بصوته المبحوح، ونظرته الدافئة الحزينة، أطل علينا بأنشودته، التي لم نكن نعلم نحن أو هو أنّها الأخيرة المُنسدلة من لسانه إلى مسامعنا المرهقة من دوي القصف، وكأنها حَوَت وصيته قبل الوداع، تلاها لنا بشجن الصوت، ودفء النغم، بعمق الجراح، وعظيم الصبر، تلاها لنا بقمة الأمل ليس لسوريا فقط، بل لكل حرٍ في أوطاننا الجريحة.

«ثورتنا هذي كاشفة، سوريا ظلَي واقفة، رغم الجروح النازفة، لا بد يلفي العيد»

فكأنّي بصوته يشد عضد الأحرار من بعده، من مهجرين، ومغتربين، ومجاهدين، ومرابطين على الثغور، أنّ لا يهولنّكم حجم الخيانة، ولا يفت في عضدكم أو يفلَ من عزمكم هذا الكم اللانهائي من الخذلان، فهذه الثورة غربال تُسقِط كل الأقنعة، وتكشف كل العورات، وتُجلِي فساد القلوب؛ فتُظهر النفوس على معدنها الحقيقي، فهيّا أيها الظالمون اضربوا بقسوة، وأنتم أيها العرب واصلوا صمتكم المُخزي، وأنت أيها العالم استمر في كذبة الإنسانية والديمقراطية التي تدّعي، هيا اضربونا واجمعوا كل قوتكم ضدنا، هيا لتُبرزوا قوة معدننا وأصالة نفوسنا، لتُطهرونا من الخبث لنواجهكم بكل طهارة الإخلاص.

«سوريا ظلَي واقفة»، ويرسلها خفاقةً لبلاده بجبالها الشماء، ومروجها الخضراء، وأريافها النقية وأنهارها العذبة التي ما انحنت لظالمٍ على مر التاريخ أن ظلّي واقفةً في وجه الظالمين، شرسة مقاتلة عنيدة رغم هذا التآمر الدولي والخذلان العالمي من القريب والبعيد، الصديق والعدو، «لا بد يلفي العيد»، فوالله يا سوريا ويا أحرار سوريا إنّ الضربة التي لا تُميتنا تزيدنا قوةً، وتُسربلنا نقاءً وطهارة، تجدد فينا العنفوان والإصرار على المواجهة، بهذه المعاني الجمة دثّر الساروت وصيته بين حنايا أرواحنا وغادرنا مبتسمًا إلى ربه، عاد لله روحًا وجسدًا، وخفف حمل كاهليه بثقل أرواحنا.

عملاقًا ثائرًا صنديدًا أوجعت الظلم والظالمين بوجهٍ مكشوف، بصوتٍ مبحوح حاربتهم في قلب معاقلهم، أرعبهم صوتك أخافهم حب الناس لك، وهتافهم عند عبورك «عبد الباسط الله يحميك»، لم يكن هذا الهتاف الذي نادَوك به عابرًا، أو كاذبًا، أو متملقًا، بل كان نابعًا من قلوبهم، من معاناتهم، من قهرهم حين رأَوا فيك صدق الانتماء، وإخلاص الشعور، وتواضع القائد، رأوا فيك ما افتقدوا، ولا يُلامون على حبهم لك.

اتهمك الظالمون بالإرهاب، وبالتجنيد الخارجي، كان اتهامهم مهزلةً، لكنه لا يعكس إلا حقدهم وحسدهم من شخصك، فلطالما جلسوا على الكرسي ونالوا المنصب تلو المنصب، والترقية تلحقها ترقية، وتمر مواكبهم بالمارة، لكنْ لم يحدث مرةً أن هتف لهم أحد من قلبه بكل ما مَلَك من شعور، لم يحدث أن يتراكض الأطفال إلى أحضانهم، كما تراكضوا لحضنك وتعلقوا بعُنُقِك، مشاركينكَ أغاني الثورة وأهازيجها، فكيف لإرهابي يحب الأطفال ويحبونه؟ كيف لإرهابي أن يحوز كل هذا الحب؟ ألم أخبرك أنّها مهزلةً بصبغة الحقد والحسد.

ابن التسعة عشر ربيعًا، شاب يافع أمامه مستقبلٌ رياضيٌ لامع، لم يتردد لحظة في تركه حين كان الخيار هو حرية وطن وحرية شعب، نفسه أبية ترفض الضيم، روحه الممتلئة غيرةً ما كانت تسمح له بالخنوع لظالم، ومشاهدة المظلوم وحقه مستباح، فهبت نخوته تقارع السفاح، صرخ في وجهه حين أخفى الجميع وجوههم، صرّح بهويته متحديًا الغطرسة الأسدية حين اختبأ البعض خلف أسماء مُكنّاة، كان صوته سوَطًا لاذعًا على ظهر بشار ومخابراته، انطلق من شعور الناس، جمع آلامهم وأوجاعهم في حنجرته وصدح بها، بعقليته القيادية، وحديثه الموحِد للصفوف والجهود لمواجهة ناهب الأرض، ومدنس العرض، إنه مهندس المظاهرات الماهر، يفتتحها بالفاتحة على أرواح الشهداء، ثم الهتافات الشعبية والأغاني الثورية للصغار والكبار، للنساء والرجال، للمسلم والمسيحي، للسني والعلوي، ثم يختمها بسورة النصر إيمانًا ويقينًا بنصر الله – عز وجل- يجمع أحرار عاصمة الثورة «حمص العدية» من أحيائها كافة وفق هندسةٍ أعدها ورفاقه ليواجهوا بهتافاتهم جنازير الدبابة، وصواريخ الطيارة، وقنابل الكيماوي، ليجتثوا حريتهم من بين فكي الأفعى الأسدية؛ فسوريا بعظمتها وتاريخها وحضارتها لم تكن يومًا ملكًا لعائلة، بل كانت للإسلام، وستظل للإسلام منبعًا ومحضنًا ومعقلًا.

حين تتأمل حياته؛ فأنت لا تتأمل حياة إنسان، بل مسيرة ثورة، ومستقبل أمة أخذت وعدًا من قائدها الأبدي محمد – صلى الله عليه وسلم- بخلافةٍ على نهج النبوة تحت قبة الشام في بيت المقدس – قبة الصخرة- مسيرة الثورة بشهدائها، ومعتقليها، وجرحاها، وبيوتها المهدمة، ومغتربيها، ونازحيها، ومشرديها، بكل تضحياتها محفورة على وجهه مرسومة في حنايا عينيه، تنسكبُ في تعاريج صوته، تلك المسيرة الثورية بدأت بالحناجر والصدور العارية، والمظاهرات السلمية بزجلها وهتافاتها الشعبية، وحين قُوبلت بالقتل والإبادة من خائن الشعب والخذلان العالمي، اضطّرت لحمل السلاح للدفاع عن المظاهرات وأبنائها، فحوصرت وجوعت على مرأى من الحضارة الإنسانية التي لا وجود في قاموسها للإنسان، ثم الحصار الظالم البشع، والتهجير القسري الإجباري، ليس لضعفٍ ولا استسلام ولا لقوةِ عدوٍ وحنكته الحربية، بل لخيانة صديقٍ وطعنة غدرٍ آتت مفعولها جيدًا، وخذلان أمة ما عادت تنصر أبطالها، بعد ذلك يستمر المسير بتبجح القيادات الضالة، التي وجدت لها في ثورة شعبٍ ينشد الحرية غايةً تحققها لنفسها، تحت مسميات براقة تسرق عقول البسطاء؛ فبدأت الاتهامات والمحاصرة والتضييق، حتى انتهى الأمر بالغربة خارج الوطن، وهناك ما كان لحرٍ أن يأكل من ثمن ثورته، وما كان له كذلك أن يقف صامتًا منتظرًا شفقة القوم على الغريب؛ فكان مثل أي شابٍ لم تمنعه قيادته للمظاهرات والكتائب والملاعب عن العمل في أي مجال؛ ليعيل نفسه وعائلته، فعمل في الخياطة، رغم إصابة قدمه الشديدة، ثم في إصلاح السيارات، كان أبيًّا يا هؤلاء!

وكذلك نفسُ الحر إنْ كانت خارج ميدانها تثور براكين عودةٍ للداخل، فعاد بلا قناعٍ، وبلا مواربة، وقاد المظاهرات مجددًا واعتقله هناك من وضعوا لمؤخراتهم كراسيَّ جلوسٍ على حساب دم الثورة، ثم خرج تحت ضغطٍ بهتافات جماهير الثورة في الميادين؛ ليعود إلى رصّ الكتائب، وتثبيت الجبهات وتدشينها، فلا وقوف لحرٍ طالما عاقه الوصول يا عبد الباسط، لقد كنتَ شيئًا لا يؤطر، لا يُحتوى، لا يوضع تحت جناح.. كنت حرًّا.

كان نموذجًا ثوريًّا، بل ثورة بكل مساراتها، وقف في قلب ثورته منافحًا مكافحًا يذود عنها، امتطى صهوتها يرمحُ رمحًا سريعًا يصعد بها وتصعد به، ارتفع اسمه رمزًا للثورة، وحافظ على ذلك الارتفاع، فلم يخن ثورته، ولم يستسلم، ولم يهن للمغريات، ولم يتراجع طافقًا كفيه مقلبهما أن لا قدرة له على مجاراة أحداثها بكل ما استجد بها، بل رابط على حدودها كعيون صقرٍ يرصد وينبه الثوار لكل المتاهات المراد الزج بالثورة فيها، كان مع الثوار من أبناء شعبه على خط النار، فلم يتركهم حين المجازر والقتل والحصار، كما فعل البعض ممن تصدر الثورات العربية إعلاميًّا، وحين ظهر معنى الثورة الحقيقي في الميدان وعظم التضحيات، اختبأ في دول كرست كل جهدها لمحاربة الحرية في أوطاننا، وما بين الفينة والأخرى يُطلق بيانًا متفلسفًا فيه على الثوار وتضحياتهم، لكنَّ الساروت كان نموذجًا فريدًا كان قبلهم في الميدان، وفي كل محاور التضحيات له بصمة، بل دماء وأشلاء، وما حدث مع عائلته، واستشهاد إخوته خير دليل، وما هذا بمستغربٍ منه، إنه سليل السيوف، وحفيد ابن الوليد، وابن سيدي خالد الذي غنّى له بألحانه الحزينة، وطالما تأمل رقوده الجبار هناك في قبره في الحبيبة حمص، إنه صوت القائد خالد الهدار الممتد عبر الزمن، يصفع به الظالمين ويزأر فيهم «بعهد عمر وأبو بكر حنّا نجي… أبدًا ما نركع للظلم ونرتجي».. إنه الساروت.

وقد آن للبطل أن يترجل، وللجسد المنهك أن يرتاح، وللقلب أن يبتسم برضى واطمئنان، حان للكتف أن يتخفف، وللحمل أن يترَحلَ لظهرٍ آخر، حان لذلك الأشم الذي لم يجد صدرًا يرمي برأسه عليه فرمى برأسه على بندقيته الملقاة على ريف حماة ونام، يا أبا جعفر إنّ الشهادة للمجاهد دار.

مسيرة مليئة بالتحديات، بالتضحيات، بالشجن لمدة ثماني سنوات هي عمر الثورة السورية، حتى لحظة ارتقائك للعلياء، والتي وافقت سبعة وعشرين عامًا من عمرك الغض الجميل، فما الجسد إلا وعاءً احتوى الروح لأجَلٍ مسمى يا زينة الثوار.

رحلت وما زال زئير صوتك زلزالًا يسخر من الأسد، وكل من دارَ في فلَكه، يسخر من جُبنِهم، من ضعفهم، من استماتتهم في البقاء، يسخر من حضارة هذا القرن المليئة بالدجل والنفاق، رحلت لكنّ روحك ما زالت ملتقى الثوار، وما زالت هتافاتك تفجر فيهم طاقة الاستمرار والمواجهة بعون الله، رحلت وما زال دفء صوتك للمعذبين متنفسًا، كلماتك ونصائحك وتحذيراتك منارة فهمٍ ووعىٍ للطريق، مَعِينًا يشرب منه الأحرار ويطوفون حوله، كلما خذلهم المتخاذلون.

لكننا كيف سنواجه حمص بدونك؟ ماذا سنخبرها حين تسألنا عنك؟ حين تتفقد الوجوه ولا تراك؟ حين تتلمس رائحتك ولا تجدك؟ حين تبحث عن صدى صوتك المبحوح في آذاننا، وفي شوارعها المضاءة بالدماء؟ عن دفء عينيك في ملامح الصغار؟ماذا سنخبرها حينذاك؟

سنخبرها: يا حمص فتاكِ لبّى نداء حماة، وحسبنا الله في علاه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد