لقد كان التملق والانكسار لذوي الحظوة والسلطان حاضرًا في كل المجتمعات الإنسانية، وعلى مر العصور بقديمها وحديثها، فهناك الكثير المثير من قصص الملق والدهنسة حدثت في مجالس الحكام وأصحاب الجاه والنفوذ،، منها ما كان موثقًا، ومنها ما كان عابرًا لم يجد حظه من الذكر.

إن عالم اليوم تميز بالأرشيف الإلكتروني، فأصبح كل ما يكتب أو يقال محفوظًا، ويمكن بكل بساطة إعادة إخراجه للذكرى وذكر فإن الذكري تنفع المؤمنين.

اليوم يتداول السودانيين في وسائط الميديا مقالين صحفيين مختلفين لكاتب سوداني شهير، وهذان المقالان يختلفان جملة وتفصيلًا في المعني والدلالة.

الأول كتبه الكاتب متهجمًا على مدير جهاز الأمن السوداني واسع السطوة والنفوذ بعد إقالته من منصبه معددًا فشله واصفًا له بأنه ضابط فاشل،، وهو ليس برجل المخابرات العظيم الأكثر ذكاء كما اشتهر عنه، ومدللًا فشله بعدة أسباب وأحداث وقعت إبان فترته، والذي كان قائدًا أعلى لجهاز الأمن في السودان.

بينما المقال الأخر وكتبه بعد إعادة تعيين الرجل مديرًا للجهاز مرة أخرى، حيث كتب الكاتب الصحفي الهندي عز الدين مقالًا مناقضًا تمامًا لمقاله السابق واصفًا الرجل بصاحب الشخصية القوية، وبأنه هو من طالب بعودته كيف لا.. وهو من الحرس القديم، وأنه الرجل المنتظر وأوصاف جديدة حتى على مسامعنا.

بدورنا نحن نتساءل ما هو الجديد في الأمر؟ هل هذا هو نفسه صلاح قوش مدير المخابرات السابق؟ أم شخصية أخرى؟ وهل لو لم يعد إلى منصبه مرة أخرى كان بالطبع سوف يحظى بكل هذه الأوصاف الرائعة في حق الرجل، والذي نأمل أن يكون صادقًا فيها؟

ليس لدي أي تفسير لهذه الحالة سوى أنه الخوف والرعب، وربما حرصًا على المصالح، فشخصية صلاح عبد الله قوش الصارمة والقوية وسيرته المرعبة التي تضاهي بطلًا من فلم رعب، هي تفرض مثل العبارات التي وردت في مقال الكاتب الثاني. والرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات والجبن هي التي رسخت عبارات التوصيف في مقال الهندي عز الدين الأول. وهذه الحالة ليست الأولى ولم تكن الأخيرة في عالم الصحافة والإعلام بهذا البلد وغيره.

وهنا استحضر قصة الإعلامي النصاب توفيق عكاشة مزور شهادة الدكتوراة مقدم برنامج مصر اليوم على شاشة قناة الفراعين حيث تحدث في برنامجه عن الرئيس السيسي وقت أن اختاره الرئيس السابق محمد مرسي ليكون وزيرًا للدفاع خلفًا للمقال حسين طنطاوي (فقال وظل يردد دائمًا أن السيسي هو رجل الإخوان المسلمين في الجيش) وبعد أن حدث الانقلاب بالسيناريوهات التي وقعت وتقلد السيسي السلطة، وبذاك يحسده، قال توفيق عكاشة في نفس البرنامج إنه كان يقول السيسي رجل الإخوان المسلمين في مصر ليضلل الإخوان الذين بلعوا الطعم، وأنه أخبر السيسي بهذا الأمر فاستحسنه.

لاحظ كيف يتم تبديل المواقف والتلاعب بالألفاظ والتعبيرات اللغوية، نعم لقد أصبح من السهل أن تتبدل المواقف.

يقال إنه ذات يوم دخل الشاعر صاحب النوادر والطرائف، أبو دلامة، إلى مجلس فيه حضرة من وجهاء البلد من أصحاب السطوة والنفوذ، فقالو له يا أبا دلامة: إن لم تهج أحدنا لقطعنا لسانك، فتلفت الرجل يمينًا ويسارًا، ولم يجد شخصًا ضعيفًا هينًا ليهجوه، فخاف أن يقطع لسانه، فقام فهجا نفسه قائلًا عباراته المشهورة: (ألا قبح الله أبا دلامة … إذا لبس العمامة صار قردًا … وخنزيرًا إذا نزع العمامة)، وعلى ذات الطريقة وبهذا السيناريو فلنفترض أن مثل هذا الكاتب دخل مجلسًا في حضرة صلاح قوش، وحمدان دقلو، ونافع، وقيل له اهج أحدنا، فإذا كان أبو دلامة تلفت يمينًا ويسارا.. فأعتقد ان هذا الرجل سوف يهجو نفسه بدون اجتهاد.

قبل فترة قدمت السفارة الأمريكية الدعوة للأستاذ الصحفي بجريدة الصيحة أحمد يوسف التاي لزيارة واشنطن والأمريكان أصحاب سطوة ونفوذ.. اعتذر الصحفي عن الدعوة اعتذارا قاطعًا معللًا أن هؤلاء هم أعداء الأمة، وليس المشكلة في الزيارة، وإنما ما بعد الزيارة، فسجل هذا الموقف كقيمة عظيمة لهذا الرجل في تاريخه الإعلام، بينما اليوم يتبارى السودانيون بهذين المقالين المختلفين في المبادئ والقيم ولسان حالهم يردد: مع الهندي عز الدين، عش رجبًا تري عجبًا!

نعم إنه في عالمنا اليوم كل كلمات تكتب سوف تبقى تذكرنا من أنت وما هو أصل الحكاية.. لأنه وما من كاتب إلا سيفني، ويبقي الدهر ما كتبت يداه، فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد