روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه لما نزلت (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)، قال له عديُّ بنُ حاتمٍ يا رسولَ اللهِ (إني أجعلُ تحت وسادتي عِقالَين عقالاً أبيضَ وعقالاً أسودَ أعرفُ الليلَ من النهارِ) فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ (إنَّ وسادَك لعريضٌ إنما هو سوادُ الليلِ وبياضُ النهارِ)، إن هذا النص يوضح مدى حيوية وضرورة بناء تصور سليم وتكوين مفاهيم صحيحة وذلك لأن كل فعل إنما ينطلق من تصورات فاعله فالذي يأكل كثيرا يتوهم أن كثرة الأكل دليل على الصحة والقوة والذي رأى قارون في زينته توهم أن هذه هي العزة وتمنى أن لو كان مثله أما الذي كان يمتلك تصورًا صحيحًا كان فعله تجاه رؤية موكب قارون قويما ومستقيما.

 

إن الذي يؤمن بأن الإسلام نظام شامل لجميع مظاهر الحياة من دولة ووطن وحكومة وأمة وخلق وقوة ورحمة وعدالة وثقافة وقانون وعلم وقضاء وجهاد ودعوة وجيش وفكرة ومادة وثروة وكسب وغنى وعقيدة سليمة وعبادة صحيحة تراه في المساجد و الصلوات كما تراه في الجمعيات والمنظمات تراه في مهنة أهله كما تراه في شؤون أمته مطمئن القلب الذي هو موطن المفاهيم نشيط الجوارح التي هي أداة السلوكيات أما الذي يتصور أن الإسلام كله هو هذا الحديث النبوي الشريف أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

يتصور أنه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة لهذا تجده يقف ضد الحركات الاسلامية العاملة في الحقل السياسي فيعاديهم ويضيق عليهم إن كان صاحب سلطة وجاه ويخاصمهم ويهجوهم إن كان مواطنًا من عامة الناس، أذكر حين ذهبت إلى بيت احد الأصدقاء أسال عن أحواله خرج إلي أبوه وقال إن فلان ليس في البيت وحينما التقيت بصديقي في صلاة العشاء أخبرني انه كان في البيت لكن أباه ذلك الرجل الفلاح البسيط لا يريد أن تكون هناك أي صلة بينك وبيني وحينما سألته عن السبب قال لأنك من الإخوان وأبي يكره الإخوان.

 

كان هذا الجواب دافعا لي لتغيير هذا التصور لديه فأخذت أكرر الزيارة لا إلى صديقي ولكن إلى أبيه ثم انقطعت عن زيارته فترة علمت على إثرها أنه قد أجرى عملية جراحية فذهبت إلى زيارته فهش لي ورحب بي وقال: إزيك يا بني أخبارك إيه ربنا يكرمك ويبارك فيك وجلست قليلا ولما هممت بالاستئذان قال: صديقك فلان في مشوار وسيأتي قريبا فاجلس قليلا.

ما نفهمه من هذا أن الإنسان إذا عرف الحقيقة تحرك حركة صحيحة ومن أخطأ في مفاهيمه وتصوراته أخطأ تبعا لذلك في أفعاله وتصرفاته. يسأل النبي يوما أصحابه أتدرون من المفلس فيقولون المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل المفلس في أمتي من يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال لكنه سفك دم هذا وأكل مال هذا وشتم هذا فيأخذ كل من حسناته حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم وطرحت على سيئاته ثم طرح في النار.

 

إن عمليه تصحيح المفاهيم والتصورات من الأهمية بمكان لذا اعتبر الإسلام أن من يقوم بهذه الوظيفة وينهض لها إنما هم المجددون الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة عام وهذا يدل على مدى إدراك الإسلام لخطورة التصورات على أفعال العباد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد