هل حقًا يريدون التحول إلى العلمانية، أم أنها فقط انحناءة للعاصفة حتى تمر؟

إن كان حقًا ما نشهده هو بوادر حقيقية لعلمنة خليجية شرق أوسطية شاملة، تبدأ بالمملكة العربية السعودية؛ باعتبارها الممثل الأكبر للعالم الإسلامي، ولكونها أبرز دولة اعتناقًا، وتطبيقًا لمظاهر الدين وتعاليمه؛ فذلك يطرح عدة أسئلة، ينبغي تأملها، لعل من أهمها:

هل يدرك أصحاب السمو أن العلمانية قد تتعدى إلى الصلاحيات الملكية، وربما تنسفها، أو تقلصها لصالح حكومات دستورية منبثقة عن انتخابات دورية ديمقراطية؟ بطريقة أخرى: هل يقبل ولي للعهد بأن يصبح ملكًا شرفيًا، منزوعًا من صلاحياته المطلقة، مجردًا من سيفه المتاح حينئذ فقط في مراسم استقبال الضيوف؟

تلك العلمانية لا يمكن تجزئتها، أو استنساخها؛ وإلا أصبحت دوللي جديدة، أو مولودًا هجينًا في بيئة ليست مهيأة، مقدور موته لحظة خروجه للنور. فإن كنتم تؤمنون بها هوية، وترضونها بديلا، وتتخذونها مرجعًا؛ فعليكم إرساء قواعدها السليمة، وتطبيقها؛ لا الالتفاف حولها، أو التظاهر بها لإطفاء غضب الآخرين. عليكم الاعتراف بحق الشعوب في اختيار حكامها. العالم لم يصل بعد إلى علمانية عرجاء، تفقأ العيون، وتقطع الألسنة، وتسجن حرية الرأي والتعبير، وتستأثر بالسلطة، وتحظر تداولها خارج دائرة أبناء العمومة.

عاصفة مزدوجة

تعاني الممالك العربية ذات الطابع القبلي، أزمات داخلية حقيقية فيما يتعلق بالحريات العامة، والحريات الشخصية؛ إلى جانب غياب الثقة بين الأسر الحاكمة، وبين رعاياها. وتزداد الفجوة اتساعًا بين الجانبين، كلما ازداد انفتاح شعوب المنطقة على نظيراتها في مناطق أخرى من العالم.

المواطن العربي يحمل فوق كتفيه إرثًا ضخمًا من العزلة المفتعلة، والانعزال المتعمد عن محيطه الخارجي. وحان الوقت لإزاحة ذلك الحمل الثقيل عن ظهره المنهك. فذلك الخليجي البترولي، الذي دائمًا ما تترقب وصوله الفنادق، والمنتجعات الأوروبية، والأمريكية، والآسيوية؛ للفوز بأمواله؛ إنما يجد نفسه محبوسًا لعقود خلف أسوار ذهبية شاهقة، تلغي كينونته، تنزع عنه كبرياءه؛ حتى أثارت همهماته؛ فارتفعت أناته، وعلت صيحاته. والآن يريد تحطيم الأسوار؛ ليتحرر من السلطة الأبوية الاستعلائية؛ التي تسلبه حريته مقابل إطعامه.

بالإضافة إلى ذلك؛ إن المغامرات غير المحسوبة، والممارسات العدائية الحمقاء بحق دول الجوار؛ قد عصفت بالوضع الاستراتيجي، وانتقصت من الثقل السياسي لمرتكبيها. فمثلا، كيل الاتهامات لدولة شقيقة، ومعاقبتها من دون تقديم أدلة موضوعية واضحة يقتنع بها العالم، وكذلك التورط العسكري المتهور في ساحة موحلة بالفعل؛ أدى إلى فتح باب الوطن لتلقي عاصفة أخرى خارجية أكثر شدة، وضراوة من العاصفة الداخلية؛ أي ما يعني ارتداد عاصفة الحزم للداخل.

خيارات محدودة

الخيارات بشأن إمكانية تخطي الضغوط الخارجية؛ لا تتعدى إنعاش الاقتصاد الأمريكي، وملء خزانته؛ بالتضحية بمئات المليارات من الدولارات، أو التكرم بملايين البراميل البترولية، أو شراء الأسلحة والمعدات؛ وهذا لا يكفي. فينادي المنادي بالعلمانية من خلف السواحل الأمريكية، ويبشر بها في الأراضي الشرق أوسطية، بدءا بالمملكة العربية السعودية.

ولم نسمع بتلك الصيحة غير المباركة؛ إلا من بعد التهديد الأمريكي بقانون (جاستا) المتعلق بملاحقة الدول المتورطة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 . هذا إلى جانب زيارة ترامب للمنطقة، وحضوره اجتماعًا خليجيًا، وحثه على إحراز تقدم واضح في مجال الحريات، وحقوق الإنسان. فتغير الحال، وقادت المرأة القرشية سيارتها لأول مرة؛ كإبداء أولي لحسن النية.

أما الخيارات بشأن المعارضين تظل أوسع بالطبع. وللأسف؛ لا يزال القمع باقيًا على رأس هذه الخيارات، لا يتزحزح، لا يبرح عقول الاستبداديين؛ الذين لا يتصورون أنفسهم إلا أسيادًا؛ ولا يرون رعاياهم إلا عبيدًا.

تحولات درامية

لا تزال المملكة العربية السعودية تصر على تبني سياسة خارجية رعناء، تفقدها الكثير من رصيدها السياسي، والتاريخي؛ بل وتنسف طموحاتها السابقة بتقلد قيادة المنطقة. بالفعل كانت هناك تكهنات بشأن الفرص المتاحة أمام المملكة للسيادة الإقليمية؛ ولكنها تلاشت تماما لصالح قوى إقليمية أخرى مناوئة، قادرة على استثمار ما تملك من أوراق سياسية.

من غير الممكن تصور، أو فهم المواقف السعودية، المرتبكة والمتباينة فيما يتعلق بالأزمة السورية. فلطالما ظلت المملكة على موقفها بضرورة رحيل بشار الأسد تماما عن المشهد السوري، لحقن دماء السوريين، وإنهاء أكبر كارثة حلت بالشرق الأسط. والآن لا ترى ما يمنع من إمكانية إيجاد حل شامل للمسألة سياسيًا في ظل وجوده؛ بل لا تعتبره المسئول الأول عما يحدث من فظائع على الأرض السورية المنكوبة.

أيضا، لا يمكننا تفهم أن تحشد السعودية لمعاقبة جارتها الشقيقة، وأحد أعضاء مجلس التعاون الخليجي. واللافت، والمثير للشكوك؛ أن لا يتبعها في ذلك إلا فقط ثلاث دول عربية؛ إحداها ليست خليجية. وبالطبع يساعد اتخاذ هذا الموقف المتسرع في شق الصف الخليجي المتماسك دائما، وإعطاء الفرصة للآخرين لاستغلاله لصالحهم، وإحداث حالة من الاستقطاب الإقليمي الحاد.

أخيرًا، كيف لنا أن نفهم احتضان المملكة للرئيس اليمني المخلوع (على عبد الله صالح) بعد خلعه مباشرة من شعبه؛ ثم محاربته بعد ذلك بزعم إعادة الشرعية؟ المبررات لا تبدو واضحة إزاء جميع تلك التباينات، أو الألغاز. وليس هناك سوى التكهنات، وفتح الباب على مصراعيه للشكوك، والشائعات، التي قد تحتمل الخطأ والصواب معًا. ولكن تبقى الثقة غائبة في ظل غياب الشفافية.

حلول ممكنة

ألا يدرك السعوديون أنهم الآن يسيرون وسط مستنقع من الأوحال؟ ولا يمكنهم الخروج منه بغير العودة إلى السياسة الراشدة. والابتعاد الفوري عن مشاركة المستبدين، والكف عن تقديم الدعم المالي والسياسي لهم. لا تأمنوا كثيرا لأساتذة الأعمال القذرة؛ الذين يتآمرون على الجميع، لتحقيق أغراضهم الدنيئة.

أما عن الشأن الداخلي؛ فلا يمكن لسياسة العصا والجزرة أن تنهي حالة عدم الاتزان المجتمعي لدولة مفترض أنها الأكثر محافظة على الهوية العربية الأصيلة. الشعوب هي الأولى بالترضية؛ فهى القوة الحقيقية التي يمكنها تخليص الحكام من الضغوط الخارجية في حالة اللجوء إليها، والاعتراف بحقها الطبيعي بالمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية. وعلى الحاكم أن يدرك أن فكرة التهميش، وتكميم الأفواه؛ لم تعد مقبولة أو حتى مجدية، بل إنها تأتي بنتائج عكسية. فكلما اتسعت الفجوة بين الحاكم وبين الشعب؛ زادت حدة الاحتقان، والاستقطاب في المجتمع.

فلا مخرج إلا بالحوار الوطني الخالص، والإقرار بأن العالم قد تغير تماما بالفعل، وحان الوقت لمواكبة هذا التغير، وبناء استراتيجيات عصرية، وسياسات متوازنة، تراعي المصلحة الوطنية، وكذلك المصلحة العربية، بمفهومها القومي الشامل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد