إن المتابع لتاريخ آل سعود منذ بزوغ نجمهم لَيجد نفسه حقًا أمام قصة جديرة بالتأمل لأسرةٍ نجديَّةٍ لم تحز من الشرف والمكانة الكثير بين أقرانها؛ لكنها بقيادة زعيمها الطموح سعود بن محمد بن مقرن، وولده محمد استطاعت أن تؤسس إمارةً صغيرةً في منطقة الدرعية، بعد أن نجح في الحصول على مبايعة قاضي العيينة عام 1744م، محمد بن عبدالوهاب آل شيخ؛ والذي تم نفيه بعد أن رفض أهل بلدته دعوته لتحكيم الشريعة بالقوة؛ فلم يجد له مقامًا إلا في الدرعية؛ إذ تماشت دعوته مع أهواء أهل المنطقة، ثم ما لبث أن شكّل مع الحكام الجدد للإمارة تحالفًا سيطول، عبر ممالك آل سعود الثلاث، وتم توقيع الاتفاق المكتوب بينهم؛ فيما عُرف باتفاق الدرعية.

وجد الداعية في حكام الإمارة الوليدة ضالته؛ إذ مكنوه من نشر دعوته، كما أضفت على آل سعود بُعدًا ثيوقراطيًّا، ساعدهم في التوسع سريعًا، وألقى بظلالٍ من الريبة على كل من ناهضهم؛ باعتبارهم خلفاء الله في الأرض والمبشرين بتطبيق شرع الله، وهو ما مكنهم من إخضاع أراضي المملكة السعودية الحالية، وقطر، والبحرين، وأجزاءٍ كبري من عمان، والإمارات وأخد في التوسع في بادية سوريا والعراق.

وبعد حربٍ مع محمد علي باشا عام 1811م، كُتبت نهاية دولتهم الأولى؛ غير أن تركي بن عبد الله آل سعود نجح في استغلال انشغال محمد علي والإنجليز بالاقتتال فيما بينهم، ونجح مع ولده فيصل في تشكيل تحالف مع آل رشيد، والعودة للحكم من الرياض؛ ليؤسس الدولة الثانية؛ والتي لم تدم طويلًا؛ بفعل تحاسد أبنائه الأربعة، وتكالبهم على الحكم، وخلال اثني وعشرين عامًا من القتال الدامي بين عامي (1865-1887م) تناوب الأشقاء الأربعة (فيصل وسعود وعبد الرحمن ومحمد) السيطرة على الرياض عاصمة دولتهم.

وهذا التناحر مكن أمير الحائل محمد آل رشيد من إسقاط دولتهم، وفر آل سعود طلبًا للحماية من شيخ الكويت محمد آل صباح؛ والذي أحسن ضيافتهم؛ وفي 15 من يناير (كانون الثاني) عام 1902م؛ تمكن عبد العزيز بن عبد الرحمن من الإغارة على قصر الحكم في الرياض ليبدأ في تأسيس دولته عام 1932م، بدعمٍ من القبائل، وتحالفاتٍ ترسخت بزيجاتٍ بلغت 19 من بنات شيوخ كبرى قبائل المملكة؛ التي أطلق عليها اسم أسرته «السعودية». حكم عبد العزيز المملكة مترامية الأطراف بدعمٍ من دعاة التيار الوهابي، وبفضل مصاهراتٍ مع كبرى القبائل وبمساعدة من أبنائه الـ 36؛ الذين أنجبهم من زيجاته، وقد عمد إلى تقسيم النفوذ بين أعمامه، وبنيه، وأبناء كبرى القبائل.

عوامل الضعف

تمثلت عوامل ضعف دولة عبدالعزيز في العوامل نفسها؛ التي مكنته من تدعيم حكمه؛ فزيجاته الكثيرة من كبري القبائل؛ أدَّت لتكوين مراكز قوى داخل أسرة الأب الواحد؛ على أساسٍ من نسب الأم؛ فتشكلت ثلاث مجموعات رئيسة متناحرة في السياسة؛ فيما عبأ الآخرون بالمال؛ إذ برزت مجموعة السديريين السبعة (فهد، وسلطان، وعبدالرحمن، ونايف، وتركي الثاني، وسلمان، وأحمد)؛ وهم الذين أنجبتهم حصة بنت أحمد السديري، ومجموعة الملك عبدالله وأخواله؛ الذي كان يتمتع بروابطَ وثيقةٍ بقبائل منطقة نجدٍ؛ إذ إن والدته (الفهدة) تنحدر من قبيلة شمر؛ والتي تعتبر من كبرى القبائل في السعودية؛ وموطنها الأصلي في الرياض، وكانت قبل نشأة الدولة السعودية الثالثة في عام (1902م)، تملك جميـع أراضي الرياض تقريبـًا، ومجموعة الملك خالد وأخواله؛ إذ إن والدته (جوهرة) تنحدر من عائلة آل جلوي.

ما لبث أن مات عبد العزيز، وتولي ابنه الأكبر سعود الحكم عام 1953م؛ حتى عادت الأسرة إلى ديدنها من التناحر؛ حين استغل الأمير فيصل سوء إدارة أخيه، وتوريطه للمملكة في عدد من الصراعات الإقليمية؛ حتى تحالف مع إخوته السديريين؛ لتقويض حكم الملك وتحديدًا في 24 مارس (آذار) 1958م؛ قامت مجموعة من الأمراء على رأسها فهد بن عبد العزيز، بتقديم إنذارٍ إلى الملك سعود يطالبونه فيه بتسليم السلطة إلى فيصل.

أيادٍ أمريكية

وفي محاولةٍ يائسةٍ منه لتشكيل تحالفٍ مضادٍ، تقرّبََ من أخيه طلال؛ الذي أسس مع إخوته لأمه حركةً إصلاحيةً؛ تهدف لتحويل المملكة للحكم الدستوري عبر تأسيس لجنةٍ استشاريةٍ منتخبةٍ جزئيًّا، وسحب عددٍ من سلطات الملك، ومنحها لمجلس الوزراء، وعلى الرغم من معارضة الملك، وولي عهده معًا للدعوة؛ إلا أن الملك عينه وزيرًا للمواصلات، ثم وزيرًا للمالية؛ حتى صرَّح في سبتمبر عام 1961م؛ أن قاعدة الظهران سوف تُزال خلال ثمانية أشهر، وأن الاتفاقية الخاصة بها مع الولايات المتحدة سوف تُلغى.

وهي الدعوة التي أغضبت الأمريكيين،، وجعلتهم يعطون الضوء الأخضر لفيصل، لتنفيذ انقلابٍ أبيض بدعمٍ من علماء الدين، وعددٍ كبيرٍ من أسرة آل سعود، غير أن فيصل ذاته تمَّ اغتياله في الخامس من مارس 1975م، على يد ابن أخيه فيصل بن مساعد، في حادثة أشارت كل التحقيقات، أنها انتقامٌ أمريكيٌّ لقرار الملك بحظر النفط في أعقاب حرب أكتوبر، ولم تشفع للملك فيصل انقاذه للعملة الأمريكية، واقراره نظام البترودولار عام 1973م، ثم جعله العملة الرسمية لجميع مبيعات أوبك عام1975م.

درسٌ لن ينسى

تميزت فترات حكم الملوك التالين؛ خالد وفهد وعبد الله، بنوعٍ من الاستقرار، بنوه على عدة عوامل تمثلت في: أولًا: في تعلم الدرس من مقتل أخيهم فيصل؛ فحافظوا على خضوعهم المستمر للأمريكان، وضمنوا تدفق النفط بالمعدلات، التي ترضيهم؛ بل إنهم قاموا في ثمانينيات القرن الماضي بإغراق العالم بملايين براميل النفط، بإيعازٍ من المخابرات الأمريكية؛ لإضعاف اقتصاد السوفيت، كما دعوا للجهاد في أفغانستان، وثاني تلك العوامل هو استمرار تحالف الأسرة مع التيار الوهابي، والدعاة، والذين ظلوا يحظون بنفوذٍ مقابل أن يكونوا أبواقًا تدعو للسمع والطاعة للحاكم، والربط بين طاعته وعبادة الله. ثالثًا: أبقت المملكة على نهجٍ محافظٍ في سياستها الخارجية، وتجنبت الصراعات الكبرى مع خصومها.

رابعًا: حرص الحكام الثلاثة على تقسيم النفوذ داخل العائلة بين الأجنحة المهتمة بالسياسة والحيلولة دون أن يستأثر جناح بالحكم، كما وزعوا الصفقات على الأجنحة المهتمة بالاقتصاد، خامسًا: أغدقت الأسرة السعودية المليارات على رجال الأعمال من القبائل لتضمن ولاءهم، وأخيرًا تعاملت الدولة بسخاء مع شعبها بشكلٍ عامٍ في محاولة لإلهائهم عن المطالبة بإصلاحاتٍ؛ فيما سمحت ببعض أصوات الإصلاح، غير أن كل تلك العوامل ما لبثت أن تبخرت مع تولي سلمان الحكم في عام 2015م.

الدولة السعودية الرابعة .. المملكة السلمانية

مع تولي سلمان الحكم أطلق يد ابنه الشاب عديم الخبرة في الحكم؛ فعمل على نقض جميع العوامل التي أدت لاستقرار حكم أعمامه؛ فخارجيًّا: بدأ مغامراته بحرب اليمن؛ التي شنتها المملكة في 25 مارس (آذار) عام 2015م، التي أفقدت المملكة كثيرًا من هيبتها وأموالها؛ فوفقًا لصحيفة الواشنطن بوست؛ فإن الخسائر البشرية للمملكة العربية السعودية تُقدَّر بنحو 2500 جنديٍّ، و60 ضابطًا؛ أما عن التكلفة الاقتصادية؛ فقد قدَّرتها مجلة التايمز البريطانية بنحو 252 مليار دولار خلال سنوات الحرب.

· وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017م، قام باعتقال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في سابقةٍ قلَّما تتكرر في السياسة الدولية.

· ثم الانفتاح على إسرائيل، والتطبيع شبه العلني في سابقة هي الأولي في تاريخ المملكة.

· تمزيق الاستقرار الإقليمي، وشق مجلس التعاون الخليجي بحصار قطر في الخامس من يونيو (حزيران) عام 2017م.

· غير أن عملية الحصار تلك لم تكن فاشلة بقدر جريمة اغتيال جمال خاشقجي.

· حوَّل المملكة لتابع لابن زايد في سياسته لكبح الحريات في بلدان الربيع العربي.

· وأخيراً أغرق بلاده في حربٍ نفطيَّةٍ؛ خلفت خسائر اقتصاديةً ضخمةً؛ أجبرته على مزيد من الاستدانة.

أما داخلياً فإخفاقات سلمان ونجله قد تطول:

· أما عن السياسية الداخلية في المملكة فحدِّث ولا حرج، اعتقل «ابن سلمان» أعمامه وأبناءهم، وجمعًا من الأمراء والمسئولين، كما طالت حملة اعتقالاته عشرات الأكاديميين والنشطاء السياسيين ودعاة الإصلاح.

· جعل سلمان ولاية العهد في ابنه محمد بخلاف كلِّ إخوته السابقين، ونكَّل بأبناءِ عبد الله، وفهد، وجعل ابنه خالدًا وزيرًا للدفاع، وعبد العزيز وزيرًا للنفط، وتركي على رأس صندوق الاستثمار السعودي «ثروات»، وفيصل أميرًا لمنطقة المدينة المنورة، وبذلك أخل بجميع أوجه التوازن الذي كان قائمًا داخل أفراد أسرة آل سعود.

· عمل أبن سلمان علي تحجيم دور رجال الدين؛ ليقدم في أبريل (نيسان) عام 2016م، على تجريد هيئة الأمر بالمعروف من أي صلاحيات تنفيذية، خاصةً أن آل سعود يتكئون منذ نشأتهم على المذهب الوهابي، ويتخذون من دعاته جواز مرور نحو شرعيتهم، وتثبيت أركانهم، في المقابل أطلق يد هيئة الترفيه في البلاد وأقام الحفلات ودور السينما وسمح بالاختلاط.

· عمل ابن سلمان علي نهاية مقاربة الرفاهية في مقابل التخلي عن الديموقراطية في التعامل مع شعبه، واستبدلها بسياسة العصي الغليظة.

· كما استثنى عددًا كبيرًا من أبناء الأسرة والقبائل الكبيرة من المشاركة في الحكم، وجعلها حكرًا على عدد من أهل الثقة المقربين من ابن سلمان.

· فشلت خطة الابن لعام 2030م، للتحول لاقتصاد متنوع غير ريعي؛ قائمٌ على صندوق استثمار تريليوني تموله خطة اكتتاب لنسبةٍ من أرامكو؛ وهو الاكتتاب الذي رفضته صناديق الاستثمار العالمية؛ فلم يسوَّق إلا محليًّا، ولم تجنِ الخطة ما كان مخططًا لها.

· عمل على فرض المزيد من الضرائب على المقيمين، والسعوديين؛ فشوَّه بيئةَ العمل وأصاب الأسواق بالركود.

· تآكل الاحتياطي المالي للمملكة بواقع 233 مليار دولار نزولاً من 732 إلى 499.

· كان لحملة الاعتقالات في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017م، لعشرات رجال الأعمال وأفراد من العائلة الحاكمة لمدة ثلاثة أشهرٍ في فندق «ريتز كارلتون» أثرًا بالغًا في تقديم المملكة كآخر وجهة يمكن أن ينتحيها مستثمر باعتبارها بلدًا، لا يخضع لسيادة القانون.

يرى الكاتب البريطاني بيتر أوربون في مقالٍ له على موقع ميدل إيست آي؛ أنّ ابن سلمان قد أهان الأسرة الحاكمة، ورجال الأعمال، وأهان السلطة الدينية، وعبث بموروث ثقافي وديني، ظل يحمي حكم آل سعود عبر تاريخها، وأن اختياره لحلفائه «ترامب وابن زايد وناتنياهو»؛ كان غايةً في السوء ، بل إن اختياره لمعاونيه في الداخل كان أسوء، كما أنه لم يحسن اختيار أعدائه؛ فدمر علاقاته مع تركيا؛ فيما ازدادت مع إيران سوءًا، ويستطرد أوريون أنَّ ابن سلمان لن يبقى في الحكم طويلًا، وسيسقط غالبًا على وقع انقلاب يدبَّر داخل القصر؛ فإما تسقطه العائلة، أو يأخذها معه نحو دمارٍ محتومٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد