1,166

ما زلت على رأيي في أن أسعار الدولار سوف تصل إلى خمسين جنيهًا في حدها الأدنى قبل نهاية العام الحالي. وليس هذا من  باب التنجيم والدجل والشعوذة، وإنما وفقًا لمعطيات اقتصادية بحتة لا تحتاج حتى لمسؤول لم يكمل تعليمه الثانوي. دعك من رجالات الاقتصاد وجيش المحاسبين الذين يديرون دفة الاقتصاد الوطني.

عندما اجتمع المجلس الرئاسي قبل فترة قصيرة بغرض محاصرة أسعار العملات الأجنبية وارتفاعها كان الدولار يساوي اثنين وعشرين جنيهًا. وقلنا وقتها إن مطاردة تجار العملة تسبب الكثير من الهلع وسط التجار والمضاربين، وقلنا إن هذا سوف يرفع من سعر العملات الأجنبية وضربنا مثلًا بالكشات التي تنظمها محليات أمدرمان لأصحاب الدرداقات والتي ترفع سعر العتالة لمن حالفه الحظ ولم يتم القبض على درداقته. وقد كان ما توقعنا فقد وصل اليوم سعر الدولار إلى اثنين وثلاثين جنيهًا. وهو الارتفاع الأكبر خلال السنوات الماضية وهي قابلة للزيادة لجملة أسباب منها ما يخص القيادة السياسية العليا للبلاد. ومنها ما يخص الشخصية السودانية أو المواطن. ويتحمل الطاقم الاقتصادي ووزراء هذا القطاع أيضًا مسؤولية ما يجري من فوضى ظاهرة للعيان. وفي هذه المساحة سنشير إلى وقفات قصيرة عن هذه المصائب التي ربما كلفتنا وطنًا نريد أن يكون كبيرًا في زمن التقدم. وهو بالتأكيد أهل لذلك.

نعم إن القيادة السياسية العليا تتحمل القدر الأكبر فيما يجري لاقتصاد هذا البلد. فلا يعقل أن يصل الاقتصاد السوداني إلى هذا الوضع الذي لم يصله حتى في عز سنوات الحرب في دارفور وجنوب السودان وهي لعمري من أكثر الصراعات المسلحة إنهاكًا للاقتصاد في أفريقيا إن لم يكن في العالم. والحرب هي خسارة في خسارة والمنتصر فيها خاسر أيضًا، وأضف إلى ذلك أن خارطة المعادن العالمية توضح لك أن هذا البلد يمتلك الفوسفات – اليورانيوم – الحديد – النحاس – وثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا وقريبًا الأول عليها. وما يقارب الـ200 مليون رأس من الأنعام – أبقار، إبل، أغنام.

وأضف عليها 200 مليون فدان صالحة للزراعة. و20% من مساحة السودان هي عبارة عن مسطحات مائية منها نهرا النيل الأزرق والأبيض، ونهر النيل العظيم، ومياه جوفية تروي ظمأ كل سكان الوطن العربي، وبترول، وغاز، ومشروع الجزيرة بكل هيلمانته السابقة، وقاعدة تعليمية محترمة، ورجال أقوياء أولو بأس شديد. إذن ماذا تريد القيادة السياسية أكثر من كل هذا حتى تبني وطنًا عزيزًا سيدًا. هل يريدون وطنًا بلا موارد طبيعية مثل اليابان أو كوريا الجنوبية والشمالية، وكلاهما دول عظمى؟

دائمًا ما يحسدنا العالم على هذه النعم. ويتهيب مستقبلنا الأعداء والأصدقاء من قوتنا المستقبلية في ظل كل هذه الموارد. ففي محاضر الإسرائيليين لا يخفون تذكير الجميع بأن السودان لديه قوة محتملة أقوى بكثير من مصر والسعودية وفقًا لحسابات معينة، كما اعترف الشهيد صدام حسين بتآمر العرب على السودان من أجل هذه القوى المحتملة وحكى قصة مطار بورتسودان الشهيرة ووضح لماذا تم تشييده في هذا الموقع بالذات. وما زالت مصر تتهيب صعود السودان كقوة في المنطقة لحسابات الاستغلال الأمثل لحصته من المياه.

من أجل هذا لا عذر للقيادة السياسية في هذا الوضع المتردي أبدًا. فليس بالإمكان أكثر مما كان، ولو افترضنا ردود القيادات العليا في الدولة وأقصد مؤسسة الرئاسة بأن الوطن مستهدف، فكل العالم مستهدف. ولو الحرب، اليوم توقفت الحرب.

ولو أن السوداني مستهلك، فلماذا لا تمنعون الاستيراد إلا للمواد الضرورية للحياة؟ من الذي منعكم من هذا الإجراء؟ وهل يعجبكم أن يستورد التجار أساسات من الخارج، ولعب أطفال، وحلويات وفواكه وأسماكًا ولحومًا؟ والله هذه هي الفوضى يا قادة التاريخ.

والطامة الكبرى لماذا يوجد في هذا البلد عدد أكثر من ألفي دستوري بمخصصات من سيارة، لوقود، لنثريات. ماذا يعمل هؤلاء في وطن يحتضر؟ شاهدت معتمد إحدى محلياتكم يركب سيارة  لاندكروزر 2017 أوباما قيمتها ثلاثة مليارات جنيه. فأقسمت بالله أن هذا الشاب لو كان يعمل على قدر قيمة هذه السيارة لما كانت معتمديته كلها زبالة ووسخًا وعفنًا، ومستشفياتها مثيرة للاشمئزاز والسخط.

لماذا لا يبعد هذا الكم الهائل من الدستوريين لمدة عامين فقط حتى يتحسن الاقتصاد، ثم يعودون للتلذذ بالنعم. فنحن لسنا ضد الأقدار وحظوظ الدنيا، لكننا مع المصلحة العامة.

أما ما يلي المواطن السوداني، فهو أيضًا لديه صلة بما يحدث. فلو أنه ترك شراء الأشياء غير الضرورية لأصبح سوقها باهتًا، وفشلت في أسواق بلادنا. فلو عدنا وعلمنا أطفالنا باللعب بعلب الصلصة الفارغة وسواقة اللساتك المنتهية (الترتارة) لوفرنا قدرًا من استيراد لعب الأطفال المنهكة للاقتصاد وأضف إليها مقاطعة أسماك التونة، والفواكه المستوردة. قد يقول قائل إن من يشتري هذه الأشياء هم من المقتدرين وليس عامة الناس؟ سنقول ولمَ لا نتكاتف جميعًا من هذا الوطن، بعزة وكرامة وشموخ؟

وحجر الزاوية في كل هذا هو الطاقم الاقتصادي فهو المسؤول، فيجب على وزير المالية أن يدير ملف وزارته بقدر من المسؤولية والوضوح والشفافية، حتى لا يكون كبش فداء لأخطاء آخرين. هنا تظهر الوطنية بعيدًا عن الولاء للكيانات، وأن يكون التزامه للدولة والوطن، وليس لأحد، وأن يحسن إعداد الميزانية وليس كميزانيته التي أحسب أنه أعدها على عجالة من أمره. فهي ليست ميزانية معيبة وإنما مخلة. سنتناولها في جزئية أخرى.

أما الرجل الأكثر أهمية في اقتصاد البلد، فهو السيد محافظ بنك السودان. يجب أن لا تسمح بطباعة العملة لسد عجز الموازنة، فهذه من أسهل الطرق ولكنها أكثر تدميرًا للعملة الوطنية. فلا يعقل أن تكون نسبة نمو العملة السودانية للعام الماضي 54%، وهذا سقوط مريع. كان صابر محمد الحسن المحافظ التاريخي للبنك المركزي حاسمًا في هذه المسألة.

في هذا العالم ليس هناك مستحيل، بتضافر الجهود والمسؤولية والشفافية تهون كل الصعاب. أما بالعجرفة والكبر، وعدم المصداقية والجهل والمحاباة والالتزام الزائد للآخرين على حساب الوطن فهذا يعني أننا كل عام ترذلون فنفتح ثغرة للضعف والهوان وضياع العزة والكرامة، ليتسلل منها شخص مثل محمد بن زايد ليتطاول على وطن هو مهد الحضارات القديمة وأرض البطولات ونصير الضعفاء، أو يبتزنا شخص مثل حمودي ولد سلمان ليطالبنا بأن نفعل كذا ونترك كذا. ويتآمر علينا سي عبده الجحش مع ولدنا العاق أسياسي أفورقي. فرجاء، ورجاء عاجلًا لا مكان للتشاؤم، والعاجز يستقيل، فأحلامنا لهذا البلد أكبر من ما يتوقع الحلم نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك