عيونٌ تتواصل مع العالم مقاومةً سرير الإصابة ناظِرةً ببراءةٍ تتساءل بطفولة: لِمَ حدث هذا؟ أما كان من الممكن أن تُمد لنا يدٌ لتُنقذنا من الجراح أم أنَّ أبناء الحصار مُحرَّمٌ عليهم الحياة؟ يكفى القدس شرفًا أننا أبناؤها وأننا حاولنا وما التزمنا الصمت أو وقفنا مكتوفي الأيدي!

طفولةٌ تُنبيء بالمستقبل:

لعائلةٍ فلسطينية مرابطة تقطن حي الدرج في مدينة غزة ولطبيبٍ يحمل حنان الأب في قلبه الدافئ وُلد ساري بتاريخ 4 فبراير (شباط) لعام 1996، ساري نسمةُ هدوءٍ وبسمةُ دعة، غصن زيتونٍ يضج بالسلام والحنان هادئًا مسالمًا جميلًا، ساري الذي جاء ترتيبه الثاني بين إخوته يملك من الإخوة خمسًا ومن الأخوات اثنتين، لم يكن الحَمل به أو ولادَته كأيٍ من إخوته لقد جاء إلى هذه الدنيا حين جاء وهو ابن ستة أشهر وأسبوع فتم وضعه في حضانة المستشفى، حين زار الأب ابنه في الحضانة ليطمئن عليه وجدَه مُزرق الجلد لا يستطيع أخذ نَفَسِه فمساراته التنفسية مغلقة بسبب الإفرازات فأخذ هو والفريق الطبي الموجود محاولة إنقاذه وإعادة الحياة له، تمكن ساري من التنفس مجددًا كيف لا وهو المقدر له أن يُسطر اسم بلاده بجراحه ويكشف التلاعب الطبي بجرحى غزة بجسده الضعيف القوي، ضعيف الحركة قوي الإرادة والمقاومة، مقاومة الواقع المرير والتزييف للحقائق كان حقًا يملك جسدًا نادرًا والأحداث أمامنا لنحكم.

مرةً أخرى وفي سن الرابعة في شهر رمضان المبارك عانى ساري من مشكلةٍ صحية (طفح جلدي) رقد على إثرها في مستشفى الدرة للأطفال بغزة وكان والده المرافق الشخصي له، وافق أن تكون هذه الليلة ليلة القدر، أجمع الأطباء والإخصائيين بعد عمل الفحوصات والتحاليل اللازمة أنّ أمام ساري 24 ساعة ليعيش، وتوجه الوالد لله بالدعاء مبتهلًا مترجيًا متيقنًا بأن الله لن يرده خائبًا وقد كان، تمكن ساري بفضل الله عز وجل أن يتجاوز 24 ساعةً بقلبٍ ينبض، ونفسٍ منتظم معلنًا بجسده الضعيف القوي مرةً أخرى أنه قادر على المقاومة والصمود وكسر المستحيل وأن تقديرات الأطباء ودلالات الأجهزة ليست هي المتحكم وليست هي كل شيء، هناك الله يا هؤلاء هناك الله .

وكأنّ القدر يرسم حكايةً أبطالها ساري بجسده المقاوم ووالده الطبيب داهود بقلبه المعبق حنانًا وإنسانية، حاز ساري مكانةً خاصةً عند والده هذه المكانة لم تؤثر أبدًا على مكانةِ إخوته فلكلٍ نصيبه من الاهتمام والحضن الأبوي، لكنّ ظروف ساري وجسده، وما نتج بعد ولادته بستة أشهر كان له ما له من اهتمام في طريقة التدريس والمتابعة وحفظ القرآن فكان الأب يخط الطريق لابنه والابن يمشى الدرب ثقةً بالله، وبأبيه، فقوة كلمات الأب وتشجيعه لابنه قادرة على قهر المستحيل، ورأينا هذا ماثلًا في غرفة العناية المركزة وساري يواجه الإصابة بإرادته، كما خطَّ الأب الحروف وساري يُهجىء ويعيد في طفولته خطَّ الأب الحروف في العناية المركزة وساري جاهدًا يحاول استعادة النطق والتغلب على الإصابة، علاقة خاصة نشأت منذ الصغر بين الأب وابنه، فمن مرافقته لابنه في المستشفى إلي تعليمه الحروف ونطقها وكأنّ المستقبل مر طيفًا تجريبيًا بالطفولة ليتجهزا معًا بالثقة المتبادلة بينهما يرافقهما اليقين بالله يتجهزانِ لمستقبلٍ لا يعلمه إلا الله.

درج ساري وتنقل في مراحله الدراسية فمن مدرسة بنات الدرج الابتدائية المشتركة درس فيها للصف الثالث إلي مدرسة هاشم الابتدائية للذكور في منطقة الشجاعية درس بها للصف السادس إلى مدرسة صلاح الدين الإعدادية (ب) والتي درس بها للصف التاسع ثم اختار ساري مسار التعليم المهني فالتحق بمركز الشافعي للتدريب المهني ودرس فيه عامان تخصص كهرباء سيارات.

ساري يقاوم الحصار

كان ساري صورةً للشاب الغزي المُكافح الممتلىء كبرياء فقد أظهر بكفاحه ومقاومته للحصار معدن شباب غزة، معدنهم الأصيل وعنفوانهم وكبرياءهم بألا يسمحوا للحصار أن ينتصر عليهم أو ينال من عزيمتهم، فانطلق ساري في معركة الحياةِ مبكرًا على شابٍ مسالمٍ طيب القلب مثله كان يخرج من السابعة صباحًا للسابعةً مساءً ليعمل في تصنيع منظفات الأرضيات والحمامات غير مبالٍ بالشتاء وبرودته أو بالصيف وحره، وبتأثير المواد الكيمائية، كالكلور على جسده الغض الجميل، فلم يعبأ لشكل يديه وما أصابهما جراء العمل رُغم أنَّ المردود المادي لا يكاد يُذكر، لكنْ قدر هذه المدينة وأبنائها أن يقاوموا بكل استماتة وأن يزرعوا الحياة في كل ركن وألا يستسلموا للحصار حتى لو اضطرهم ذلك للعمل صباح مساء، كان ساري يحاول مكافحًا في بيئةٍ ضاق بها الحال وانعدمت فيها فرص العمل، في مدينة حاصرها القاصي والداني ولم يبالوا بها أو يلتفتوا لجمال أبنائها وطُهر قلوبهم، فانطلق فلذات كبدها ليسجلوا مواقف العزة والمنعة لمدينتهم المحاصَرة ظلمًا وجورًا، ويُسطِروا بأجسادهم اللينة وقلوبهم المعطاءة آيات الصمود والصبر والرباط محتسبين أجرهم عند الله مواسين أرواحهم بصبر رسول الله في شِعب أبي طالب دافنين حزنَهم في قلوبِهم بصمت مخبئينه عن أهلهم وأحبابهم لئلا يساورهم القلق عليهم، ثم انتقل ساري بعد ذلك للعمل في استوديو للتصوير واضعًا كل موهبته هناك لعله يجد فرصة العمل التي تمكنه من جمع المال ليتزوج، حلمًا بسيطًابريئًا جميلًا من حق كل شاب.. لكنه في غزة غدا مستحيلًا!

واجه ساري في تنقله بين المهن كل ما يزج به معترك الحياة من أناس مستغلة لوضع الشباب وحاجتهم للعمل إلى أناس ليست صادقة في وعدها بدفع الأجر الكامل للعامل إلى التأخير والتسويف والتأجيل والمماطلة في إعطاء العامل حقه، ما حدث مع ساري وما خاضه في سنه المبكرة ما زال يحدث مع الآلاف من شباب غزة وخريجها الذين يحاولون تحقيق أحلامهم وستر عوائلهم كفيفةً عزيزة، تلك العوائل التى حين نادى الوطن لَبَت بالأبناء شهداءَ وجرحى وأسرى، وبالبيوتِ مقصوفةً مهدومةً مدمرة، جادت بالمال وبالطعام، لم تبخل بشيء على الوطن، وكانَ قدرُها أنْ تحملَ عبء الرباط بكل ثقله على كاهلَيها، ولقد حملَته بيقينٍ بوعدِ الله بلا تبرمٍ أو اعتراض، حملَته بصبر الرضا، لكنْ من حقها أنْ تنالَ حقوقها في وطنها، وأنْ تحيا حياةً كريمةً عزيزة لا تمُد يدُها لأحدٍ ولا يُقطَع راتب عائِلها أوتُعاقب في أرزاقها.

وهكذا نرى أن ساري أنموذجًا للشاب الفلسطيني المكافح في مقاومة الحصار بكل ثباتٍ وصبرٍ واحتسابٍ عند الله عزوجل، ورُغم هذا الحِمل الثقيل كانَ ساري حنونًا بإخوته مبتسمًا لهم مساعدًا وداعمًا بارًا بوالديه يعدُهم دائمًا أنه سيصنع لهم أفضلَ سمعة وسيجعلُهم يفخرونَ به وسيتكفلُ برعاية إخوته والاهتمام بهم والكثير الكثير من الوعود اللطيفة والأحلام الجميلة!

كان ذلك الفتى يُحمِّل نفسه الكثيرَ من المسئولية، يُخفى خلف جسده الغض الجميل وبراءة وجهه الصادقة الكثير الكثير من معادن الرجولة، أخبرتُكم لقد كان جميلًا.. جميل الجسد والروح.

ساري ويوم الإصابة:

جاء يومُ الاثنين الدامي 14 مايو (حزيران) 2018، يوم غزةَ الحزين يوم أنْ بكت وحيدةً ونزفت وحيدةً وسال دم أبنائها شلالًا ولم يتحرك أحد في هذا العالم الظالم أو يهمس ببنت شفة، يوم أنْ كان ذلك الأحمق ترامب يعلنُ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وكانت ابنته تتمايل ضحكًا وصخبًا وهى ترفع الستار عن حجر السفارة، هنا كان أبناء غزة على الشريط الحدودي يقدمون دمهم للقدس هديةً وجبرًا لخاطرها من أن يندسها زناة الأرض، ووقفت غزة رُغم قيد حصارها وجراح حروبها المتعمقة ووجع أهلها وقفت منتصبة تدافع عن القدس بكل ما أوتيت من قوة، عم الإضراب الشامل كافة مناحى الحياة في غزة وخرج الشباب الغزي الطاهر الجميل والعوائل والنساء والأطفال إلى السلك الحدودي شرقًا مؤكدين على حقهم في العودة رافضين نقل سفارة العهر الأمريكي لقدسنا الطاهرة ومن بين هؤلاء الفرسان الأشاوس كان فارسنا ساري وبدأت الحكاية .

كان استفتاح يوم الاثنين الساعة العاشرة صباحًا بإصابة ساري إصابةً خطيرة على أثر رصاصة قناصٍ صهيوني فكان الجريح الأول وانتقل الخبر سريعًا إلى عائلته: ابنكم ما بين جريحٍ أو شهيد وانطلق الجميع إلى المستشفى المركزي في غزة – مستشفى الشفاء – باحثين عن ساري، كان الوضع في مستشفى الشفاء يفوق تخيل أحد، عددٌ مهولٌ من الجرحى سيارات إسعاف تدخل بسرعة وغيرها تخرج بأسرع، حالة طوارئ قصوى جرحى في كل مكان دماء، وآهات وأصواتٌ مختلطة بمجيء شهيد أو جريح، وكأنَّ الحرب فتحت أبوابها لغزة من جديد، في الطرق الموصلة بين المستشفى والسلك الحدودي لا ترى إلا سيارات الإسعاف تغدو وتروح ولا تسمع إلا صوت صفارتها تخلع القلب في جوٍ حزينٍ مرتقب بالخوف من القادم، وكان جرح غزة يومها فاجعًا وموجعًا جدًا.

بحثوا عن ساري في كل أنحاء المشفى، لكنهم لم يجدوه لا في الطواريء ولا في ساحة المستشفى ولا أقسامه وبدأ البحث في المستشفيات الأخرى كمستشفى العودة والأهلي العربي ومستشفى القدس ولكن دون جدوى حتى الساعة الثانية ظهرًا جاء صوت أخيه ينادى: لقينا ساري.. لقينا ساري، ويا هول ما وجدوا!

كان ساري بطلنا الجميل ملقىً على الأرض في قسم استقبال الباطنة في مشفى الشفاء عليه إسطوانة أكسجين ينزف دمًا غريقٌ في دمائه مجردٌ صدره موثقٌ على جبينه ( مجهول رقم واحد)، وهذا أنت في وطنك مجهولٌ تُرقم برقم وتوضع جانبًا!

وكالعادة انطلق أبوه في محاولة إنقاذه وتعويض دمه النازف فتم تقديم 12 وحدة دم، بالإضافة لـ100 محلول حتى استطاعوا إنقاذه من موتٍ محقق ونُقل ساري على إثرها إلى غرفة عمليات اليوم الواحد تلك الغرفة المجهزة للجرحى الميئوس من علاجهم وهى قريبة للثلاجات ليتم نقلهم هناك بعد استشهادهم،مكث فيها ساري قرابة الخمسة أيام ثم نُقل إلى وحدة العناية المركزة – قسم جراحة القلب، وظلت محاولات أبيه مستمرة لعلاجه في ظل انعدام الجو المناسب للعلاج، فمستشفى الشفاء هو مستشفى مدينة محاصَرة لا يحوى الإمكانات الجيدة للعلاج فلا توافر للأجهزة الطبية ولا توافر لأسِرَّة المرضى بما يتناسب مع عددهم وحالاتهم ناهيك عن انقطاع التيار الكهربائي المستمر، كان أبناء غزة يموتون أمام الجميع وتتصاعد أرواحهم أمام عدسات الإعلام ولا مجيب!

ظلّت محاولات الأب مستمرة لم تقف فما بين فحصٍ دقيق لحالته حين ترددت آراء الأطباء واختلفت ما بين كسرٍ في فقرات الرقبة أو قطعٍ في النخاع الشوكي أو مجرد سحجات للنخاع الشوكي وتبين الأمر بتواجد ماء على النخاع فقط إلى محاولات حثيثة لإغلاق مخرج الرصاصة لأنها السبب الرئيس للنزف، وقد تم الإبقاء عليها مفتوحة تحسبًا لأى عمليات عصبية قد يتم إجراؤها، وصولًا إلى الحفاظ على حالة نفسية جيدة لساري من خلال القرآن ومواساته بكلمات التشجيع، كان ذكيًا يفهم ما يجرى حوله ويدري بوضع إصابته، تراه ماذا كان يقول لنفسه في صمت؟ طوال هذا الوقت وتواصل ساري مع العالم الخارجي كان عبر عينيه.. عينيه فقط!

مناشداتٌ للعالم

هي مناشداتٌ كثيرة وأصواتُ موجوعة تخرج بعيدةً بعمق الألم علّها تصل، لكنها سرعان ما تعود صدىً يلطمنا على وجوهنا بكل صفاقة العالم، حين اتضح أنْ لا علاج لساري بغزة ولكثيرٍ من جرحى مسيرات العودة قرر أحباؤه ومعهم الشباب الثائر عبر «فيسبوك» في حملة مناشدات تعرض حالة ساري ووضعه الصحي ليتمكن من السفر للعلاج في الخارج خاصة بعد كثيرٍ من الوعودات بالسفر لجمهورية مصر العربية وللأردن ومحاولات عديدة باءت كلها بالفشل تحت سيف الحصار والظلم، وبحمد الله عزوجل جاءت الموافقة على سفر ساري للقدس للعلاج في مشفى ماريوسف، كان ذلك بعد صلاة الجمعة مباشرة بتاريخ 25 مايو 2018 أي أنه تمكن من السفر بعد إصابته الحرجة بـ10 أيام، عمت الفرحة قلوب الجميع، وتجمعوا لتوديعه في ساحة دار الشفاء وانتعش الأمل في قلوبهم لعلّ ساري بإرادة الله يعود لنا على قدميه مبتسمًا كعادته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد