خُلق الإنسان ليُختبر، فحينما نتفكر في خلق الله، والتوازن المخيف الذي خلق الله به ذلك الكون، نرى بوضوح ـ لا ريب فيه ـ أنه لا مصادفات، ولا شيء يحدث بلا هدف، أو غاية، فحتى خروج سيدنا «آدم» من الجنة، لم يكن لمعصية أو إغواء، ولم يكن مصادفة، وإنما كان مقدرًا قبل خلقه، وحتميًا؛ لأنه خُلق لإعمار الأرض وليُختبر فيها، هو وبنوه من البشر.

وهذا ما يجعلنا نتفكر في دور «إبليس» في اختبار البشر، وإن كان قد كُلِف بمهمة شاقة، من «الله رب العالمين» ليكون هو محور الاختبار، وأن تكون مهمته إغواء بني آدم ليحاسب من يتبعه، ويكافئ من يتبع خطوات الله.

فإبليس هويته ـ قبل خلق آدم ـ بها من الغموض، ما جعلها موضع خلاف بين العلماء؛ فلا اتفاق على ماهيته قبل آدم؛ فقيل إنه كان من الملائكة العظام، وهو قائد السماء الدنيا، وقد اختصه الله بوضعه على رأس ذلك الجيش الذي أنهى حكم الجان على الأرض، بعدما أفسدوا فيها، وقيل إنه كان من الجان، وقد رُفع إلى السماء مع الملائكة، بعد أن انتهى حكم الجان للأرض، وقيل إنه كان من الملائكة، من حي يسمى الجن، وذلك الغموض هو ما يدفع عقولنا للتفكر فيما هو ذلك الكائن، وأسباب خلقه، والدور الذي يقوم به منذ خلق آدم، وحتى قيام الساعة.

وكما أن الإنسان خُلق للاختبار، فإبليس ـ إن كان من الملائكة ـ فلم يكن له الخيار، وإن كان من شياطين الجن، فلم يكن مأمورًا كالملائكه بالسجود لِما خلق الله؛ لأن الأمر الإلهي كان واضحًا لملائكته بالسجود «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ»، ولذا فهناك ما يدعونا للاعتقاد بأن إبليس قبل معصيته كان من الملائكة، ولم يكن جنيًا قط؛ لأن أمر الله قد شمله حين أمر الملائكة بالسجود.

وهكذا، إن أدركنا أنه ملاك كسائر الملائكة الكرام، فقد خُلق لهدف محدد مكلف به؛ فكل ملاك قد خُلق لهدف محدد، فكما أن هناك من الملائكة من خُلقوا لحمل عرش الرحمن، ومنهم من خُلقوا ليكونوا موكلين بحفظ أعمال البشر، وهناك ملائكة كـ«رضوان» خازن الجنة، و«جِبْرِيل» سفير الله لأنبيائه، و«إسرافيل» المكلف بالنفخ في الصور، و«ميكائيل» الموكل بالرزق، و«الزبانية» الموكلين بشؤون جهنم، ومن فيها، فخلق إبليس كان لسبب محدد كالملائكة؛ فالملائكة لم يُخلقوا ليخيروا، ويختبروا كالبشر، وإنما ليطيعوا أوامر الخالق «لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» وهم يفعلون ذلك، بلا ممانعة أو اعتراض.

أما عن معصيته لله، فلا يمكننا الجزم بتلك الدوافع، التي جعلت من هو في السماء، وأعلم بقدرات خالقه، يعصي ذلك الأمر الإلهي، خاصة وأن هناك من هم أعظم منزِلة منه، وقد أطاعوا الله، ولم يكن بهم كِبر أو نفور، وإن كانت المعصية، فإنه، لم يكن ليعلم أن الله سينظره ليوم القيامة، ولن يقيم جزاءه في السماء حينها، وعليه فإن تلك المعصية، لم تكن ـ أيضًا ـ مصادفة خاصة، وإن الله تعالى هو أعلم بالغيب، وهو أعلم بما كان سيحدث حين أمر الملائكة بالسجود لسيدنا آدم.

وعن إغوائه لبني آدم، فإنه إن كان ملاكًا مكلفًا بتلك المهمة، فعلينا أن نكون على يقين بأن الله قد أعطى للبشر ما يجعلهم قادرين على مواجهة ذلك الإغواء؛ حتى تتحقق العدالة في ذلك الاختبار، فإن اتبعوه، حق عليهم العقاب، وان اتبعوا الحق كان جزاؤهم الجنة. «وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ» فالله من أعطى له ذلك السلطان على البشر، والعدل الإلهي يستوجب إعطاء البشر ما يمكنهم من مواجهه ذلك السلطان، ولذا فما يميز البشر هو قدرتهم على الاختيار.

ويأخذنا ذلك لأمر آخر، وهم الشياطين، ودورهم مع إبليس، وأين يكمن الشر في ذلك العالم؛ فالشياطين، ليسوا ـ كما يخيل للبعض ، هم من الجن فقط، وإنما لفظة شيطان تعني كل من ابتعد عن الحق، واتبع الباطل، ولذا فإن الشياطين منها الإنس والجن، فهناك من البشر شياطين، كما أن من الجن شياطين، وهم من اتبعوا الضلال، واستجابوا لما يدعوهم إليه إبليس، أو أنهم اتبعوه طواعية؛ طمعًا أو كفرًا، ومن الإنس من هم أشد إغواء من الجن، ولذا عندما نستعيذ بالله فإننا لا نستعيذ من إبليس فقط، وإنما نستعيذ بالشيطان، أينما كانت هيئته، وهكذا، فإن إبليس، ليس مكمن الشرور في الأرض، وإنما الشر هو ذلك الشيء المخلوق داخل البشر، والذي يجعلنا نستجيب لأهوائنا، ولما تدعونا إليه الشياطين، بل ـ في أحياناً كثير ـ  نكون نحن مكمن الشرور، دون إغواء.

ولذا فعلينا أن نكون علي يقين بأن هذه الدنيا ما هي، إلا اختبار، علينا ـ جميعًا ـ اجتيازه، وان الشرور موجودة داخلنا لا تحتاج، إلا أن نتخذ القرار باستخدامها ولكل منا الحرية في اتخاذ ذلك القرار، فلا قاهِر لإرادة البشر سوى خالقهم، وكل موجود في هذه الدنيا ما هو إلا جزء من ذلك الاختبار، وحتى الإغواء الذي يقوم به الإنس والجن، ما هو إلا جزء من ذلك؛ حتى تكتمل الرحلة، وحينما تنتهي وننتقل للدار الآخرة تمحى كل شرور العالم، ولا تبقى سوى الحقيقة المجردة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إبليس
عرض التعليقات
تحميل المزيد