نقول إن صقر قريش كان يشعر بمرارة الغربة ووحشتها رغم تقلده الملك فيها، لكن لا شيء يعوض الأوطان التي بها الأهل والخلان؛ فالإنسان في الغربة يعيش بجسده في مكان التعايش، لكن روحه وفؤاده وقلبه ووجدانه يتعلقون بالموطن الأصلي.

باختصار، كانت حياة صقر قريش مُسخرة للجهاد وإقامة دولة إسلامية، فكانت حياته مستمرة في تنظيم واعداد الجيوش، وعقد الرايات، وتوجيه القوات، وتحصين الثغور، والقضاء على الفتن والثورات، ووضع أسس البنيان الحضاري.

عاش صقر قريش تسعة وخمسين سنة: تسعة عشر سنة في دمشق والعراق قبل سقوط الدولة الأموية، وست سنوات بعدما فرّ من العباسيين قضاها في التخطيط لدخول الأندلس، و34 سنة حاكما بلاد الأندلس، ثم توفي بقرطبة ودفن بها سنة 172 هجرية 788ميلادية.

نتمنى أن نكون قد سلطنا الضوء على شخصية صقر قريش وقدمنا شيئا يفيد القارئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد