لا أصدق ما يذاع هنا وهناك على منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي، أن المملكة السعودية الإرث الثقافي الإسلامي وعبقه المحمدي الذي لا يفنى، وبقاعه المقدسة مهوى الناس والصالحين، لا أصدق أنها تحابي كيانًا من الشر سمي ظلمًا إسرائيل، أو ستحابيه يومًا وتسلم فلسطين اليوم أو غدًا أو بعد غد.

لن أصدق، لأن حبل القيم المتينة وتعاليم متأصلة هنالك وأخلاقيات كلها تتسربل ليل نهار من وحي إلهي لا يزال يثري قلوبًا ويوميات مملكة قريبة من السماء بعيدة عن الدنس، أن كل شيء سيهوي فجأة!

لن أصدق، لأن صرامة التربية القاعدية الإسلامية بمقاسات التقاليد العربية القبلية القديمة جدًا، وحرمة حدود من أنوار العقيدة وشذى الأنفة القريشية العربية المتهيجة في الأجيال كلها من زمن المؤسسين إلى ما تلا من أزمنة ومواءمات العهد الجديد.

لا أصدق، لأن كل شيء هنالك الأمراء والبسطاء والعلماء والشعب العربي القرشي السعودي قد عجن بحنة الفداء وجريان السخاء والخلق المحمدي العظيم، فلا أصدق أنها ستزيغ يومًا عن عيون العدو.

لن أصدق، لأن مبررات كثيرة تتهاطل على العالم العربي والإسلامي وفلسطين يتغافل عنها إعلام غريب عجيب، فلا يغوص في فرز قواعد المربعات الجديدة التي رسمت بليل، ولا يشرح إسقاطاتها الملتهبة بما يصبه الحقد الأعمى من أعتى دول العالم سطوة على الرمزيات العربية والإسلامية، وأن المملكة السعودية رغم خيبات كثيرة وجراح كثر لهي أسطع رمزيات عالمنا العربي الإسلامي بما احتضنت وبما استمر وبما عليه، بما أعطت قضايانا قضيتها الجريحة عصافير فلسطين، وبما ساندت قيامات العرب في كل مكان دعمًا واحتضانًا، وبما نصحت في العقيدة والحياة وخير الناس أجمعين، وبما استطاعت ولا تزال.

المربعات الجديدة المتحولة

إن ما يجريه العالم من تجديدات لماء عيونه ليرى عالمه أكثر وضوحًا، ومن التطورات والتغيرات الراديكالية في الجذر السياسي والإداري واليومي للناس أضحى طاغيًا وقعه، وإن البرغماتية في اتخاذ مواقفه وتسيير أزماته والاستعداد لما هو أعتى، لهي أوضح مربعاته الجديدة التي تستدعي أول ما تستدعيه تكيفًا مرنًا وصبرًا طويلًا.

مربعات العالم الجديد سكتها المراوغات وهاجسها التقية لأن مفاهيم كثيرة تغيرت جذرًا فحتى الحقوق والعدالة والثورة لم تعد كما في مربعاته القديمة. العالم بأسره يراوغ ويناور ويتلاعب فيما تستدعي المملكة السعودية عربيًا وإسلاميًا أن تظل تلعب في زوايا ذات المربعات القديمة وهي نفسها المربعات التي استجلبت عليه السخط وما سمي ربيعًا عربيًا وتهديدات إثنية وعقدية أخرى، إن صورة نمطية بات وكأنها قدر سعودي سيبقى في عيون العالم عن المملكة وشعبها ومثقفيها وأجهزتها وصداها العقدي الديني مرفوض الاقتراب منه.

وكأني بها ترغم أن تظل رهينة رؤيتها الأولى مند أواسط الخمسينيات وقد ركبت على مقاسات الحقوق العربية والإسلامية وأنها الحامية لها وهي الحقوق الراسخة الجذور عبر التجليات جميع الطهورات السعودية وفي شتى المجالات، وقد طالتها الكثير من الانتقادات والتشويه والتأويلات طوال العقود، لكننا في كل مرة نقف على منصة الإشعاع الحضاري الثقافي الإسلامي ووهجه السعودي الذي لا يخبو لأنه مشعل بالقضايا الكبرى للأمة العربية والإسلامية وأن عصافير فلسطين أعظم تلك التجليات.

أقول هذا ربما بضغط ثقافي وليس دفاعًا عن الأنظمة الملكية لكنني ألمح تجاوزًا رهيبًا وأحسه يطول المملكة السعودية في عهدها الجديد، من لدن الكثير من المنصات الإعلامية أساسًا والأسماء الناشطة إعلاميًا والتي لا تتردد في إلصاق جميع الخيانات بالمملكة وجميع الهوان الذي طال الأمة الإسلامية فيما العهد الجديد يتفتح ثقافيًا بما يبشر للانفتاح الحضاري العربي ضمن المقومات العربية الإسلامية وعادات وتقاليد الحجاز، فلماذا يشوه كل هذا؟!

وكان انهيار المملكة سيعيد القدس، أو أن الاحتجاجات والمظاهرات هنالك ستلوي ذراع ترمب ويتراجع عن قراره. ربما منعطفات المملكة السعودية الراهنة استثنائية بما لم يفهم تمامًا، وربما كرهت درعًا بالعالم الإسلامي والعربي الذي لم يرحم تجليات المملكة الدينية والاجتماعية والسياسية فيما يتطور بينما تظل المملكة رهينة أحلامها، فحتى تجليات فساد يوميات أمراء ونافذين في أطراف العالم تلقي على الظهر السعودي لومًا وسبًا وهجاءً.

وكأنها الثقافي الإسلامي العربي وقد نشأ على جلد ذات مملكة تضم بقاعه المقدسة، وتضم خزائنه من الذهب والفضة، وتحرص ديتولوجية الإسلامية المتشددة وتجلت أكثر في الوهابية التي أضحت حصانًا طروديًا في لف الخناق على الناس السعوديين وأمرائهم وعلمائهم وأعيانهم وحشرهم جميعًا في الزاوية، والأدهى منعهم جميعًا من المناورة السياسية والإصلاحية والدينية والثقافية، وكأنهم الثابث الذي قدره أن يظل ثابتًا على مقاسات مربعات عالم متحول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد