default-avatar
أحمد فتحي هنداوي
default-avatarأحمد فتحي هنداوي

1,377

يظن البعض أن سلوك السلفية المعاصرة هي امتداد لحركة الشيخ محمد عبد الوهاب بشكل كامل، وأن التيار السلفي المعاصر في مجمله هو نتاج لها؛ مما جعل تبيان أخطاء هذه السلفية المعاصرة وسلوكياتها كأنه هجوم على مقام الشيخ المؤسس، فيتبارى المخلصون لدعوته في الدفاع عنه.

ولعل هذا الأمر دبر بليل لإخفاء حقيقة التحريف السياسي المتعمد لدعوة ابن عبد الوهاب، لاستغلال شهرته وقبول طيف واسع من المسلمين لدعوته وقناعتهم بها، وتطويعها لتنافح عن أنظمة سياسية ظالمة، طالما أذلت شعوبها، وأغرقتهم في الفقر والمرض والبطالة.

قام الملك عبد العزيز آل سعود سنة 1911 بإعادة الإحياء العسكري للحركة الوهابية (إخوان من أطاع الله)، والتي اجتاح بواسطتها الجزيرة العربية، وأسس المملكة العربية السعودية، ثم ما لبث أن قضى عليهم بمساعدة بريطانيا في موقعة السبلة عام 1929، وأسس لفكر جديد، صممه ليكون حائط صد عن نظامه الناشئ ضد أي منازع سياسي، عن طريق تصوير الجانب الاجتماعي من الشريعة على أنها مسلك الأنبياء في الدعوة إلى الله، وتصوير الجانب السياسي على أنه طريق الفتنة وغضب الرب.

واستمر هذا الشكل قائمًا من خلال المؤسسات السعودية الرسمية وغير الرسمية، من أهمها: هيئة كبار العلماء، فتم توجيه سلطتها الدينية كصمام أمان للعرش السعودي، بداية من أحداث الحرم المكي 1979، وانتهاءاً بتأييد محمد بن سلمان في علمَنَةِ المملكة والعمل ضد المذهب الوهابي نفسه.

فشاركت الهيئة في التخلص من نفسها لصالح ولي أمرها، معلله ذلك بأن: (المملكة العربية السعودية تأسست على الكتاب والسنة، ونحن مع ولاة أمرنا في كل ما يرونه مصلحة للبلاد والعباد)، وهذا مؤداه أن الهيئة تقوم بدور المسوغ الديني لقرارات العرش السعودي على حساب مرجعيتها من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

قامت المملكة بنشر هذه الأيديولوجيا خارج حدودها، وبالتتبع التاريخي لمصر كأكبر ثقل ديني وشعبي في المنطقة، نجد الفكرة تجلت في أسوأ مشاهدها في ثورتي 1952 و2011 كما يلي:

أولًا: جمعية أنصار السنة المحمدية وثورة 1952: والتي تعتبر الحاضنة الأولى للفكر السلفي في مصر، حيث تربي على أيدي شيوخها أغلب مؤسسي الجماعات السلفية المصرية.

وباستعراض مؤسسي الجمعية الأوائل نلاحظ إقامتهم جميعًا في السعودية للتعلم والتدريس، بداية من الشيخ محمد حامد الفقي، الذي مكث فيها ثلاث سنوات، بعد التأسيس مباشرة عام 1926، ثم الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الذي عُيِّن نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وعضوًا في مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة، ثم الشيخ عبد الرحمن الوكيل والذي قبلها انتدب للعمل بالمعهد العلمي بالرياض، ثم التدريس في كلية الشريعة بمكة المكرمة.

وأسست الجمعية نظريًا لعدة أفكار منها: فكرة كفر المشرع بغير الشريعة الإسلامية، وحرمة العمل الحزبي، فمن تقريرات الشيخ حامد الفقي في أهداف الجمعية (ومن زعم لنفسه حق التشريع فقد أعظم الفرية على الله، ونازعه رداء الهيمنة على الخلق، وإن استجاب أحد لهذا المدعي كان متخذًا له ربًّا، وكان من المشركين).

ويقول الشيخ عبد الرحمن الوكيل في مجلة الهدي النبوي، الناطقة باسم الجماعة عن عهد الملك فاروق (1952-1936م): وأنت إذا استنبطت ما وراء المظاهر، وأرسلت النظرة الكاشفة إلى الأعماق، وجدت كل هذه الأحزاب لها منهاج واحد وغاية واحدة تسعي إليها، هما الحكم بغير ما أنزل الله، ولا شك أن فترة حكم الملك فاروق كانت فترة تتسم بعلمانية النظام السياسي الحاكم، فهو نظام علماني ليبرالي، يعتمد القوانين الأوروبية.

وخلافًا لمنهجهم النظري السابق نجد الجماعة كتبت عن الملك فاروق قبل ثورة يوليو 1952 في مجلة الهدي النبوي ما يلي: (شهدت مصر من الملك العادل، الناشئ في عبادة الله، المعلق قلبه بالمساجد، من آيات حرصه على الإسلام وتمسكه بشرائعه، ومحافظته على أحكامه، ما لم تشهده منذ زمن بعيد)، وقالت عنه: (فهو من ناحية العقيدة سلفي المذهب والمنهج)!!، فهو بحسب الجماعة نظرياً منازع لله في حقوقه وفي هيمنته على خلقه، وعملياً الملك العادل السلفي المتمسك بالشرائع!

وبعد تحول الظرف السياسي بيد عسكر ثورة 1952 التي أطاحت بالملك فاروق، نجد في نفس المجلة خطاب موجه للواء محمد نجيب وفيه: (إن الجماعة تتشرف بأن تذكر الأبطال الذين قيضهم الله لإنقاذ هذا البلد من البغاة الظالمين، وابتعثهم لتطهيره من الفساد والمفسدين)، وهنا صار الملك العادل من البغاة الظالمين المفسدين.

ربما هذا التحول مقبولًا من باب البراجماتية السياسية التي لا تؤمن بالمبادئ الأخلاقية، ولكن أن تنسب هذه الأفعال لشريعة الله المطهرة، ولدعوة سلفية المنهج، فتلك هي المصيبة بعينها.

ثانيًا: السلفية البرهامية وثورة 2011

ورث برهامي الفكرة السلفية السعودية ككثير من السلفيين عن مشايخ جماعة أنصار السنة المصرية، ثم سافر عدة مرات إلى السعودية لأداء الشعائر وتلقي العلوم الشرعية والدعم المادي غير المباشر.

وقد أشار عبد المنعم أبو الفتوح في مذكراته: إلى أن السلفية السعودية أقحمت على المشروع الإسلامي في مصر، عن طريق رحلات العمرة، فقد كان بعض الطلاب يتخلف حتى موعد الحج، فيلتقي بعلماء السعودية، ليعود من الرحلة حاجًا معتمرًا وشيخًا سلفيًا.

واستطاع برهامي تطوير الفكرة وآليات العمل ومجالاته، وفُتح له الباب بليل، فوضع أصولًا منهجية لتحريم العمل السياسي الحزبي السلمي، كما في بحثه السلفية ومناهج التغيير مفادها: حرمة العمل السياسي داخل دائرة الحكم العلماني المصري، الأحزاب تقوم على مبادئ العلمانية والديمقراطية والاشتراكية والشيوعية خارجة عن الشريعة، المجالس التشريعية تسن قوانين مخالفة للشرع، ووجه دعوته لانتقاد جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من الحركات التي تتخذ العمل السياسي وسيلة للتغير وكذلك حركات التغيير المسلح.

وأكد تعاونه المخلص مع جهاز الأمن المصري حتى عام 1994 في القضاء على تيارات العنف السياسي كما في لقاء قناة الحياة.

وتجلت أسوء مشاهد السلفية البرهامية في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 حيث جابت مدن الجمهورية للدعوة ضد الثورة، وأصدرت البيانات مثل يوم 3 فبراير 2011 ووصفوا الثوار بقولهم: (ولن تَسمح الأُمَّةُ لبعض المتسلِّقين على أكتاف الجماهير – بل دمائهم – أن يُزايدوا عليها، ولن يَسمح بها الشعب ولا الجيش ولا الأزهر ولا الجماعات والاتجاهات الإسلامية جميعُها).

وتحسر البراهمة فيه على سقوط جهاز الشرطة فقالوا: (وها نحن قد رأينا كيف أَدَّى غيابُ مرفق واحد -وهو الشرطة- إلى أنواع المفاسد والمخاوف والسَّلْب والنَّهْب؛ فكيف يطالِب البعضُ باستمرار ما يؤدي إلى الفوضى، فكيف إذا زاد الأمرُ بفَرَاغِ باقي المرافق)، بل زاد الأمر بنزولهم لحماية وحراسة مقرات أمن الدولة والشرطة من الثوار.

وبعد سقوط مبارك سارع برهامي لتكوين حزب النور السياسي الضخم ليناطح جماعة الإخوان، ويفتت الإسلاميين، وفجأة انهال الدعم المالي على الحزب، فاستطاع أن يشترى المقرات في كل جوانب مصر، والإنفاق على المؤتمرات والدعاية الانتخابية بشكل فاق قدرة جماعة الإخوان نفسها، ولكن الكريم إذا وهب فلا تسأل عن السبب!

وفي الانتخابات الرئاسية قام بتفتيت الكتلة التصويتية للإسلاميين ضد مرشح الإخوان، ومع تولي د. مرسي رئاسة الجمهورية، عملت الكتلة البرلمانية له ضد النظام واختياراته، وأثارت قضايا وهمية مثل: ادعاء أخونة الجهاز الإداري للدولة، وإلغاء المادة الثانية من الدستور.

ثم شاركت السلفية البرهامية في انقلاب 30 يوليو (تموز)، فأعادت النظام العسكري لحكم مصر، وظهر ممثلها جلال مرة في بيان الانقلاب ضد أول رئيس منتخب، معطيًا المسحة الدينية للانقلاب بقوله (والله ما تحركنا إلا بدافع من ديننا وشرعنا الذي نؤمن به)، وهرول الناطق الرسمي باسم حزب النور نادر بكار للقول: (إذا فشلت 30 يونيو فإن الإخوان سيصبحون وحشًا كبيرًا لا يملك أحد توقيفه)، كذلك أصدر برهامي الفتاوي ضد معتصمي رابعة والمطالبين بعودة الرئيس المنتخب، وصولًا للانتخابات الرئاسية المصرية في 2018، والتي لعب فيها حزب النور دورًا كبيرًا في الدعوة لإعادة انتخاب السيسي، طاف فيها الحزب أنحاء مصر.

وباستعراض ما سبق يتضح أن السلفية البرهامية والتي تم استنباتها في البيئة المصرية هي ذاتها السلفية السعودية أو السلفية المدخلية، بعد تعديلها وتطوير أساليبها داخل أروقة المخابرات، لتناسب البيئة المصرية، للعمل لتثبيت أركان النظم المستبدة ضد حركات الإصلاح والتغيير، عن طريق استغلال المظهر الديني لتحقيق أهداف سياسية، فسلوك السلفية البرهامية الظاهر والخفي يشير إلى عملها كأحد أذرع جهاز أمن الدولة المصري، للحفاظ على النظام العسكري المصري، وتثبيت دعائمه ضد أي معارض، مع بقاء الولاء له والعمل على عودته حتى بعد سقوطه الظاهري.

وأخيرًا أقول أن هذه المقالة قد تتبعت السلوك الظاهر لجماعة الدعوة السلفية البرهامية، وأفعالها الظاهرة والتي يمكن رصدها وتحليلها ببساطة، ولا نتدخل في حقيقة نية منظر الدعوة ورجلها القوي برهامي، فذلك أمره إلى الله، ولا يحدث فرقًا في حقيقة تثبيت هذه الدعوات للنظم الفاشية الظالمة باسم الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك