“الحلقة الثالثة من الجزء الربع”

“لقد قبلنا من أل سعود أن يعطونا مال، ولكن هل معنى ذلك أنهم قادرون على إعطائنا فكراً؟” وزير الخارجية السوري ( عبد الحليم خدام ) للأمير (سعود الفيصل) وزير خارجية السعودية.

هذه هي الحلقة الثالثة من الجزء الرابع من مقالي البحثي عن السياسة الخارجية السعودية أكمل الحديث عن علاقة السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية الحليف والحامي الأكبر للسعودية، وقد اخترت ثلاث محطات في تاريخ العلاقات الأمريكية السعودية بدأتها في المقالة قبل الماضية وأظهرت بالوثائق الأمريكية كيف تعاونت السعودية مع أمريكا في الخمسينات والستينات ضد التيار القومي العربي  بزعامة الرئيس (جمال عبد الناصر) في مصر.

وأما المحطة الثانية في مقالتي الماضية عن الحرب الغير مقدسة في أفغانستان وتحدثت وأظهرت بالوثائق أيضاً كيف استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية ( الدين ) كجزء من استراتيجيتها في حربها ضد الإمبراطورية السوفيتية الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، وبينت دور السعودية في تلك الاستراتيجية الأمريكية في تلك المرحلة، والمحطة الثالثة اليوم عن حروب البترول الثلاث، وقبل أن ابدأ أُحب أن أسرد بعض الملاحظات :

إننى مضطر اضطرارا لتقسيم تلك الحلقة لجزأين؛ وذلك لغزارة المعلومات، ولكثرة الوثائق المطلوب عرضها رغم محاولاتي المضنية لاختصارها، لكنى وجدت أن عدم عرضها سيُخل بقوام الموضوع.

إنه منذ نشر مقالاتي وترد لي رسائل كثيرة بعضها مؤيد مهلل فرح لما كتبت لدرجة الإعجاب ومنطقهم يتلخص في : (كشف الرجعية العربية ).

وبعضها رافض ناقم زاعق شاتم لدرجة السب ومنطقهم يتلخص في : (العمالة لإيران  الفارسية المجوسية وخدمة أهدافها بقصد أو بغير قصد، وذلك لا يهم في رأى هؤلاء).

وأقول: إنه لا لهذا السبب ولا لذاك، كتبت تلك المقالات، ولكن السبب الحقيقي لكتابة تلك المقالات هو اندهاشي وتعجبي بتغير مسلك السياسة الخارجية السعودية من النقيض إلى النقيض، ولقد كان (أرسطو) هو القائل:” بأن التعجب هو بداية الطريق للوصول للمعرفة “.

وحاولت تحرى الأسباب الداعية لذلك التغير، وقد اطلعت على ما كتبه البعض تفسيرا لذلك واستغربت، وتابعت على شاشات عربية كثيرة ما يقوله بعضهم؛ تبريرا لذلك وتعجبت؛ لأن كليهُما يناقض الآخر، وكلاهُما يقوم بتزييف التاريخ ( الماضي ) لمصلحة الحاضر وكنت أسأل نفسي دائماً لمصلحة من تدمير دول مثل ( سوريا واليمن )؟

وتلك الدول (أكبر من السعودية حجما وتاريخا وحضارةً) ويكفى للدلالة على رصد مدى التغير أن ننظر إلى واقعتين:

الأولى: في الثمانينات حينما عرضت السعودية مبادرة للسلام بين العرب وإسرائيل أسمتها مبادرة ( الملك فهد ) فما كان من وزير الخارجية السوري وقتها (عبد الحليم خدام )، إلا أن قال لوزير الخارجية السعودي وقتها، الأمير ( سعود الفيصل ) : ” لقد قبلنا من أل سعود أن يعطونا مالا، ولكن هل معنى ذلك أنهم قادرون على إعطائنا فكراً ؟ ” (1)

والثانية: الآن بالنظر إلى تصريحات وزير الخارجية السعودي (عادل الجبير) الذي يؤكد في كل يوم على أن: “المملكة لا ترى لرئيس سوريا (بشار الأسد) مستقبلا في سوريا الجديدة”.

وقررت البحث والتقصي وقد اجتهدت في ذلك قدر ما أستطيع فإذا نجحت فلي أجران، وإن فشلت فلي أجر المجتهد، ولكن البعض يريد أن يُدخلني النار وبئس المصير منذ أن يقرأ أول حرف في أي من مقالاتي السابقة واللاحقة، دون حتى انتظار لشفاعة!

وهؤلاء ينسون أن قيمة أي حدث في التذكير بما جرى بالأمس، وتفكيرا فيما يجرى اليوم واستشرافا لغد مأمول ومرتجى يبعد الماضي بأهواله والحاضر بأخطائه وخطاياه ليخرج مستقبلا جديد نرجوه وننتظره.

إن البعض قد أخذ على عدم الرد على المهاجمين والمشككين والمتهمين لشخصي الضعيف بأفظع الاتهامات وأحط الأوصاف، وأقول بأنني لا أرد على تفاهات مجموعة من ( المسوخ ) لم يقرءوا في حياتهم كتابا! ولا يملكون تقديم فكرة واحدة للرد على ما أكتبه ، ولا حتى قادرون على مناقشة فكرة واحدة مما وردت في المقالات السابقة، ولا حتى اللاحقة وثقافتهم كلها سمعية بصرية! هؤلاء يحفظون مجموعة من المنولوجات لا يعرفون غيرها يرددونها في كل الأوقات فإضاعة الوقت مع هؤلاء ترخص لا يجوز.

وأخيرا، وليس آخرا أقول: بأن تلك المقالات التي أكتبها هي محاولة لقراءة التاريخ بعيون شابة جريئة تحاول أن تصل إلى الحقيقة أو تقترب منها على أقل تقدير، وهذه المحاولة موجهة بالأساس للشباب، شباب السن وشباب العقل وشباب الروح والإرادة وشباب البصر والبصيرة وشباب العزم والعزيمة.

” إن أجدادنا كانوا يركبون الجمال، وآباؤنا كانوا يركبون السيارات، ونحن تعلمنا ركوب الطائرات، ولكنه إذا مضى الحال على ما هو عليه فاني أخشى أن أحفادنا سوف يعودون إلى ركوب الجمال مرة ثانية “.

الملك ( فيصل )

عندما انقشع دخان حرب أكتوبر 1973م بدأ ساحر فيتنام والشرق الأوسط فيما بعد! (هنري كيسنجر) يحاول تفكيك الأزمة لصالح إسرائيل وأمريكا معا، وكان أكثر ما ضايقه عسكريا هو نجاح القوات المصرية والسورية في مفاجأة الجميع بالحرب، وسياسياً واقتصاديا في الحظر البترولي، وكان رأيه: أن ” ذلك الإجراء هو ابتزاز سياسي “، وكان همه أن يأخذ سلاح البترول نهائياً من يد العرب!

فقد دعا لاجتماع خاص للدول الصناعية الكبرى بباريس؛ لبحث وضع ترتيبات جديدة لقضية الطاقة، واختلف المجتمعون، ففريق ذهب إلى أن التفاهم مع المنتجين هو السبيل الصحيح، ولكن( كيسنجر) رأى أنه يجب حل الموضوع بأساليب جديدة وطرح برنامج النقاط السبع وهى بالترتيب:

ترشيد استهلاك الطاقة ـ إيجاد مصادر بديلة للبترول ـ استثمار 12.5 بليون دولار للبحث والتنقيب عن هذه المصادر الجديدة ـ إيجاد تنظيم للمشاركة في توزيع الطاقة أثناء حالات الطوارئ – إنشاء نظام للتعاون المالي في مواجهة ارتفاع الأسعار ـ إيجاد وسيلة لتخفيف عبء تكاليف الطاقة على الدول الفقيرة ـ إيجاد صيغة للعلاقة بين منتجي البترول ومنتجيه.

كانت هذه هي النقاط السبع التي طرحها كيسنجر علناً في باريس ولذلك فقد كان لابد لصياغاتها أن تبدو بريئة وخيرة، إلا أنه حينما أرد أن يتصرف بعد اختلافه مع شركائه الأوروبيين واليابان اختار وقرر سياسة مختلفة تشتمل هي الأخرى على سبع نقاط يمكن حصرها على النحو التالي:

1-    الإمساك بزمام عملية البحث عن حل لازمة الشرق الأوسط ، وترتيب ذلك على سياسة الخطوة خطوة ، بحيث تتوافق الخطى مع استعادة السيطرة على موارد الطاقة.

2-    اعتبار إسرائيل الرادع الاساسى في الشرق الأوسط ورفع درجة العلاقات معها لكي تصبح علاقة إستراتيجية ، فإسرائيل هي العنصر الذي أدى بالعرب في النهاية إلى قبول حل أمريكي للازمة واستمرار إحساس العرب بتهديدها هو الضمان بهرولتهم دائماً إلى أبواب البيت الأبيض.

3-    القبول بارتفاع أسعار البترول والعمل على امتصاص الفوائض المتولدة من زيادة الأسعار وتدويرها بواسطة البنوك الأمريكية الكبرى وتشجيع الأموال الباقية في يد العرب على أنماط  في الاستهلاك تهدر الثروة ولا تحفظها.

4-    كسر تحالف أكتوبر الذي جمع على غير انتظار بين الجيوش العربية القادرة على القتال وبين منابع البترول العربي المعبأة بالذهب الأسود .

5-    استخدام جزء من فوائض الأموال العربية ليكون هو نفسه الاستثمار الذي يوجه لتوفير بدائل للطاقة منافسة للبترول العربي.

6-    العمل على خلق حساسيات بين العرب وبين العالم الثالث وخصوصاً أفريقيا ، فقد نجح العرب خلال أزمة أكتوبر في إقناع معظم أفريقيا بقطع علاقاتها بإسرائيل.

7-    تشجيع الرئيس السادات على خطته في إخراج السوفيت تماما من الشرق الأوسط ، سواء كنفوذ سياسي أو مصدر للسلاح. (2)

وكان العالم العربي غافلا تماماً عن متابعة ما يجرى في خفاء اختيارات الآخرين وقراراتهم، فقد انشغل بالكامل بالثروة التي هبطت عليه من السماء في حقبة من الأوهام استغرقته بالكامل من 1974م حتى 1980م ، كان الثراء فادحا ومفاجئا، لم يصل إليه من قبل حلم ولا خيال :

سنة 1970م كان دخل السعودية من البترول (1.2بليون دولار) وفى سنة 1980م وصل إلى (102 بليون دولار).

سنة 1970م كان دخل الإمارات من البترول (230 مليون دولار) وفى سنة 1980م وصل إلى (19 بليون دولار ).

سنة 1970م كان دخل قطر من البترول (120مليون دولار) وفى سنة 1980م وصل إلى (5 بلايين دولار).

سنة 1970م كان دخل الكويت من البترول (221 مليون دولار) وفى سنة 1980م وصل إلى (22 بليون دولار).

سنة 1970م كان دخل العراق من البترول (230 مليون دولار ) وفى سنة 1980م وصل إلى(25 بليون دولار).

سنة 1970م كان دخل ليبيا من البترول (300000 دولار) وفى سنة 1980م وصل إلى    (21 بليون دولار).

سنة 1970م كان دخل الجزائر من البترول (272 مليون دولار) وفى سنة 1980م وصل إلى (10.5 بليون دولار).

وكان معنى ذلك أن العالم العربي دخل إلى سنة 1980م وهو يملك دخلا من البترول يزيد على (200 بليون دولار) وكان العنصر المهم في الثراء العربي يتمثل في اعتبارين:

الأول: المفاجأة على غير انتظار، والثاني: اعتبار أن هذا الثراء كله جاء كمال سائل يستطيع أصحابه إنفاقه على الفور.

وكانت دول الخليج وعلى رأسها السعودية تلف حول نفسها من دوار مفاجآت دهمتها بالحظ على غير انتظار، ولم ينتبه هؤلاء العرب إلى ما تدبره لهم القرارات والخيارات للدول الغالبة، وعلى رأسها أمريكا، وفى نفس الوقت فإنهم لم ينتبهوا إلى ما تدبره نفس القرارات للتعامل مع ثرواتهم المفاجئة فقد راحت أسواق بيع السلاح تعرض نفسها عليهم، وكان السلاح مغرياً بالأمن، وأقبلوا على شرائه ناسين أن مخازن السلاح مهما حوت من منجزات التكنولوجيا لا تستطيع توفير الأمن.

وكانت مغاني أوروبا تعرض نفسها عليهم بكل ما فيها من مظاهر الرفاهية والغواية، وأغرقوا أنفسهم في سهرة طويلة تأخر فيها طلوع الفجر سنوات بأكملها.

وكان الملك فيصل رأى ذلك النهم في الإسراف والاستهلاك وعلق عليه بقوله : “إن أجدادنا كانوا يركبون الجمال، وآباؤنا كانوا يركبون السيارات، ونحن تعلمنا ركوب الطائرات، ولكنه إذا مضى الحال على ما هو عليه فإني أخشى أن أحفادنا سوف يعودون إلى ركوب الجمال مرة ثانية “(3).

ولم يكن الصرف وحده الذي يستنزف الثروة وإنما زاد عليه الرهن أيضا، وهذه أول مرة في التاريخ يحدث فيها أن يرهن صاحب المال السائل ماله. ولكن (وليام سيمون ) وزير الخزانة الأمريكى (مع الرئيسين نيكسون وفورد) استطاع إقناع المملكة العربية السعودية بأن تشترى أذونات خزانة أمريكية لا تتداول في الأسواق مثل غيرها من السندات، ولكن تكون مربوطة بآجال تمتد إلى خمس وعشرين سنة، بحيث إذا احتاجت المملكة من أموالها شيئاً كان عليها أن تتفاوض مع الخزانة الأمريكية لتفك القيود إذا رضيت.

ولقد كان التصور الذي طرحه وليام سيمون ليجعل فكرته مقبولة: “هو أن منتجي البترول الذين يتقاضون عوائدهم بالدولار لهم مصلحة في الحفاظ على قيمته، وبما أن فوائضهم كبيرة فإنها إذا تُركت حرة في السوق تحولت إلى صخرة متحركة على سفح جبل يمكن أن تهوى على رؤوس الجميع بما فيها أصحابها.

وفى وقت من الأوقات سنة 1981م وصلت قيمة الأموال العربية المرهونة بهذه الطريقة إلى ما يزيد عن 100 بليون دولار.(4)

ومع زيادة الأموال سواء كانت طليقة أو مقيدة! أضيف وهم النفوذ إلى ما سبق ذكره من أوهام، حينما بدأ الأثرياء الجدد يكتشفون أن الملوك والرؤساء في أوروبا واقفون في انتظارهم، وأن رؤساء الوزارات يظهرون السعادة باستقبالهم، وأن الوزراء ورؤساء مجالس الشركات الدولية ينحنون لهم تحية وإجلالا، وقد صدقوا كل ذلك!

ولقد زاد على وهم النفوذ وهم الأبهة التي جعلت الأثرياء الجدد موضع نقد دائم في المنطقة وفى ذلك العصر من الأوهام تصور الأثرياء الجدد وعلى رأسهم السعودية (أنهم يشاركون في رسم خرائط العالم فإذا أموالهم تساعد غيرهم ولا تساعدهم، مثل معارك أنجولا والقرن الأفريقى وكانت الأوهام الخليجية جاهزة والمال السعودي مستعدا دائما ).

وعلى سبيل المثال ( فقد تبرعت السعودية في دفعة واحدة بمبلغ 35 مليون دولار للمساعدة على إسقاط نظام الساندينستا في نيكا راجوا من أجل خاطر العيون الأمريكية الزرقاء! ) هذا إلى ما دفعته في تمويل ( حرب أفغانستان أكثر من ألف مليون دولار تبركاً بالشعر الأصفر الأمريكى! (5)

“إننى آمر الجيش الإيرانى بقبول وقف إطلاق النار شاعرا أنى أتجرع كأسا من السم”، الخميني مخاطبا الشعب الإيراني.

كانت الحرب العراقية الإيرانية مأساة حقيقية، ولم يكن لدى أمريكا وحلفائها في الخليج مانعاً من أن تطول تلك الحرب إلى ما لا نهاية؛ فأمريكا يسعدها أن تجد خصمين لها وقد انهمكا في معركة بينهم حتى الموت، وكما أن دول الخليج الغنية بأرصدة المال والفقيرة في عدد السكان يناسبها أن ينشغل جيرانها الأقوياء عنها بصراعاتهم وحروبهم، على الرغم من وقوف تلك الدول مع العراق.

وكان (هنري كيسنجر ) هو أكثر من عبر حقيقة تلك الحرب حينما قال : (هذه أول حرب في التاريخ نتمنى ألا يخرج فيها منتصر، وإنما يخرج الطرفان كلاهما مهزوم ) ولقد جرت وقائع تلك الحرب في طريق بدا محققا لتلك النبؤة ، فعندما كان مسار الحرب يعطى للعراق اليد العليا كانت المساعدات على نحو أو أخر تجد طريقها إلى إيران والعكس صحيح.

ويلفت النظر أن الرئيس الأمريكى الأسبق ( ريجان) قال عندما انفجرت فضيحة (إيران كونترا) وظهر أن أمريكا كانت تشحن أسلحة إلى إيران في الوقت الذي كانت تحذر فيه على غيرها من شحن السلاح إليها: ( إن أسبابنا لتزويد إيران بالأسلحة لم تكن نتيجة صفقة انتخابية، وإنما كانت لأسباب متعلقة بالسياسة العليا للدولة )، ولم يزد حرفا (6).

ومن شبه المؤكد حسب تحقيقات لجنة تشرش في الفضيحة أن الولايات المتحدة، لم تكن تريد دولة قومية نشيطة، مثل (العراق)، ولا دولة إسلامية فوارة في المنطقة، مثل (إيران الثورة الإسلامية)،

ولقد كان يناسبها أن تقع الحرب بين الاثنتين، وإذا لم تكن شاركت في التدبير في بعض ملابساتها فقد شاركت بالتأكيد في استمرار معاركها حتى يزيد ويرتفع نزيف الدم ـ  ووفق تحقيقات لجنة تشرش أيضا أن السعودية التي كانت تملك معلومات عما يجرى داخل إيران تصل إليها بواسطة طائرات ( الأواكس ) الأمريكية قد قامت بتمرير ما لديها من معلومات إلى العراق البعثى وقتها فقد كان المحور السياسي وقتها محور ( فهد – صدام ).

وقد اشتكى الرئيس المصري ( أنور السادات ) في خطاب علني ألقاه في شهر مايو 1980 من فاعلية هذا المحور، وروى ( أنه في الوقت الذي تحجب فيه المساعدات عن مصر أو تعطى لها بالقطارة، فإن الرئيس صدام حسين حصل على أربعة بليون دولار بمكالمة تليفونية واحدة مع الملك فهد).

إن أمريكا التي فوجئت بقيام  الثورة الإسلامية واقتلاع الشاة وفشل كل المحاولات لإعادته مرة أخرى قررت مبدأ كارتر الذي انطوى على شقين:

سياسي تمثل في إعلان المبدأ أمام الكونجرس في 23 / 1 / 1980 نصه : ” إن اى محاولة من جانب اى قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج سوف تعتبر في نظر أمريكا كهجوم على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل بما فيها القوة العسكرية “.

وكان الشق الثاني هو إنشاء مسمى وقتها بـ ” قوة الانتشار السريع “. إن السعودية ومعها عدد من دول الخليج وعلى رأسها الكويت قامت باستئجار أعلام الدول الكبرى؛ لرفعها على شحنات البترول، من أجل حماية تلك الشاحنات من الصواريخ الإيرانية، أثناء الحرب العراقية الإيرانية في مرحلة وصفت بـ ” حرب الناقلات “.

وبعد سنوات من الحرب الضروس كلفتهما أكثر من مليون قتيل قررت الدولتان إيقاف الحرب، وقال الخميني للشعب الإيراني: ” إننى آمر الجيش الإيراني بقبول وقف إطلاق النار شاعرا أنى أتجرع كأسا من السُم ” (7).

” ما هي حكاية اليمن هذه “؟ الملك (فهد) لوزير الخارجية المصري د (عصمت عبد المجيد )

عندما انتهت الحرب كانت كل الدول العربية تعانى أزمة  فمثلا: السعودية / كانت مثقلة بهموم الثروة وبحجم الاستنزاف الذي تعرضت له بسب التقلبات في سوق التهديد والحماية أثناء الحرب العراقية الإيرانية وبسبب الاستهلاك المجنون من جهة أخرى بالإضافة إلى أن بعض الشطار استطاعوا إقناع السعوديين بأحلام براقة لها مصروف يدخل جيوب هؤلاء الشطار، وليس لها عائد على السعودية، مثل استزراع القمح بتكاليف تجعل الناتج منه أغلى عشر مرات على الأقل من سعر القمح العالمي.

ولقد وصل الاستنزاف المالي للسعودية إلى درجة أنها استدانت لأول مرة في سوق لندن للأوراق المالية 8 بلايين دولار؛ لكي تغطى العجز في ميزانياتها الجارية . – ومصر/ كانت تحت المقاطعة العربية بالإضافة إلى مشاكلها الاقتصادية المزمنة .

وسوريا / لم تكن أسعد حالاً من مصر فبالإضافة إلى نفس معاناة القاهرة زاد عليها أن وقوفها مع إيران في الحرب أضعف علاقاتها بدول الخليج العربي الغنية بما كان يوفر لها مساعدات انقطعت على أثر مواقفها.

والعراق / كان يعانى أزمات اقتصادية واجتماعية، بل نفسية أيضا نتيجة الحرب مع إيران.

وهكذا كانت كل البلدان العربية في أزمات خانقة، وفى ذلك الوقت كانت كل الشعوب تصرخ في طلب شيء جديد تواجه به العالم في دنيا متغيرة، وهنا ظهرت فكرة المجالس الإقليمية، ولقد بدأت سلسلة المجالس الإقليمية وقتها ( بمجلس التعاون الخليجي ) ويضم (السعودية وقطر والبحرين والإمارات وسلطنة عمان )، فدول الخليج كلها يضمها رابط أقوى من أي رابط، ألا وهو البترول وهى جميعا متشابهة في الأسر، ونظام الحكم، وبالتالي فالسياسات متقاربة.

ثم إن الأخطار والضغوط الواقعة على الكل واحدة وكان العراق حضر اجتماع واحد إلا إنه أبعد بعد ذلك بلطف، والحقيقة أن الهدف الرئيسي لدول مجلس التعاون الخليجي هو المحافظة على الأمن الداخلي للنظم الحاكمة في المقام الأول.

وأما المجلس الثاني وهو (مجلس الوحدة المغاربة ) ويضم ( تونس ولبيا والجزائر والمغرب ) وهدفه باختصار الالتحاق بأوروبا- وأما المجلس الثالث وهو ( مجلس التعاون العربي ) ويضم ( الأردن والعراق ومصر واقترحت الأردن ضم اليمن في أخر لحظة ) وكانت أهداف ذلك المجلس موزعة على أعضائه:

فالأردن / يريد مواجهة أزمته الاقتصادية ونتائجها السياسية المحتملة – والعراق / يريد مواجهة ظروف ما بعد حربه مع إيران وأثرها –  ومصر / هدفها كسر طوق العزلة والدخول إلى العمل العربي من أي باب – واليمن /  الذي انضم إلى المجلس في اللحظة الأخيرة فقد كان يبحث عن داع للاقتراب من القلب العربي.

كما أنه يبحث عن مطالب أمن مبهمة ومطالب اقتصادية – ولقد كان التجمع في حقيقته خلافات أكثر منه انسجام مقاصد – وعندما أعلن نبأ اتفاق مجلس التعاون أثار على الفور ردود فعل حركتها الحساسية لدى السعودية؛ كانت اليمن انضمت إلى الميثاق على غير توقع،  وكانت انضمامها باقتراح من الأردن، ورأت السعودية أن انضمام اليمن إليه يطوقها من الشمال ومن الجنوب.

كما قدرت القيادة في السعودية أن ذلك كان قصداً مقصودا وأحس الرئيس المصري وقتها  (حسنى مبارك) بالشكوك السعودية وطلب من الملك (حسين) في سفرة قادمة له إلى السعودية أن يشرح للملك (فهد) أن مجلس التعاون العربي، لم ينشأ كرد فعل للنشاط المتزايد لمجلس التعاون الخليجي، كما أن انضمام اليمن في اللحظة الأخيرة ليس عملا موجها ضد السعودية.

وسافر الملك (حسين) والتقى بالملك (فهد)، ولكن الملك فهد ارتأى عدم مناقشة هذا الأمر مع ملك الأردن، ورأى الرئيس ( مبارك ) ألا يترك الأمر عند هذا الحد، فقرر إرسال وزير الخارجية المصري ( عصمت عبد المجيد ) إلى السعودية، وحاول الملك ألا يتحدث عن موضوع اليمن، لكن وزير الخارجية المصري ألح.

وهنا فقط بدا الملك يسأل “ما هي حكاية اليمن هذه” ؟ وشرح الوزير المصري رسالته، ولم يكن الملك ( فهد ) مقتنعاً، وكان في كلامه ما يوحي بالإشارة إلى ” أنه لا يعتبر مصر مسئولة عن انضمام اليمن، وإنما هو يضع المسئولية على غيرها “.

ومضت أسابيع قليلة وانفجر الموقف في جنوب الأردن بقيام مظاهرات معادية لنظام الحكم في عمان، وكان احتجاجها على غلاء الأسعار ونقص المؤن، ولفت النظر أنه بين الهتافات التي ترددت بشدة في المظاهرات هتافات تطالب بالانضمام للملكة العربية السعودية – كانت بؤرة المظاهرات هي منطقة ( الكرك) وهى منطقة تسكنها قبائل وعشائر تتمتع فيها السعودية بنفوذ كبير، وأدت المظاهرات لسقوط حكومة السيد ( زيد الرفاعى ) كما أدت لهروب لرأس المال من الأردن بلغ حجمه 500 مليون دولار.

كانت لغة إشارات بين الملوك مبارزات سيوف، وبدا كأن الملك (فهد) يقول للملك (حسين):
( إذا كنت تقصد مضايقتنا باليمن في الجنوب ، فنحن قادرون على مضايقتك في الجنوب أيضا، لكنه جنوب الأردن نفسه )، كان الملك (حسين) في تلك الفترة يشعر بكثير من الضيق، وقد أرسل برسالة إلى الملك ( فهد ) يقول له فيها ما مؤداه:

(أنه لا داعي لهذه الأساليب في الإحراج، وأنه إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد فهو لا يقبل بتعريض الأردن لأية هزات عنيفة مع موقعه الخطر ، وهو في هذه الحالة على استعداد لأن يبتعد إذا كانت السعودية جاهزة لتحمل مسئوليات الأردن كله، وليس جنوبه فقط) (8).

انتهت المساحة المخصصة للمقال، ولكن القصة لم تنته بعد ، ولازالت الوثائق تبوح بأسرارها وتكشف المسكوت عنه وتفضح المخفي منه .

انتهت الحلقة الثالثة من الجزء الرابع، في الحلقة القادمة :

قصة صناعة السلاح في العالم العربي ؟

لماذا قال الزعيم جمال عبد الناصر في اجتماع الأمن القومي المصري :

” ما دامت إسرائيل تنتج هذا النوع من الأسلحة ، فليس هناك سبيل غير أن تلحق بها مصر فورا “.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل الجزء الثالث – هيكل
2- مذكرات هنري كيسنجر سنوات القلاقل
3- حرب الخليج – محمد حسنين هيكل
4- تقرير اللجنة الاقتصادية بالكونجرس عن العلاقات الاقتصادية مع السعودية
5- مذكرات الأمير بندر بن سلطان ، مذكرات اوليفر نورث مستشار الأمن القومي الامريكى
6- الكونجرس لجنة تشرش في التحقيق بفضيحة إيران كونترا.
7- قصة المجالس الثلاثة – مركز دراسات الوحدة العربية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد