في العشرة أيام الأخيرة، وكلما هممت بتصفح موقع التفاصل الاجتماعي فيسبوك، رأيت أحدًا من أصدقائي يتداول رابطًا لموقع يدعى «صراحة».

لم أتعجب من شدة انتشاره، ولم أتعجب من انبهار الناس به، ولو أنه نسخة طبق الأصل من موقع أجنبي أنشئ منذ أكثر من 7 سنوات! وأنا هنا أتحدث عن موقع Sayat.me.

فكرت للوهلة الأولى إذا ما كان من المفيد إنشاء حساب كأصدقائي ليخبروني بصراحة عما يدور بخاطرهم نحوي، فكرت في ما سيحدث بعدها، وما السبب الذي يجعلني أرغب في إنشاء حساب كهذا. لم أجد أي هدف من إنشائه، لماذا؟ لأنه بصراحة لا يهمني ما يخبرني الناس به في ظهر الغيب.

ليس تكبرًا ولا تعجرفًا، ,ومع أني من الأشخاص الذين يحبون النصح ويقدرونه، وخاصة حين يكون بطريقة حسنة لا تجنح إلى التجريح والانتقاص، لكن الأمر مختلف هنا، فالمصارحة هي أن شخصًا معروفًا يتحدث إليك بشكل واضح وصريح دون أن يجاملك، أو أن يختبئ منك.

أما أن يتحدث إليك من وراء ستار وأنت لا تعرفه، فأين الصراحة بالموضوع؟ أعني أن وجود الصراحة يشترط وجود الشخص المصارِح، وهو القائم بالنصح والمعروف لديك من هو، كائنًا من كان، غير ذلك لا أعتقد يمكنك إطلاق لفظ صراحة على كل هذه العملية.

بعيدًا عن ذلك، وجدت في انتشار هذا الموقع فرصة لأتحدث عن موضوع ذي صلة شغل تفكيري لفترة طويلة، ألا وهو آلية تقييم الفرد لنفسه في مجتمعنا، وتأثر صعوده وهبوطه الاجتماعي والفكري بالمجتمع من حوله.

المجتمع العربي هو مجتمع جمعي، أي أن الفرد فيه يعتمد في أغلب الأحيان على رأي الجماعة فيه، وبما يفعل، ويقيم حياته تبعًا لرأي الناس به. فإذا قالوا صائبًا وصحيحًا ومقبولاً، أكمل، أما إذا قالوا عيبًا أو خطأ أو غير مقبول فهو يبتعد عن ذلك على الفور.

فهو يريد أن يصبح طبيبًا لكي يحظى باحترام المجتمع، بينما لا يريد أن يكون فنانًا لكي لا يحتقره المجتمع. وهي تريد أن تخلع حجابها لأن المجتمع بات يرفضه، وذاك ينتظر رأي الناس به لكي يغير أمرًا ما في نفسه.

أعيد، أنني لست من كارهي النصيحة بل على العكس، احترمها وأحبها إن كانت في صالح، أو بطريقة لا تجبرني على اتباعها. لكن ما يحصل في مجتمعاتنا عندما نجعل أطفالنا وشبابنا عبارة عن كرة تدحرج بين مجموعة من تقييماتنا وتقييمات المجتمع التي ربما تكون عبارة عن أفكار خاطئة أو عادات بالية، فالأمر يحتاج للمراجعة.

لنفترض أن المجتمع في طريقه إلى الحضيض، وأنا أتحدث عن زمننا هذا على وجه التحديد، إذ صار العالم العربي والإسلامي والهوية الإسلامية العربية فيه يتهاوين بشكل لا يمكن لأحد ألا يلاحظه. فمن تغيير للمناهج التعليمية إلى الفساد التربوي، وانهماك الشباب بكثير من سفاسف الأمور، وخاصة بعد الانفتاح على العالم عبر الإنترنت.

فالمجتمع في هذا الحال يدفع كل أفراده للذهاب إلى الحضيض معه، ويقوم بوأد أي حركة فردية تجديدية يمكن أن تنهض بالمجتمع وتقوم بالتغيير فيه، على الأقل على المستوى الفردي. فالشباب الذي يجد في عقله قبسًا ينير بصيرته، يجد سيلاً جارفًا من الآراء التي تطفئ ما بدأ يضيء فيه. ويمكننا أن نسقط هذا على أي ظاهرة تحصل في الوقت الحالي بين الشباب والناس.

فبدلاً من أن يدرس كما درس ابن عمه نبيل ليصبح طبيبًا عظيمًا، لكنه لم يعرف ولن يعرف ما هدفه من ذلك سوى أن والديه أجبراه على ذلك بعد غيرتهما من ابن عمه، ويمضي عمره حسرة وندامة لا يدري ما الذي جلبه إلى ذلك. وهي تريد أن تتزوج من شاب غني لأن صديقتها خُطبت لشاب ثري وأحد أبناء التجار، وهما يعيشان في رغد في إحدى الولايات الأمريكية، بينما انتهى حال زوجها بالإفلاس، ولم تجد ما تكمل من أجله زواجها وتمضي عمرها ندمًا وبكاءً.

ما أود أن أصل إليه، هو أنه حان الوقت أن يخرج الفرد في بلادنا من نظرية «سأفعل ما يريده الآخرون» إلى نظرية «ماذا أنا أريد أن أفعل؟ وماذا أحب أن أفعل؟ ولماذا؟» رسالتي إلى الشباب أن يفكر، بما يحب ويعرف كيف له هو أن ينجح وأين هو مكانه، لا أن يجعل الناس تختار له مكانه، ولا تخبره عما يحب وماذا يفعل. ورسالتي إلى الآباء والأمهات أن يعرفوا كيفية تنشئة أبنائهم وبناتهم وتنمية قدراتهم الشخصية، والتي تسمح لهم بالقيام باختيار طريق حياتهم بطريقة حرة فطرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد