«الإكراه على الفضيلة لا يصنع إنسانًا فاضلًا، كما أن الإكراه على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن». هي المقولة العظيمة التي سطرها «الغزالي» ومازلنا نتداولها حتى اليوم، ويؤمن بها الغالبية، وإن أنكرها البعض، لنقف عندها مطولًا حينما يتعلق الأمر بالإيمان والفضيلة ومشروعية الإجبار عليهم ومدى فعاليته من عدمه، حيث يعد الإقناع ـ وبلا شك ـ الوسيلة التي أثبتت جدواها على المدى البعيد، مقارنة بقصر الأثر الذي يحدثه الإكراه، فالإقناع من شأنه أن يجعل من الفضائل عقيدة ينفذها الإنسان في كل حين؛ إيمانًا بها، وليس فقط خوفًا من عقاب الحسيب أو الرقيب البشري الذي تُرتكب الذنوب في غيابه وتُدرأ في حضرته؛ ما يعزز من انتشار التدين الظاهري، فقد خلق الإنسان وفطرته البشرية ترفض كل ماهو بالإكراه أو الإرغام، حتى وإن حسُنت عواقبه لما فيه من تهميش لإرادته وعقله الذي تميز به عن سائر المخلوقات.

ومن هنا تبرز نقطة الخلاف التي ينقسم حولها المجتمع السعودي مؤيدًا ومعارضًا بين الإكراه على فعل الصواب، حتى وإن صحُب ذلك التدخل في أدق شؤون الآخرين، وبين النصح والإرشاد من باب الإحاطة بالعلم فقط وإحباط حجة الجهل وإتاحة حرية الاختيار بعد ذلك وترك عبء تحمل العواقب إلى صاحب الشأن، وهو الاختلاف الذي يظهر جليًا في ردود الأفعال المتباينة على ممارسات المحتسبين الشعبيين، كما يُطلق عليهم باعتبارهم أفرادًا من الشعب يمثلون أنفسهم، وليس جهة أو إدارة رسمية قد تكون المبرر لأفعالهم، حيث لا يكاد ينتهي الجدل الذي تثيره تلك الأفعال، إلا وتُلحق بأخرى تُعيد الكَرة من جديد، ولسنا ببعيد عما حدث مؤخرًا حينما اقتحم مجموعة من المحتسبين إحدى الأمسيات الشعرية المُقامة بمهرجان سوق «عكاظ» الثقافي والأدبي في محاولة لإيقافها؛ اعتراضًا على وجود شاعرة بين الضيوف الحاضرين، وهو ما اعتبروه اختلاطًا محرمًا، بالإضافة إلى حجابها الذين اعتبروه مخالفًا للشرع، فما كان من الحضور، إلا أن رفضوا وجودهم، واضطر الأمن إلى إخراجهم عنوة من المكان؛ خشية احتدام الموقف، في فعل وتصرف ليس الأول من نوعه، بل عادة ما يتكرر في كل مناسبة أو احتفال وطني أو ثقافي تنظمه الدولة، تارة بداعي الاختلاط، بالرغم من التزام الجميع بإجراءات الفصل بين الجنسين، وتارة أخرى لوجود عروض مسرحية أو أغاني وموسيقى، ضمن برنامج الاحتفال، أو حتى أي مبرر آخر قد يتعلق بالدين ومبادئه، حتى وإن كان أمرًا خلافيًا.

ومن المعروف أن ظاهرة الاحتساب الشعبي من الظواهر قديمة العهد بالمملكة امتدادًا للعصور الإسلامية القديمة، حيث تعتبرها الدولة بمثابة مبادرة خيرية من أفراد المجتمع تجاه بعضهم البعض والفعل المساند لجهاز الحسبة الرسمي، ولكن الاختلافات التي طرأت على الأساليب التي ينتهجها المحتسب تجاه الناس، بالإضافة إلى التطور السريع للمجتمع وانفتاحه، وتغير أنماط الحياة عن سابقها وتنوع وتعدد مصادر استقاء المعلومات؛ هي ما تسببت في ردات الفعل العنيفة إزاء هذه الظاهرة من قبل المجتمع منذ فترات ليست بالقصيرة، وتأزم الموقف وإثارة الرأي العام من آن لآخر ضدها، حيث يعتمد المفهوم الحقيقي للاحتساب على تقديم النصح والإرشاد بالمعروف لمن يقترف ذنبًا أو يرتكب خطأ عن علم أو جهل، وهو الذي يقوم به الناصح ابتغاءً لرضا الله، دون مقابل آخر مرجو من ذلك، سوى الإصلاح والتنوير لمنع وقوع الخطأ، ومن ثم تداوله وإشاعته بين الناس.

ولكن ما لبث أن تطور أسلوب هذا النصح بمرور الزمن؛ ليصل إلى اقتحام الأماكن والمناسبات العامة والخاصة وتوبيخ المخطئ في الأماكن العامة بأسلوب عنيف بناءً على ظاهره فقط، وهو ما يعد انتهاكًا لحريته، وتشكيكًا في خُلقه أمام الجميع، وما يزيد الأمر سوءًا هو عدم انتماء هؤلاء المحتسبين الشعبيين لأية جهة رسمية كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الجهاز المنوط به الحسبة بشكل رسمي، وإن تم تقنينه مؤخرًا أيضًا بعد عدة تجاوزات أثارت غضب الشارع، وإنما هم مجموعة أفراد من عامة الشعب تعمل بشكل عشوائي يمكن لأي شخص أن يطيل لحيته، ويقصر جلبابه، أن ينضم إليهم، ويتجول في الشوارع؛ باحثًا عن الأخطاء كما يراها هو لتصحيحها، وبالتالي لا يقع أي منهم تحت رقابة جهة مسؤولة يمكن للمتضرر أن يلجأ إليها أو يقدم شكواه من خلالها على الأقل كما هو الحال مع الهيئة، حيث يتقبل الناس ما يُوجَه إليهم من انتقادات على سلوكياتهم من قبل الهيئة باعتبارها تُمثل قانونًا رسميًا، وإن ندد به البعض، ولكن من الطبيعي أن يتم رفض ذلك من أشخاص غرباء لا سلطة تخولهم لذلك.

ولا يمكن من خلال ذلك إغفال الصفات السائدة بين المحتسبين الشعبيين، والتي اشتهروا بها كأحد أبرز أسباب رفض المجتمع لهم، من حيث نظرتهم للمرأة باعتبارها ذنبًا لابد من إخفائه حتى لا يفضحهم، والشعور بالفوقية والأفضلية الذي يتملك الغالبية منهم، حتى وإن كانوا أقل خبرة وعمرًا، واعتقادهم بأنهم الأكثر تدينًا، والأكثر حبًا للرب، والأكثر حرصًا على مصلحة الناس منهم، وهو ما يجعلهم في سعي لإخضاع الجميع تحت وصايتهم من خلال تغيير ما يجدوه بأيديهم متجاوزين دور أجهزة الدولة الأخرى، وحقوق أفراد المجتمع اعتقادًا منهم أنهم يطبقون قول الرسول الكريم «من رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده»، ومتناسين قول الرسول أيضًا أن «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده»، أوالآية الكريمة «إن كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، لذلك ونتاجًا لتداخل تلك المبادئ والمفاهيم لديهم وتلك الصفات التي تتغذى على إطراء قلة من المؤيدين؛ تخرج تلك التصرفات والممارسات، بل وتزداد حدة وجرأة حتى باتت حق مكتسب، ليصفهم الكاتب السعودي خلف الحربي بفرق الوصاية العشوائية التي أزعجت البشر والحجر، وحتى الشجر، كما اعتبرهم المؤرخ «محمد آل زلفة» أنهم طالبان السعودية وأعداء الكُتّاب والمرأة التي تمثل هاجسًا لهم.

ولعل من أبرز النماذج على انتهاكاتهم التي أثارت جدلًا واسعًا في الفترة الأخيرة، كان الهجوم على محاضرًا بإحدى ندوات معرض الرياض الدولي للكتاب أواخر عام 2015 لانتقاده تدمير داعش لآثار العراق، واقتحام آخر لمسرحية كانت تعرض على هامش المعرض وإيقافها بحجة إقامة الصلاة، وهو ما لايختلف كثيرًا عما حدث في معرض جدة للكتاب 2015، عندما اقتحم مجموعة من المحتسبين أمسية شعرية للشاعرة «أشجان الهندي» اعتراضًا على الاختلاط، وهو المبرر المعتاد، ولكنهم قوبلوا بهجوم عنيف من الحضور، وصل إلى حد التشابك بالأيدي، بالإضافة إلى الجولات المستمرة من جانبهم في معارض الكتب، وعلى دور النشر بداخلها لمنع الناس من ابتياع الكتب التي يعتبروها غير مناسبة، بالرغم من سماح الدولة بتداولها، وهو الأمر الذي أصبح عادة سنوية لهم في كل معرض، وما كان أيضًا من محاولة وتجمهر مجموعة من المحتسبين لدخول مهرجان «الجنادرية» وتوزيع المنشورات بداخله قبل أن يتم إلقاء القبض عليهم، ولم تقتصر تلك الممارسات على الفعاليات الكبرى فقط، وإنما امتدت إلى أبسط الأمور والتفاصيل الحياتية في الأماكن العامة منه ما قامت به إحدى السيدات مؤخرًا في منتزه عام ومتاح للجميع عندما أزعجها وجود الأغاني والموسيقى فقررت قطع أسلاك مكبرات الصوت لإيقافها، بدلًا من انسحابها من المكان في حال لم يناسبها الأمر، ومن أشهر ما قام به المحتسبون أيضًا في مدينة الطائف كان ما حدث أثناء انتخابات المجالس البلدية عندما قام مجموعة منهم بتوزيع منشور يحرض الجميع على عدم التصويت للمرأة.

هذا وتتعدد المواقف والأحداث اليومية الفردية الأخرى التي لا تتهيأ لها الظروف المواتية لإلقاء الضوء عليها أو أن تحظى باهتمام المجتمع أو مواقع التواصل الاجتماعي كغيرها من الأحداث، ولكن، وعلى الرغم من استمرارتلك الظاهرة على نفس الوتيرة مع تصدي الأمن لها في كل حدث، إلا أنه لا يمكن اعتبارها أمرًا مزمنًا ويستعصي حله، حيث وكما كان غياب الضوابط والقوانين التي تحد من تلك السلوكيات أحد الأسباب المساهمة في انتشارهم وتماديهم إلى ذلك الحد، فهو أيضًا أحد أسباب الحل، إن لم يكن أهمها باعتبار الحل الأمني هنا يُقدم على الحل الفكري، على عكس ما يعتقد البعض، والذي يتمثل في وضع قوانين تحدد نشاطهم وآليات للرقابة الفعلية على أرض الواقع وعقوبات وغرامات مالية رادعة لمن يتجاوز، في حال كان أمر وجودهم مسلمًا به بما يحمي حقوق أفراد المجتمع، ويمنع أي فرد من التجرؤ والتجول تحت ذلك المسمى مستبيحًا لحياة الآخرين، لتعزيز أن النوايا الجيدة  لا تبرر دائمًا لأصحابها ما يسلكوه من وسائل لتحقيق وتفعيل غاياتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعودية
عرض التعليقات
تحميل المزيد