كان هذا محتوى صورة هزلية، نشرتها صفحة «آساحبي» على الفيسبوك، مستخدمةً جملة «عادل إمام» الشهيرة في مسرحية «شاهد ما شافش حاجة».

مُزحة لطيفة جدًا.. أليس كذلك؟

تخيّل معي الآن أنّك تعرّضت لحادثٍ على الطريق. انقلبت السيارة. تخرُج من تحتِ الحُطام بأعجوبة والجِراح تنزف من أنفك ووجهِك، فقط لتجِد المئات يشيرون إليك وضحكاتهم تصمّ الآذان، كأنّ هذا مشهد من فيلم كوميدي ما. ربّما يلتقطون مقطعًا مصورًا لـ«زحفة» السيّارة ويضعونه على الفيسبوك مع وجه اللمبي وهو يقول «الله ينوّر عليك، بس مش عايزها تزحف الزحفة اللي زحفتها دي».

كانَ يوم اختطاف الطائرة المصريّة عيدًا على مواقع التواصل الاجتماعي. لن أنسى الخوف الذي أحسسته يومها عندما وجدت الجميع يضحَك. الجميع بلا استثناء، كأن مصر كلّها تنظر إلى ركّاب الطائرة المختطفة المذعورين وتضحك حتى تكاد الأمعاء تنفجر. مشهد مخيف للغاية.

صحيحٌ أن الحزام الناسف لم يكن حزامًا ناسفًا على الأغلب، لكن وقتها لم نكن نعلم. وقتها كان الوضع كالآتي؛ طائرة مصريّة تحمِل على متنها مئات الركّاب يتحكّم بها مختلّ يضع حزامًا ناسفًا. كلّهم تحت رحمتِه. يمكنه أن يفقد عقله في أي لحظة لتصبح مذبحةً جديدة.

ثمّ جاء بيع جزيرتي «تيران» و«صنافير» ليستثير المزيد من الضحك. ليسَ من المتوقّع من نظامٍ لا يحفظ حرمة الدم أن يراعي حُرمة الأرض. كانت مذبحة رابعة الانتهاك الأكبر، وقد تنبأ كثيرون أنّ انتهاكًا بهذا الحجم يصغُر بعده أي انتهاك لأي حقٍ كان. لكن ماذا عنّا نحنُ؟ كيف، وبأي معنىً، نمزح بشأنِ هذا؟

يُجادل البعض أن ردّ فعلنا دفاعي نابعٌ من الحسرةِ المفرطة. أتفهم هذا، لكن الحسرة واجبةٌ في هذا المقام، كما أن الضحِك ضروري في مقام السعادةِ والرّضا. الإحساس نعمةٌ في ذاتِه وفي مآلاته: في ذاتِه، حين يكون وقعه جميلًا على النفس، وفي مآلاته حين يدفعُ بِنا إلى فعل شيءٍ ما.

على مستوى العلاقات، السخرية إثمُها أكبر من نفعها. ليس ما يعنينا هُنا هو أثرها على شريك العلاقة، وإنما أثُرها على النفس. أستعير تشبيهًا من مقالٍ يتناول الجانب السيكولوجي للسخرية: تخيّل أنّ الموضوع الذي تتناوله بالتحليل أو النِقاش – أو تتعامل معه نفسيًا – أشبه بطبقٍ من الطعام، وأن السخرية هي نوعٌ من التوابل. أضِفها بالقدر المناسب فهي تُضيف إلى مذاق الطعام وتجعله أفضل. لكن أضِف الكثير جدًا وسيذهب المذاق الأصلي؛ الحزن.. الفرح.. الفخر.. لم نعُد قادرين على الإحساس بأيٍ من هذا، لأننا وضعنا طنًا من التوابل.

يستغربُ الكثيرون من ضعف القُدرة على الحشد، والعجز التامّ عن إكساب أي شيءٍ زخمًا يحرّك الناس حوله. لكن الزخم يتطلّب قضيةً ما، أو حتى شخصًا ما، تلتف حوله الجماهير. وهذه القضية، أو هذا الشخص، يجبُ أن يُنظر له بعين الجدّية. لكن هذا متعذّر بسبب معاول السخرية التي لا ترحم؛ التي تحطّم كل شيء بلا حسابٍ.

لا أنسى تلك المرة التي استخدمت فيها صفحة أجنبية كلمة «Rape» – الاغتصاب – في سياقٍ هزلي. ضحكت كثيرًا يومها، لكنّي حين تفقدت التعليقات لم أجد أحدًا يضحك. كل التعليقات تقريبًا هاجمت مدير الصفحة بغضبٍ، لأن «الاغتصاب ليس مزحة» «Rape is not a joke». لاحظت بعدها أن الغرب، الذي ظننته لا يقدّس شيئًا، نجح بشكلٍ كبير في جعل السخرية من جريمة بشعة مثل الاغتصاب أمرًا يحذر الكتّاب أو الكوميديون الانزلاق إليه. لا بدّ أن تبقى جريمةً مروّعة تُثير غصّة في الحلق واشمئزازًا في النفس.

قارن هذا بتعاطي المصريين مع قضيّة مثل التحرّش. قلّما تجد شيئًا ما زال محتفظًا بهالته المفزعة، تلك الهالة التي تستفز ردّ الفعل المجتمعي – غير المنسّق في أغلب الأحيان – لم تعُد موجودة. نزعناها عنها وألبسناها ثياب المُزحة، حتى صارت مُزحة فعلًا. والنتيجة: لم يعُد في مِصر شارعٌ يمكن أن نطلِق عليه لقب «آمن». أجِد هذا مشاركةً بيّنة في الجريمة: أنتَ حين تسخر من الضحية، أو من الفعل الذي وقع عليها، فأنت تعرّيها من قدرٍ من إنسانيّتها، أو حرمتها. هكذا يصير انتهاكها أسهل على الجاني: أسهل لأنّها أصبحت «موضوعًا» بدلًا من «إنسانًا»، ولما ترتّب على غياب هذه النظرة الإنسانية من غياب العقاب الرادع. هذا الانفصال العاطفي يجنّبنا الكثير من الألم النفسي، لكنّه يجعلنا شعبًا من الخانعين.. الأنطاع.. الضاحكون. طبّق هذا على الغش في الامتحانات؛ على رداءة المحتوى الإعلامي والفنّي؛ على بذاءة اللسان والإهمالِ والتردّي في أي شيء وكل شيء؛ كل هذه الأمور «المُضحكات».

لو كان لمِصر أن تتجسّد، لتجسّدت في صورة سكّير ذهبت المخدّرات، والبلايا بعقله. يضحك بهستيريا بينما ينتهكه الجميع من حوله. سكّير يحتاج إلى من يمسك كتفيه ويهزّه بعنف.

قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قامت الساعة وفي يدِ أحدكم فسيلة، فليغرسها». لم تقُم الساعة بعد، وليست يدنا خالية من فسيلة تنتظر الغرس. حتى ولو رفضتها الأرض وبصقتها، وحتى لو كنّا لا نعرف بعد الطريقة المُثلى لغرسها، أو لا نملك يدًا قويّة كفاية لحمايتها، فالأجدر أن نبدأ المحاولة، وأن نسعى للتعلّم، وأن نكفّ قليلًا – فقط قليلًا – عن الضحِك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد