أكثر من عامين مضت على تحرير عدن والمحافظات المجاورة ومنذ ذلك الحين باتت أعلام ورايات السعودية والإمارات وصور زعماء وقادة التحالف العربي تنتصب في شوارع العاصمة عدن إلى جانب علم (اليمن الجنوبي)، حيث تعد عدن أول عاصمة عربية تتمكن من هزيمة المشروع الإيراني في المنطقة، عن طريق المقاومة الجنوبية الشرسة وروح الاستبسال التي أبداها الشباب الجنوبي المقاوم، بدعم من عاصفة الحزم التي جاءت لصد العدوان الإيراني وذلك عبر الحلفاء الحوثيين وقوات المخلوع صالح.

وبذا تكون عملية (عاصفة الحزم) قد أسهمت بشكل جلي في تحقيق النصر المؤزر في جنوب اليمن، وتقوية علاقة الجنوب بدول الحلف العربي وأبرزها السعودية والإمارات والكويت، الأمر الذي جعل الجنوبيين يرفعون أعلامًا وصور قادة دول مجلس التعاون الخليجي في الطرقات وعلى أسطح المرافق الحكومية والأهلية والمنازل.

باتت الأعلام والصور منذ عامين في مدينة عدن منتشرة بالعاصمة التاريخية للجنوب، والمؤقتة لليمن.

فإلى جانب علم اليمن الجنوبي ترتفع أعلام الإمارات والسعودية والكويت وبقية دول التحالف العربي، لكن حدثًا طرأ قبل نحو شهر إثر مواجهات اندلعت في محيط مطار عدن الدولي، يقول جنوبيون إنها عكرت صفو علاقتهم بالرياض، فيما لا تزال علاقتهم بالإمارات كما هي، خاصة وأن أبوظبي باتت قريبة من الجنوبيين وتناوئ الخصوم التاريخيين لعدن، على عكس الرياض التي تبدو أنها لا تزال متمسكة بتحالفاتها السابقة، على الرغم من فشل حلفاء الرياض في تحقيق أي انتصار عسكري يذكر على حلفاء إيران في صنعاء.

في الـ21 من سبتمبر (أيلول) 2014م، كنت قد كتبت مقالة تحليلية مطولة، نشرت في الصحافة المحلية بعدن، حول مستقبل الصراع في اليمن، والمساعي التي جعلت من الزيود (قبائل وقوى سياسية) يتحالفون جميعًا مع الحوثيين، لإسقاط الجنوب لمصلحة إيران العدو التاريخي للعرب.

وحقيقة فقد أبديت توقعاتي حينها بكل وضوح وذكرت أن السعودية قد تلجأ إلى دعم خيار استقلال الجنوب، لقطع الطريق على إيران، لأنه لم يعد هناك أي خيار غير ذلك، ولا يزال هذا الخيار الوحيد أمام الرياض لتأمين حدودها ودفع الخطر الإيراني بعيدًا عنها.

وفي تلك المقالة أجبت عن سؤال «هل تقطع السعودية يد إيران قبل أن تمتد إلى الممر الدولي الهام؟»، وكانت الإجابة كما اعتقدت أن الرياض ستدعم خيار استقلال الجنوب، من أجل التصدي للعدوان الإيراني، الذي كان محتملًا.

لكن السعودية ظلت ترقب المشهد اليمني عن بعد وقرب في آن واحد، وإلى أين تؤول الأوضاع، وقامت بتقديم دعم عسكري ضخم لميليشيات قبلية وحزبية في مأرب، لكن ميليشيات الحوثي وقوات صالح تركت مأرب وركزت جل جهودها نحو عدن، واستمرت السعودية في دعم الميليشيات القبلية الموالية في مأرب إلى أن شنت قوى العدوان اليمني الشمالي عدوانها الثاني على الجنوب، الذي كاد أن يسقط في يد إيران، لولا رجال الجنوب الذين وقفوا سدًا منيعًا أمام أطماع العدوان الشمالي، وأفشلوا انقلابًا في عدن نفذته قوات موالية للمخلوع صالح.

واستعرضت ميليشيات الإخوان في صحراء مأرب بالمركبات العسكرية السعودية، وأعلنت استعدادها لقتال الحوثيين على الرغم من إصدار قيادة الجماعة بيانًا أكدت فيه أنها لن تنجر إلى الصراع الطائفي حينها.

شعرت السعودية بالخطر حينما اتجه الحوثيون وقوات المخلوع صالح نحو عدن العاصمة وباب المندب، وحينها دشنت على الفور (عاصفة الحزم) التي أطلقتها في الـ26 من مارس (آذار) 2015م، لتساند قوات التحالف العربي الجنوبيين وتمدهم بالمال والسلاح، وبالمقابل قدم الجنوبيون تضحيات كبيرة جدًا، كان ثمنها هزيمة حلف إيران في اليمن ودحره من الجنوب.

لكن بالتأكيد كانت الكلفة ستكون أقل فيما لو ذهبت الرياض في وقت مبكر نحو دعم استقلال الجنوب، ودعم بناء دولة جنوبية قوية على شريط البحر العربي الهام، بدلًا من الرضوخ لابتزاز اليمن الشمالي، أو على الأقل فعلت مع عدن مثل ما فعلت مع مأرب، فعدن صمدت وصدقت فيما مأرب باتت مثيرة للشكوك والريبة وإن لم يوجه الساسة السعوديون اتهامات للحليف الإخواني بالخيانة واستنزاف دول التحالف العربي.

وبدلًا من أن تجبر السعودية حلفاءها في شمال اليمن على حسم المعركة ضد الانقلابيين، انجرت وراء أطماع قوى الشمال في الجنوب الغني بالثروات التي سرقها المخلوع صالح لأكثر من ربع قرن، ويبدو أن محسنًا يريد إكمال ربع قرن آخر في نهب الثروات الجنوبية.

الصراع على الجنوب بات اليوم على أشده، فالكثير من الأطراف اليمنية والإقليمية باتت في صراع يتشكل رويدًا رويدًا، لكن السعودية بدلًا من أن تذهب نحو الجنوبيين ذهبت نحو طرف معادٍ لقضيتهم، بل إنه شارك بقوة في حرب اجتياح الجنوب الأولى، ويعمل ضد تطلعاتهم المنشودة وحقهم في استعادة دولتهم السابقة كاملة السيادة على ترابها الوطني.

يؤكد الجنوبيون أن بلادهم بحاجة إلى حليف إقليمي، حالها كحال أي بلدة في العالم، لكن الرياض يبدو أنها لم تعِ بعد أن الجنوب للجنوبيين فقط، وأن محاولة العودة عن طريق قوى صنعاء العدوانية، خطأ كارثي عليها، فهذه القوى التي تدعمها الرياض فشلت في إحراز أي تقدم عسكري في فرضة نهم، أو أحياء تعز، ولن تستطيع إحراز أي تقدم في الجنوب الرافض لها والذي يراها (أي قوى صنعاء) عدوًّا مثلها مثل الحوثيين والمخلوع صالح.

وعلى الرغم من مرور نحو شهر على أحداث مطار عدن الدولي، إلا أن الوضع في عدن بات مقلقًا للجنوبيين، فكل شيء في هذه المدينة تدهور ولم يعد هناك ذلك الاستقرار للأوضاع في العاصمة، الأمر الذي يعده سياسيون مقدمةً لمحاولة فرض مشاريع ضد تطلعات الجنوبيين، وهو ما يعني أيضًا إطالة الحرب وإعلان فشل السعودية في تحالفها لإعادة الشرعية في اليمن.

قدم الجنوب منذ الاستقلال الأول تضحيات كبيرة، من جراء مواقفه الداعمة للخليج، وأبرز تلك التضحيات اغتيال الرئيس سالمين، الذي رفض مشاريع السوفيت، وبدأ بحث علاقة مع الأشقاء في الخليج، ليتم اغتياله.

وقف الجنوب إلى جانب الكويت ضد العدوان الذي شنه نظام صدام على هذا البلد الجار، وكان ثمن هذا الموقف هو دعم صدام لنظام صنعاء في عدوانه هو على الجنوب، والكثير من الأحداث التي تؤكد أن الجنوب – كان ولا يزال – حليفًا استراتيجيًا لأشقائه في الخليج، على عكس اليمني الشمالي، بفعل الارتباط الجيني بفارس. وأعتقد أن ساسة الرياض يدركون تمامًا شكل الترابط الجيني بين صنعاء وطهران.

كل الوقائع تثبت أن اليمن الشمالي لن يكون حليفًا للرياض، حتى لو قدمت لهم نصف ثرواتها، فالحرب الحالية أوجدت شرخًا اجتماعيًا لا يمكن علاجه مهما كان.

ولكن ما الذي يجب على السعودية فعله؟

فقد كان على السعودية أن تحتضن الجنوبيين، الحلفاء الذين أثبتت الحرب صدقهم وجديتهم في التصدي للمشروع الإيراني، وبعثت لهم وعودًا حقيقية، تؤكد صدق تصريحات الساسة السعوديين، لكن الرياض فاجأت الجميع بتنصيب الجنرال علي محسن الأحمر نائبًا للقائد الأعلى لقوات الجيش ثم نائبًا للرئيس، وتطيح بخالد بحاح، عقب حملة إعلامية تبنتها جماعة الإخوان.

لم تكف الرياض عن دعم الأحمر الذي صوره الإعلام على أنه الرجل القوي القادر على هزيمة الانقلابيين في الشمال، لكنها ساهمت في دعم ميليشيات عسكرية يؤكد مسؤولون في عدن أنها لا تخضع لقيادة المنطقة العسكرية الرابعة.

لا تزال السعودية تعتقد أن الأحمر هو الحليف التاريخي لها، الذي من الممكن أن يحقق انتصارات ضد قوات الانقلابيين، لكن الأحمر فشل في إحراز أي تقدم في جبهة نهم شرق صنعاء ولا تزال بلدة صرواح بمأرب بيد الحوثيين وقوات المخلوع منذ أكثر من عامين.

لكن ترى ما هو موقف السعودية من قضية الجنوب؟

لا يبدو أن الرياض قد وصلت إلى قناعة بأن في مصلحتها دعم إقامة الدولة الجنوبية، وهي تخشى أن يصبح اليمن الشمالي دولة فقيرة تكون عبئًا على الرياض، وهو ما لا تتمناه. وتعتقد السعودية أن بقاء اليمن موحدًا، هو بقاء نصيب الأسد من ثروات الجنوب للشمال.

هذا التوجه السعودي كشف عنه السياسي السعودي عبد الله الفوزان، الذي أكد في مقالة نشرتها صحيفة «الرياض» الرسمية الأولى في المملكة.

قال الفوزان بصريح العبارة «ليس في مصلحتنا إقامة دولة جنوبية»، وهو خطاب فيه نبرة انقلاب على حلفاء الرياض من الجنوبيين.

ونعت الفوزان الجنوبيين بالانفصاليين مع أنه اعترف بأنهم يسعون لاستعادة دولتهم السابقة «اليمن الجنوبية».

وهاجم الفوزان المقاومة الجنوبية التي قاتلت تحت راية علم اليمن الجنوبي بالقول «هم موجودون منذ بدأت عاصفة الحزم وأفعالهم وأقوالهم تكشف نواياهم ونوايا من يدعمهم».

ويبدو أن الفوزان قدم خدمة مجانية للجنوبيين عندما كشف عن توجه المملكة وموقفها من قضية الجنوب، مع أن الكثير من ساسة الرياض أكدوا على موقفهم الداعم لقضية الجنوب.

وقال الفوزان «من مصلحتنا أن تبقى اليمن موحدة، وأن تبقى مصادر الثروة في (الجنوب) لليمنيين كلهم».

ويبدو أن على قادة الجنوب مخاطبة السعودية ومعرفة موقفها من قضية الجنوب، خاصة في ظل الانتصارات التي يحققها الانفصاليون الجنوبيون ضد الموالين لإيران في الساحل الغربي لليمن.

هل يا ترى هذا هو موقف المملكة العلني بحكم أنه منشور في صحيفة الرياض الرسمية، أم أنه مجرد رأي فقط لكاتب لا يعرف شيئًا عن اليمن إلا ما يقوله ويردده قادة الإخوان في الرياض وغيرها.

الخطأ الذي قد يكلف الرياض كثيرًا هو محاولتها دعم أي قوى مناهضة لتطلعات الجنوبيين، الأمر الذي قد يؤجج الصراع في المنطقة وقد تدخل الكثير من الأطراف الدولية، فالجنوب موقع استراتيجي مهم، وإذا أصرت الرياض على البحث عن حليف شمالي، فيه من الخطأ الكارثي على مستقبل المنطقة برمتها.

ما كتبه الفوزان يؤكد أن السعودية أرادت إيصال أكثر من رسالة عبر صحيفة الرياض، وربما هي رسالة تطمين للقوات الشمالية، خاصة وأن هناك معلومات تؤكد تقديم قادة القوات الحكومية في مأرب اشتراطات بعدم القتال ضد الحوثيين وقوات المخلوع صالح، ما لم تطمئن على نصيبها من نفط شبوة وحضرموت وميناء عدن.

ويمكن أن تكون محاولة لدحض مزاعم صالح بأن التحالف العربي أتى لدعم استقلال الجنوب، لكن في كل الأحوال السعودية لا تزال ممسكة بطرف يكن العداء للجنوب، ومستعد هذا الحليف للتحالف مع الحوثيين وصالح في حالة فشل في الحصول على نصيبه من كعكة الجنوب.

فالجنوبيون لم يقاتلوا دفاعًا عن هادي فقط، بل كان دفاعهم عن وطنهم، ضد عدو خارجي يريد إعادة احتلال بلادهم مرة خرى، لكن عقب تحرير بلادهم ذهبت القوات الجنوبية نحو مدن شمالية، لاستكمال معركة التحرير، لكنها لا تزال تتمسك باستقلال الجنوب، وترى أن قتالها في الشمال هو دفاع عن الوطن العربي الكبير وانتصار للتحالف العربي الذي أتى لإنقاذ المنطقة من براثن إيران.

أما إذا كانت السعودية تصر على إجبار الجنوبيين على الوحدة، التي تعرضت بلادهم بسببها لعدوان شمالي متكرر، فهذا سوف يولد المزيد من الأحقاد وقد يدفع المنطقة كلها نحو عدم الاستقرار، والرياض ليس بوسعها استقبال المزيد من اليمنيين الفارين من الجوع والحروب على أراضيها، خاصة وأن هناك من يؤكد بأن السعودية قد ضاقت ذرعًا باليمنيين المتواجدين في أراضيها، حاليًا.

أرى أنه من المستحيل أن يقبل الجنوبيون بقاء وضع بلادهم هكذا، والحلول الترقيعية لن تجدي نفعًا، فالدعم المالي ليس كافيًا أن تستقر الأوضاع في اليمن والجنوب، ما لم يكن هناك حلول جذرية تعيد الاعتبار للجنوب الذي ظلم وقتل وسحل أهله ونهبت مقدرات بلادهم من قبل قوى الشمال المتطرفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد