أثارت حادثة انتحار الفتاة المصرية الملحدة والداعية للمثلية الجنسية ردود أفعال متباينة بين المناصرين لها، والمتعاطفين معها كإنسان خاصة في إنهاء حياتها بالانتحار، أو ممن يدعون لها بالرحمة، وممن يستنكرون هذا الدعاء لخروجها عن الدين.

وفي هذا المقال أعرض لقراءة تفسيرية للحالة الإلحادية في مصر من وجهة نظر علوم الإنسان Anthropology ومن خلال الأبحاث العلمية التي أجريت على المجتمع المصري، وهي تقدم لنا تحليلا للشخصية المصرية في تناقضاتها المثيرة خاصة خلال العشرين سنة الماضية. وهنا لا أتناول موضوع الإلحاد من ناحية دينية، ولا أصدر أحكامًا بالجواز أو الكراهة أو الحرمة، وإنما نتناول الظاهرة الاجتماعية لفهمها، وبالتالي التعامل العلمي معها بما يحفظ أبناء المجتمع.

بداية، لا بد من توضيح أن الإلحاد -طبقًا لأراء الملحدين- لا يعني بالضرورة الثورة على قيود الدين والاتجاه للشهوات ومن ثم محاربة الدين، ولكنه قد يعني اختيارا حرا لشخصية متقلبة لم تستقر بعد، وعند البعض اختيارا جادا يناسب طبيعته الشخصية، ولكن لأننا في مجتمع شرقي ديني فلا يوجد لدينا من ولد ملحد، أو ولد لأبوين ملحدين – في الغالب الأعم-، فحتى غير المتدينين الذي لا يلتزمون بأي من الممارسات الدينية في الإسلام أو المسيحية ما زالوا يحتفظون بجانب الهوية العقائدية التي تؤمن بوحدانية الله ومكانة الرسول عند المسلمين، أو بمركزية يسوع في العقيدة المسيحية. لذا فالمرء في مصر لا يكون ملحدا ابتداءً وإنما يتحول للإلحاد في فترة من عمره. فكيف ولماذا يلحدون؟

 يذكر الباحث سيمون كوتي في كتابه: «المرتدون؛ عندما يترك المسلمون إسلامهم» أن عملية التحول عن الإسلام لدى المرتدين الجدد هي عملية تراكمية قد تأخذ شهورا أو سنوات وتعتمد على خبرات حياتية صادمة، وأن هناك ثلاث مراحل أساسية للوصول لنبذ الإسلام؛ هي مرحلة ما قبل الردة، وهي المرحلة التي تبدأ فيها الشكوك في صحة الدين وتراكم الأسئلة حول الحرية الشخصية والقيود الدينية وعدم اتساق معاني النصوص الدينية مع الحياة، وشيوع النقد لسلوك رجال الدين.

ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة اتخاذ القرار، وغالبا تأتي مع زيادة الشكوك إلى حد ضاغط مع التوسع في القراءات في الفلسفة والآداب بدون معيارية مرجعية للحكم على الأفكار، وفي الغالب تتكون الصدمات النفسية والاجتماعية والسياسية في هذه المرحلة إما من القهر المجتمعي أو الاعتقال والتعذيب في السجون أو التنمر الاجتماعي النفسي أو البدني، ولأن المجتمع يربط كل شيء بالدين ولديه مفاهيم الحرام متشابكة مع مفاهيم العيب، يميل الشاب إلى ترك كل شيء والاتجاه للإلحاد.

 ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي مرحلة ما بعد الإلحاد، التي يشعر فيها بالرحة النفسية لتخلصه من القيود المفروضة والإحساس بالاختلاف عن المجتمع المحيط، وإن لم يعلن عن نفسه بصفة الملحد ضمانا للسلامة الشخصية، فيتوارى وراء مصطلحات مثل علماني أو يساري أو حقوقي- وهذا لا يعني بالطبع أن هؤلاء ملحدون بالضرورة- ويبتعد عن تعبيرات ساخنة تثير مخزونا تراثيا من العداوة والعنف مثل: كافر أو مرتد أو زنديق.

ويذكر الكاتب ديل مكجوان Dale McGowan في كتابه: «أصوات اللادين: شهادات الملحدين واللأدريين» شهادة إحدى الملحدات وهي إيان هارسي علي ذات الأصل الصومالي تؤكد على تدينها السابق والتزامها بالحجاب، ثم تقرر It was books and boys that saved me أي أن ما شجعها على الإقدام على الإلحاد كثرة التوسع في قراءة كتب الفلسفة الغربية من ناحية والرغبات الجنسية نحو الجنس الآخر بلا ضابط من جانب ثان.

وأما بخصوص الحالة المصرية، فيذكر الباحث صمويلي شيلكا Samuli Schielke أن ما يظهر بين المصريين وكأنه نفاق اجتماعي وتناقض في الشخصية يمكن تفسيره في ضوء نظرية أخرى. فالملاحظ أن الشباب المصري شديد التدين على مواقع التواصل وفي نفس الوقت يعاكس البنات ويتحرش بهن، وقد يكون ملتحيا وسلفيا فترة من الوقت ثم يتحول للانفلات من الدين وربما الإلحاد فترات أخرى (وللباحث أحمد شلاطة دراسة خاصة عن إلحاد الإسلاميين)، ويذكر أن رسائل الجمعة المباركة والأحاديث – التي معظمها غير صحيح- المتداولة عبر وسائل التواصل تمثل جانبا واحدا من هذه الشخصية التي تبدو متناقضة.

ويذكر المثال الأشهر للشباب المصري في 2006 عندما أتم صيام شهر رمضان وكانت الشوارع تكتظ بمئات الآلاف من المصلين في التراويح، فإذا بمئات الآلاف يوم العيد يتحرشون بشكل جماعي بالفتيات في القاهرة بعد ساعات من انتهاء رمضان (في مقال له بعنوان الالتزام المضطرب: مشكلات الأخلاقية والتدين والطموح لدى الشباب المصري ويقترح شيلكا أن تفسير الحالة المصرية يكون في ضوء نظرية التحاور مع طبقات الذات dialogues with layers of the self فالصراع الذي يعيش فيه الشباب بين المد الديني الطاغي والانسداد في الأفق السياسي والفقر المدقع والرغبة في الهجرة والموت في الطريق لذلك والرغبات الجنسية المكبوتة والحاجة للحب والجنس والحاجة لإثبات وتقدير الذات.

 كل ذلك يتصارع في تموجات داخل الذات تفضي إلى استراتيجيات للتوافق النفسي بالتحاور بين هذه الطبقات، فيظهر الشاب طبقة معينة في المناسبات الدينية، ويطلق لذاته العنان في البوح بالحب والغرام في مناسبات أخرى، ويسعى لتحسين المعيشة في طبقة ثالثة في تناغم فريد وتعبير عن الرضا يشكل حالة من التدين الثقافي خاصة بالمصريين. وأما من لا يستطيع تحقيق هذه التوافق فتكون إحدى الطبقات حادة على من سواها وبالتالي تؤدي للقطبية في إنكار المجتمع والحكم علية والانسحاب منه ومعاداته. وهو ما أكده عدد من شخصيات الملحدين الذين حاورهم شيلكا.

يتبقى تفسير التلقي الشعبي لحادثة سارة حجازي، وفي ضوء ما ذكرناه، نتفهم تعاطف المصريين مع معاناة فتاة مصرية تعرضت للاعتقال والتعذيب، ونتفهم الإطار العام للتعاطف مع المنتحرين عموما، خصوصا وأن الانتحار – عند المصريين- ليس مؤشرا على الترف الفكري أو الألم النفسي فقط كما هو عند شعوب الغرب، ولكن الانتحار صار مؤخرا علامة على فرط الاكتئاب والضغوط النفسية والاجتماعية المدمرة التي تدفع طالب كلية الهندسة للقفز من أعلى البرج أو تدفع غيره للقفز أمام المترو. ويشير المتعاطفون مع المنتحرين والموتى من الشباب عموما إلى آيات وأحاديث – في الغالب منزوعة من سياقاتها- تؤكد على الرحمة والمغفرة، وكأنهم يرون أن العذاب والألم النفسي الذي أدى للانتحار في الدنيا لا يجب أن يلاقى بمزيد من العذاب في الآخرة.

من جانب آخر، فإن معظم صيغ التعزية وطلب الرحمة لغير المسلمين هي في الحقيقة صيغ ثقافية وليست دينية (مثل رحمة ونور، لن ننساك، ستظلين معنا، ألف رحمة، تعيش وتفتكر) ولأن الثقافة المصرية متجذرة في الدين فذكر (الله) أو (ربنا) لا يقصد به التصور الديني بمقدار ما هو تركيب ثقافي راسخ، مثل القول الشائع (إن شاء الله) الذي يدخل في تركيب الكلام للدلالة على المستقبل، ولا يقصد به – في معظم الأحيان- الاعتماد على حقيقة المشيئة الإلهية (هناك دراسة خاصة بهذا التركيب بعنوان Inshallah: Religious invocations in Arabic topic transition) ، وهذا يفسر كذلك لماذا لا نجد صيغ تعزية مسيحية خاصة لسارة (مثل مع المسيح ذلك أفضل، أو إلى ربنا ومخلصا يسوع) وذلك لأن الفتاة كانت مسلمة وتحولت للإلحاد فلا يوجد شيء يربطها بالمسيحية، كما أن التعبيرات المسيحية مغلقة على ثقافة المسيحيين وليست تعبيرات ثقافية مصرية عامة.

أما من ينكرون ويستنكرون طلب الرحمة والمغفرة للملحدين، فهم في الحقيقية يعبرون عن باراديم فكري يعتمد على المرجعية الدينية في الحكم على الأشياء – وهي مرجعية صادقة عندهم- وهذا البراديم يرى أن الناس إما مسلمون أو غير مسلمين، وأن (الله) إله الجميع، وأن الجنة هي مكان الصالحين من المسلمين وأن النار هي مكان من دون ذلك. وبناء على هذه الرؤية يصدرون الأحكام بالرحمة أو عدمها. لاحظ أننا لا ننكر هذه الرؤية، ولكن نصف حال المعبرين عنها.

 وهذا يعني أن هناك براديم آخر يرى يسوع هو الرب والمخلص، وأن الجنة للمؤمنين به والنار لمن دون ذلك، وفي ضوئها يحكمون على العالم، وهذا بالتالي يفتح المجال لبراديم أخرى مثل من يرى الحياة متعددة الإلهة، أو يرى الموت حالة من الاتحاد مع الأجداد أو يرى الدنيا هي النهاية.إذن فمن يترحم على سارة لا يترحم عليها في ضوء البراديم الأول لأنها أنكرت الإسلام ابتداء، إنما يترحم عليها لأن هذا هو الأسلوب الثقافي السائد في التعبير عن التعاطف.

وسواء طلب لها البعض الرحمة أو أنكرها آخرون، فالمتفق عليه أنها كانت نفسا مصرية مرت بتجارب نفسية واجتماعية أدت بها للتخلص من الحياة، وقد قام النبي محمد صلى الله عليه وسلم لجنازة لما مرت به، فلما قيل له إنها ليهودي، قال: أليست نفسا؟!.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد