مما يبدو أخيرًا أن المفاوضات العقيمة التي جرت خلال الشهور الماضية في الكويت للفرقاء اليمنيين كان محصلها متوقعًا جدًا. فالرابح الوحيد من هذه المفاوضات هم الحوثيون؛ فالحوثيون بدأوا يتعودون على النفس الطويل الإيراني في الحروب، بالتمركزـ وتجميع الصفوف، بل إنشاء مجالس عسكرية وسياسية؛ لتنظيم أكثر صرامة؛ لما هو من الممكن أن يحدث بعد فشل المفاوضات.

المفاوضات أتت بضغط أوروبي أمريكي على الشكل المألوف، بحقوق الإنسان، ومبعوثي الأمم المتحدة على المملكة العربية السعودية. ففي هذا الوقت تمكن الحوثيون من تثبيت قواعد صاروخية في مواقع مختلفة تجاه المملكة. كانت الخطوة الأولى كسب الوقت للإيرانيين؛ مما مكنهم من التغلغل أكثر وإيجاد منافذ لتغذية ترسانة الحوثيين، وتجنيد أكبر قدر ممكن من الجنود؛ فالتنسيق الاستخباراتي لدى دول التحالف لا يكاد يذكر، بل هو شبه معدوم، وهو ما يحصل على الأرض فعليًا؛ فالتغطية الإعلامية تؤكد ذلك.

من هذا المنطلق تأتي التساؤلات على ما هو عليه الوضع الآن من استراتيجية تضمن أمن اليمن والخليج في المستقبل؟ من الواضح جدًا أنه لا توجد هنالك استراتيجية موحدة شاملة بين أعضاء التحالف، أو بالأحرى حاسمة فيما بينهم، يمكن أن ننتظرها لتثمر نتائجها في وقتٍ معلوم، فالحاصل في اليمن يسر الإيرانيين، من تخبط الرؤية داخل دول التحالف نفسه، فمثلًا الإمارات العربية المتحدة لديها رؤيتها الخاصة؛ لدعم جنوب اليمن، وضمان قدم استراتيجي بأن يكون جنوب اليمن مواليًا لها؛ إن ساءت الأمور هناك، ولايوجد دعم سياسي عالمي، بل العكس تمامًا.

أو من المملكة السعودية نفسها التي لاهي اقتحمت شمال اليمن وأمنت أراضيها وحدودها عبر الانزال الجوي خلف خطوط العدو وتأمين إمدادات استخباراتية و«لوجستية» للعاصمة صنعاء، ولاهي استطاعت أن تدك معاقل الحوثين بالطيران، وتنفيذ اغتيالات للقادة العسكريين والسياسيين. إن المملكة العربية السعودية لا تستطيع أن تفعل ذلك، أو بالأحرى أن تستطيع أن تاخذ وضعًا هجوميًا؛ وذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد ذلك؛ فالمملكة مُسلط عليها كل الأضواء الإعلامية والسياسية، كحقوق الإنسان، وهيئة الأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات التي لها نفوذ أمريكي وغربي.

حتى الآن لا تعرف نوايا أمريكا تجاه المملكة أو تجاه اليمن؛ فخذلان أمريكا في سوريا للمعارضة السورية، والوقوف بقوة مع الأكراد، وأن القضية الكردية خط أمريكي أحمر، ستفعل من أجله أمريكا كل شيء، حتى لو كلفها ذلك الشي الكثير، ولا نستغرب يومًا ما أن أمريكا سوف تتخذ إجراءات أكثر عدوانية تجاه المملكة بعد سحب مستشاريها من المملكة.

من هذا المنطلق نتساءل عدة أسئلة: ماهي كفاءة الجيش السعودي حتى الآن؟ وما هي كفاءة القيادة السياسية بعد الخذلان الأمريكي المتواصل، وصعود روسيا في الشرق الأوسط؟ إن تساقط الجنود الأسبوعي على الحدود الجنوبية للمملكة، والاختراقات العسكرية من قبل الحوثيين عبر القصف الصاروخي والمدفعي للمدنيين، يجب أن لا يمر هكذا بدون تفصيل وتبيان ماهي استراتيجية المملكة؟

لقد أتى «كيري» وزير الخارجية الأمريكية ويحمل في حقيبته الخذلان والخزي للمملكة، فأمريكا لم تفعل حتى حكومته من فرض عقوبات أو على الأقل تنديدًا لما يحكم اليمن من أقلية، لكن يرى الكثير حتى الآن أن هذا سوف يتكشف، وينجلي، وتحل محله استراتيجية جديدة بعد انتخاب رئيس أمريكي جديد.

إلى متى هذا السكوت والتخدير السياسي من قبل العرب، وبالأخص السعودية؟ وإلى متى عدم حسم المعركة ميدانيًا، دون الالتفات إلى الضغوط السطحية والعدائية، بل الاستفزازية؟ وإلى متى الانتظار أن شخصًا ما غير كرسيه في أقصى الأرض لنتحرك، أو يعطي لنا الإذن؟ إن ما تحتاج إليه المملكة هي نهضة فكرية بكل المجالات والأسرع مجال التسلح والتجنيد الإجباري. إن الإنفاق العسكري الهائل من المملكة على القطاع العسكري وجب علينا كمواطنين أن نختبر هذا الإنفاق ميدانيًا بأن تلك الأموال ذهبت بالاتجاه الصحيح أو مطالبة الحكومة عبر مجلس الشوري وقنوات الاتصال الشعبية بضرورة إعادة النظر في تصنيع الأسلحة واستيرادها.

إن اليمن اختبار حقيقي فيه زوال كيان أو بداية حقبة جديدة. حقبة توسع ونفوذ واقتصاد توسعي يفرض على المنطقة تأثير المملكة كقوة ضاربة عسكرية قبل أن تكون اقتصادية. يجب أن نتعلم جيدًا أن العالم مصالح، ووجب علينا إيجاد تلك المصالح مع من نتحالف معهم، فالعالم يتغير، فأمريكا ودعت الشرق الأوسط، واتجهت لبحر الصين؛ لأنها لم تجد الاستقرار، استقرار حليف له غايات وأهداف بعيدة لضمان السيطرة المطلقة على متغيرات الأحداث الطارئة؛ فالصين استدرجت أمريكا لتدع روسيا تنقض على الشرق الأوسط وشرق أوروبا.

كان للأمريكان موقف مشابه تمامًا للمملكة الآن بحيث إن صواريخ السوفييت زرعت في كوبا مما حتم على أمريكا أن تدمر الاتحاد السوفيتي وتفكيكه.

فهل يا ترى نحن شعب نعيش على حدث اليوم، وما يحصل غدًا فقط، وندع الأحداث تغير من استراتيجياتنا وتعاملنا لما يهدد مبادئنا ووجودنا؟ لماذا لا تكون لدينا رؤية يتشاطرها الشعب مع حكومته على المدى البعيد؟

إن استراتيجيات الأمم منبعثة من دور وفكر الشعوب نفسها، بل حتى مدى تأثير تلك الأمة على محيطها وشعوبها.

فالخليج وجب ضمه لموطنه العربي الأم، وإبتداءً في ضمه كاتحاد «كونفدرالي»، ثم ضمه تدريجيًا لوطن واحد، أمة واحدة واقتصاد واحد. هذا ما وجب عليه، والسرعة في تنفيذه، وإلا المُشاهد لتلك الدول الصغيرة المشتتة استراتيجيًا، والتي لدي كل واحدة منها رؤيتها  الخاصة متجاهلة أن تلك الشظايا الصغيرة من الجغرافيا السياسية سوف تبتلع في غضون أسابيع، بل في أيام عندما تستاء الأمور.

إن في اليمن اختبار لمدى عزيمة وقوة تلك النظرة والاستراتيجية البعيدة، فإن كانت تلك العتبة أي عتبة اليمن، لم تكن بتلك المأمول عليها، والمرجو منها أن تفعل ذلك، فلنعمل بصوت عال على تغييرها أن تكون تلك العزيمة مؤثرة في سرعة الجنود أن يضموا اليمن إلى موطنه الأم، وتجريده وتطهيره من الأمراض الخبيثة التي بدأت شيئًا فشيئًا بالتغلغل حتى في فكر وسلوك المدنيين هناك.

فهل هي انتكاسة سوف تحصل بعد الفشل في اليمن على الصعيد المعنوي والمادي والاستراتيجي للمملكة؟ أم هي مفاجأة بالنصر وضم اليمن سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وضمان النفوذ على بحر العرب ؟ فهل يا تري نعي ما خطورة الوضع اليمني على تشكيل مستقبل المملكة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعودية
عرض التعليقات
تحميل المزيد