في مطلع تسعينيات القرن الماضي وبمنزل متواضع بأحد أحياء العاصمة الفرنسية باريس، افتتح رجل مدرسة لتعليم قرصنة الحواسيب الشخصية (الهكر)، عملت المدرسة ردحًا من الزمن، إلى أن أصبحت ظاهرة القرصنة مزعجة في كل العالم. استدعت النيابة العامة صاحب المدسة وطلب منه المثول أمام محكمة خاصة بحجة أنه يعلم الطلاب قرصنة الحواسيب وتهكير الملفات مما يسبب أضرارًا بالغة لأفراد المجتمع، فمثل الرجل للمحكمة وتُلي عليه الادعاء، فكان دفاعه مجرد سؤال يقول (هل عشرات مدارس تعليم قيادة السيارات في العاصمة باريس مسؤولة عن الحوادث التي تحدث للسائقين) بمعنى أنا أعلم القرصنة كعلم؛ لكنني لا أطالب التلاميذ بممارسته. نعم لقد كان دفاعًا بليغًا، نال البراءة على أثره، لكن الجميع يعرف أنه مدلس.

إن للقانون والعدالة والظلم حكايات، حكمًا وعبرًا وأساطير. أبطالها دائمًا المدلسون والغشاشون وضحاياها أقلهم بلاغة وأكثرهم مبادئ.

في سنة 1970 قبل الميلاد كتب رجل اسمه حمورابي أول قانون متكامل على وجه الأرض. في منطقة ما بين النهرين (بابل في العراق حاليًا) ولأنه لا يثق في زملائه من أهل القانون، عمد إلى كتابته في ألواح من الحجر ووزعت على العامة. حتى لا يأتي أحد ويدلس ويغش الآخرين به وليكون معروفًا للعامة. بالرغم من هذا التاريخ الطويل لتلك الفترة، اليوم يوجد نسخة من هذا القانون في متحف اللوفر الشهير بباريس العاصمة الفرنسية. إذ إن هذا الحمورابي  من قبل ميلاد الرسول الكريم عيسى عليه السلام بألفي عام كان يتخوف من الغش والتدليس والخداع.

إبان فترة حكم القنصل بومبي للإمبراطورية الرومانية ظهر قانونيّ صغير السن يدافع عن المتهمين بطريقة بليغة وغالبًا ما يكسب قضاياه. ولطالما دندن الحضور مصفقًا لهذا الشاب اللامع في القضايا التي يترافع عنها، وهو جوليوس قيصر الذي صار إمبراطور روما فيما بعد. لكن هل كان جوليوس قيصر صادقًا فيما يقول؟ لا أبدًا وإنما كان مدلسًا عظيمًا. ولم يكن صاحب مبادئ لا يهمه العدالة ولا القيم الرفيعة، فسيرته تقول إما أن يكون في سرير زوجات الرجال وإما أن يقوم بمجزرة بشرية. إذن جوليس أغسطس قيصر نفسه لم يترافع في روما القديمة من أجل العدالة.

اختصم رجلان في حضرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فقدم لهم نصيحة قائلًا: (إنما أنا بشر لعل بعضكم يكون أبلغ من بعض فأقضي له فإن قضيت له بحق امرئ فإنما هي قطعة من نار فليأخذها أو ليتركها).

الرسالة واضحة في قول رسول الله. فيمكن لقوة الحجة وليس صحتها أن تؤثر في مجرى العدالة.

كنت طالبًا في إحدى الكليات الدراسية وكنا ثلاثة أصدقاء نحن الأكثر غباءً في جيلنا. ذات يوم ظهر محرك الكلية الأول وهم برفد أحدنا وكان له ما أراد، فالرجل تلا قرار الرفد بعبارة (لقد قرر المجلس المحلي للكلية كذا وكذا…) بعد سنوات طويلة عرفت أنه لا يوجد مجلس  محلي ولا غيره. وأخبرني صديقي الغبي الآخر أن هذا الرجل هو ذاته المجلس المحلي يعني الحكام والجلاد.

في بحر الأسبوع الماضي ذهب أحد أصدقائي ليستوضح مسألة قانونية في غاية البساطة من جهات الاختصاص، فكان رد مستشارهم القانوني عبارة عن قراءة من كتاب المطالعة فقط. جعل يقرأ له (بعد الاطلاع على كذا، وبتاريخ كذا… وعيك عيك… اقبض اقبض) الشاب خرج من الموضوع تمامًا. وصديقي المسكين لم يفهم أي شيء، سوى عبارة إن القانون ثغرات… تخيل القانون ثغرات، لا مبادئ ولا قيم ولا أخلاق؛ فقط ثغرات.

كان الدكتور مصطفى عثمان وزير الخارجية السوداني الشهير يحكي دائمًا أنه عندما يسأله صحفي سؤالًا لا يريد إجابته يجيب إجابة عن سؤال آخر تمامًا، وهذا ما حدث بالضبط لصديقي المسكين جدًا فهو لا يعرف ما يجري في دول العالم الثالث.

إن القانون واللوائح تطبق غالبًا عند الحاجة إليها، ودائمًا هي قانون القوي وليس قوة القانون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد