لطالما استُخدم مصطلح «بيضةُ القبان» في السياسة، للإشارة إلى الدولة صاحبة القوة المؤثرة، التي تُسند إليها عملية إدارة التوازنات السياسية في منطقة أو إقليم ما، وذلك نظرًا للدور المؤثّر الذي تضطلع به هذه القوة ذات النفوذ على كافة القوى الأخرى في منطقة التوازنات المعنية. وبحثًا عن بيضة القبان تلك، تضج الساحة السياسية اليوم في البحث عن حل للأزمة الخليجية الراهنة، والمتمثلة في المقاطعة والحصار الشامل الذي تفرضه المملكة العربية السعودية ومن خلفها بعض الدول العربية والإفريقية على دولة قطر، هذه الأزمة التي حدثت بعد زيارة دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى السعودية. حيث تعد هذه الأزمة الخليجية الراهنة هي الأخطر على الساحة السياسية الإقليمية والدولية الآن، وذلك نظرًا لكثير من الاعتبارات الاستراتيجية والجيو-سياسية، مهددة بذلك المنطقة بالتصعيد الذي سيكلفها الكثير، والذي أقله – إن لم ينتهِ بتحرك عسكري – تفكك مجلس دول التعاون الخليجي.

يعلم المشتغلون بالسياسة قبل غيرهم، أن المملكة العربية السعودية – وما تمثله بعمقها التاريخي والجغرافي والحضاري – لطالما لعبت دور بيضة القبان على الصعيد السياسي وكانت بيضة القبان الإسلامي والعربي والإقليمي. واستطاعت من خلال هذا الدور حسم قضايا كانت تعد تحديات كبيرة على المستوى الدولي والإقليمي. وذلك لاعتبارات عديدة أهمها؛ احتواؤها على الأماكن المقدسة (مكة المكرمة والمدينة المنورة) ومن ثم الموقع الجغرافي المتوسط والقوة الاقتصادية التي تمثلها، الأمر الذي منحها ذلك النفوذ السياسي والقوة الناعمة التي أهّلتها للعب دور بيضة القبان تلك. ويستحضر هذا الطرح بلا شك مقولة أبي بكر الصديق الشهيرة: «إن العرب لا تخضع إلا لهذا الحي من قريش»، والذي عبّر بكل احترافية سياسية، رغم حساسية ودقة الظرف بعد وفاة الرسول (ص)، عن الوعي الاستراتيجي الدقيق الذي امتلكه أبو بكر وأهله لإدراك نقاط القوة التي تتميز بها قريش (الحاكمة للبيت الحرام وصاحبة التجارة بين الشام واليمن)، هذه النقاط الحيوية التي يمكن أن تضمن قيام دولة موحدة للمسلمين تخضع لها سائر القبائل العربية. ولا يأتي هذا الاستدعاء التاريخي من قبيل الترف الفكري، وإنما هو المحور الذي يدور حوله فهمنا لطبيعة هذا الدور المؤثر، ومفاصله من القوة والتأثير الذي تمتعت به بلاد الحجاز (السعودية)، ومدى الخطورة الكامنة – والتي تتجلى تاريخيًا – في غيابه أو حرفه عن مساره الصحيح أو حتى تصدعه، لما له من تأثير استراتيجي على الخارطة السياسية للمنطقة على مستوى الأمة الإسلامية والعربية والعالم السياسي ككل، وهو ما يعيه خصوم الأمة والقوى العالمية أكثر من أبنائها.

كانت أولى تجارب بيضة القبان تلك في العصر الحديث، مع بدايات القرن العشرين، وذلك عندما ثار الحجاز مدفوعًا من بريطانيا بقيادة الشريف حسين وقام بثورة ضد الدولة العثمانية (الخلافة الإسلامية) عرفت بالثورة العربية. وأدت بنتيجتها – بعد أن عجزت إمبراطوريات أوروبا الاستعمارية – إلى الإطاحة بالدولة العثمانية التي أرقتها لأكثر من ستة قرون. إن هذه السابقة التي اجترحتها بلاد الحجاز حين تحولت عن البعد الأممي الإسلامي، الذي لطالما كانت محور بنائه وقوته، إلى البعد القومي العربي، ساهمت من خلالها في كتابة نهاية الخلافة الإسلامية وبزوغ نجم الدولة القومية الحديثة التي سعى الغرب لفرض مفهومها على الأمة. الأمر الذي كان له الأثر البالغ في نفسية جموع الشعوب الإسلامية والعربية، والتي لم تندمل جراحها حتى اليوم في نفوس البعض منهم (من الأتراك والإسلاميين على وجه الخصوص)، وبذلك تكون بيضة القبان الإسلامي التي أسست نظام الخلافة كنظام سياسي ند للإمبراطوريات القديمة، هي ذاتها التي أسهمت في القضاء على هذا النظام وإعادة تشكيل الخارطة السياسية للأمة والمنطقة ولكن في عالم الدولة القومية هذه المرة انصياعًا للدول الاستعمارية. الأمر الذي ألقى بظلاله بشكل سلبي كبير على دور الحجاز وأدى إلى اختلال الثقل السياسي لبيضة القبان وأفقدها الكثير من القدرة على إدارة التوازنات الإسلامية الأوسع، وتحجيم دورها في نطاق المنطقة العربية والإقليم وبعض الدول الإسلامية الحليفة فقط.

حدث بعد ذلك، وفي المواجهة الأولى والأهم للأمة العربية مع الكيان الصهيوني (حرب عام 1973)، بعد إلغاء الوصاية البريطانية على الخليج العربي، أن كان للسعودية الثقل الأهم في إدارة التوازنات في تلك الحرب. فعلى الرغم من أن المملكة لم تكن طرفًا عسكريًا مباشرًا في تلك الحرب مثل سوريا ومصر، إلا أن الموقف الذي اتخذه الملك فيصل بن عبد العزيز في موضوع إيقاف إمداد النفط، كان الموقف السياسي الأهم في تلك الحرب. لم يمثل النفط حينها بحد ذاته الخطر الحقيقي، على الرغم من أهميته العالية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا على وجه الخصوص، إلا أن مثل ذلك التحرك السياسي بالاستناد إلى القاعدة القيميّة التي حاول الملك فيصل إعادة إحيائها في نصرة أبناء الأمة ولعب دور محوري في إعادة توجيه دفة التحرك السياسي الحر للأمة نحو نهضة إسلامية صرخ بها مناديًا ومتخطيًا حدود التقسيم واتفاقية (سايكس – بيكو)، أعادت إلى أذهان الغرب دور بيضة القبان. هذا الفعل السياسي المؤسس للملكة هدد بشكل مباشر مصالح الدول العظمى وعلى رأسها الكيان الصهيوني، التي بذلت الغالي والرخيص طيلة الفترة الماضية لمنع أي فكر وحدوي في ظل الواقع المفتت، ومنع أي دور قيادي مؤثر حر دون هيمنتها. لأجل ذلك دفع الملك فيصل حياته ثمنًا لذلك الموقف، على الرغم من أن مَن قاموا بالحرب وهددوا أمن إسرائيل المباشر (الخط الأحمر الأهم للغرب) في سوريا ومصر لم يمسسهم سوء.

لاحقًا، في عام 1989م، كان الموقف الاستراتيجي اللاحق هو ما عرف بـ(اتفاق الطائف)، الذي توسطت فيه وأدارته المملكة السعودية، لإنهاء الحرب الأهلية التي طحنت لبنان لأكثر من 15 سنة. ورغم الدور الإيجابي الظاهر الذي قام به هذا الاتفاق لحقن الدماء، إلا أنه كان الفعل المؤسس لهدم (نظام الدولة القومية) وإقامة أول (نظام شبه دولة) بصفة رسمية ومباركة دولية. وذلك من خلال نظام المحاصصة الطائفية المبتدع، والذي أدى إلى التقسيم الوظيفي للنظام السياسي للدولة على أساس طائفي، أفقد الدولة معنى الوطنية لصالح الطائفية. وما كان لهذا الأمر أن يتحقق لولا ثقل بيضة القبان (السعودية) في ميزان السياسة الإقليمية والدولية. لتعود الحجاز من جديد للإسهام في إعادة تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة لكن هذه المرة في عالم أشباه الدول. الأمر الذي سيكون له الأثر الكبير في السنوات التالية لإتاحة الفرصة لتفتيت أكبر لجسم الأمة الإسلامية والعربية المفتت أساسًا، تحت ضغط أحجار رحى (نظرية صدام الحضارات) الجديدة (1989م) التي تطورت عن مبدأ (فرق تسد) إبان اتفاقية (سايكس بيكو)، لتطحن جسد الأمة وتمزق أشلاءها من جهة، ودور الأنظمة العربية التي باعت نفسها للدول العظمى حفاظًا على عروشها، لتملي عليها ما تشاء وتحوله هي دون سواها من أفكار تدور في أروقة السياسة والغرف السوداء إلى حقيقة على أرض الواقع. وهو ما حدث بالفعل في العراق لاحقًا، تمامًا كما حدث في لبنان وإن اختلف السيناريو قليلًا.

بعد حرب الخليج الثانية (1991م)، قبلت السعودية بدخول القوات الأمريكية، التي لم تغادرها منذ ذلك التاريخ، حيث أسس هذا الفعل لبناء قواعد عسكرية أمريكية في معظم دول المنطقة أيضًا، وأصبح القرار السعودي بذلك، ومن خلفه الدول الخليجية عمومًا، قرارًا مخترقًا ومرتهنًا بصورة شبه تامة للولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة التواجد المباشر للقوات العسكرية وحضور مجموعات الضغط الأمريكية في مفاصل السياسة السعودية. وهو ما مرر القرار الأمريكي لبسط السيطرة الإيرانية على العراق، والذي ما كان ليتحقق يومًا لولا الاختراق الذي حدث للقرار السعودي. حيث تم بناء العراق على أساس المحاصصة الطائفية التي ابتدعت في الطائف سابقًا، وتحويل العراق إلى شبه دولة طائفية عرقية أخرى ترتقب على صفيح ناري لحظة التفتيت والتقسيم على أساس الدين والدم. أما السعودية فإن عملية الاختراق التي حدثت لها من قبل الولايات المتحدة، لم تمر دون إحداث شرخ إضافي في صورة المملكة لدى دول المنطقة والأمة والشعوب الإسلامية التي تتزعمها المملكة، وبدأت تلك الدول لا تخضع شيئًا فشيئًا للتوازنات التي تحاول المملكة إدارتها إلا في نطاق محدود من المجاملات السياسية والمصالح الاقتصادية، حتى بات ثقل السعودية ودور بيضة القبان متمركزًا ومحصورًا في دول مجلس التعاون الخليجي فحسب، الذي تأسس قبل ذلك بعشرة أعوام فقط (1981م).

ولم تكد تنتهي القصة هنا، حتى جاء الربيع العربي بنسائمه التحررية التي تحولت إلى أعاصير مدمرة، ضربت رياحها في معظم الوطن العربي والإسلامي، عرفت الدول العظمى ومنها إسرائيل كيفية استغلال هذه الرياح في الإجهاز على ما تبقى من أنظمة الدول العربية وإرغامها على التفتت أو التحول إلى أشباه دول أو دول فاشلة. وبالطبع لم تستطع أن تبقى السعودية بمعزل عن هذه الأحداث مهما حاولت كما في البداية، حتى انخرطت في دوامة تلك الأعاصير والتي كانت منذ هبوبها هدفًا لها بكل تأكيد. وقد تنبه الملك عبد الله بن عبد العزيز لخطورة الموقف، وحاول عمل حصن حول آخر الكيانات العربية الملتحمة (مجلس دول التعاون الخليجي) من خلال مشروع (العملة الخليجية الموحدة) و(الاتحاد الخليجي الكونفيدرالي) بدلًا من (مجلس التعاون الخليجي)، لكنه تم وأد هذه الأفكار والإجهاز على ذلك المشروع من خلال الاختراق الذي تعانيه السعودية أساسًا وأدى إلى وجود خلل في علمية الطرح ذاتها، بالإضافة إلى وجود اختراقات حاسمة على مستوى زعماء بعض الدول المشاركة في هذا المجلس والتي اعترضت المشروع وعطّلته، والتي لم تظهر للعلن وتتكشف حقيقتها إلا بعد مدة زمنية حين تغيرت رياح السياسة في نظام المملكة مع وفاة الملك عبد الله.

لقد وافق تغير الرياح السياسية في السعودية بعد فترة وجيزة تغير الرياح السياسية في الولايات المتحدة أيضًا، وكما هو شأن الكتل الهوائية المختلفة الحرارة والضغط حين تلتقي تتحول إلى أعاصير، تحول التقاء رياح السياسة المتغيرة بين السعودية وأمريكا إلى إعصار خطير بدأ أول ما بدأ بمحاسبة تلك الخطوة التي قام بها الملك عبد الله نحو مشروع الاتحاد الخليجي، وذلك بالسعي والسير نحو الإجهاز على ما تبقى من وحدة العرب وتفتيت (مجلس دول التعاون الخليجي). لا شك أن الأزمة الخليجية الراهنة بحصار قطر، ألقت بحمل ثقيل على قطر، لكن الاتزان السياسي والشعبي وعناصر القوة التي حاولت قطر بناءها من خلال الارتباط بشبكة علاقات دولية مميزة مع أغلب القوى المؤثرة في المنطقة والعالم وبخاصة مع المؤسسات الاستراتيجية منها، جعل موقف قطر أفضل بكثير من موقف الدول التي قامت بحملة المقاطعة والحصار وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، والتي خسرت الكثير من حلفائها الدوليين الاستراتيجيين ومؤيديها من الشعوب، نتيجة ما انطوت عليه حملتها ضد قطر من سابقة في العلاقات الدولية من خلال اتخاذ قرارات تخطت كل الأعراف والحدود الدبلوماسية، وقضت بتطبيق حصار شامل (برًا وجوًا وبحرًا) من دول شقيقة على دولة قطر بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار، وكأنها إعلان لحالة حرب ضد دولة ذات عداء تاريخي، متخطية هذه الحملة بإجراءاتها وقراراتها كافة أعراف المواضعة السياسية والعلاقات الدولية، فضلًا عن حقوق الإنسان وحق الجوار والدم والرحم وحتى الدين. ولا أدل على ذلك من حملة الضغوطات السياسية والاقتصادية التي مارستها السعودية على دول هامشية وأشباه دول في المنطقة العربية والإفريقية للدخول في هذه المقاطعة والحصار، وذلك عندما خسرت من حساباتها القوى المؤثرة دوليًا، بالإضافة إلى قرارات تكميم الأفواه ومحاسبة المتعاطفين مع قطر من الشعوب عندما خسرت زخم التأييد الشعبي العربي والإسلامي والخليجي بالدرجة الأولى، الذي حازته خاصة بعد عاصفة الحزم في اليمن.

نصل عند هذه الأزمة الخليجية إلى الحلقة النهائية وخط الدفاع الأخير الذي كانت تتحصن به بيضة القبان (السعودية)، حيث أدت هذه الأزمة، والتي لم يُراعَ فيها أواصر الأخوة الوشيجة كشعب عربي خليجي يتداخل فيما بينه بعلاقات قربى ورحم ودم ودين، متخذة من شهر رمضان ذي البعد الروحي الكبير لمعاني الرحمة وصلة الرحم موعدًا أقل ما يقال عنه إنه كارثيٌّ فيما لو افترضنا الصدفة فيه، وقاتلٌ فيما لو كان هناك أي احتمال للتقصد في اختياره، لتكتمل بذلك منظومة القرارات الخاطئة التي كبدت المملكة خسارة آخر مواطن التأثير والقوة الناعمة التي كانت تمتلكها، مدمرة بذلك حتى ذلك الوجود التنسيقي لمجلس التعاون من ناحية سياسية، وممزقة حبال الارتباط والصلة التي كانت تشد بها الشعوب الخليجية، والتي طالت حتى الشعب السعودي الذي انقسم على نفسه بين مؤيد ومعارض لهذا الحصار، وبخاصة بعد القرارات التي صدرت لتكميم الأفواه ومنع حتى التعاطف مع قطر وطرد المعتمرين القطريين من مكة المكرمة، وأيضًا لما كان من ممارسات لا يمكن للثقافة الإسلامية ولا العربية الخليجية أن تتقبل قسوتها وجفاءها وتمردها على قيم المروءة وصلة الرحم وحتى العصبية القبلية، فضلًا عن المنطق والعقل الذي غاب كليًا عن تلك القرارات وعن طريقة إدارة الأزمة من الجانب السعودي على وجه الخصوص. وهو الأمر الذي لربما حمل مع الأيام من التصعيد الداخلي على المستوى السعودي ما لا تحمد عقباه من نتائج، والتي لن تجد عربيًا ومسلمًا مخلصًا واحدًا يتمناها للمملكة لعلمه بخطورة أيّ تصدّع تتعرض له المملكة على المنطقة والأمة بأسرها.

إن الاختراق للقرار السياسي السعودي الذي أشرنا إليه سابقًا، هو بلا شك من دفع المملكة مغررًا بسياسييها لاتخاذ كل تلك القرارات غير المنطقية وغير المبررة حتى لو صحت الاتهامات لقطر، لأنه يعي حقيقة أنه بذلك إنما يدق المسمار الأخير في نعش بيضة القبان تلك، والتي لطالما كانت قوة اتزان للمنطقة والأمة بأسرها، دافعًا المملكة قسرًا نحو بوتقة المشروع التقسيمي الطائفي والعرقي للمنطقة، والذي ساهمت بيضة القبان – كما رأينا – بكل أسف في تأسيسه، وذلك بعد ما خسرته المملكة من تأييد وحلفاء والكشف عن علاقات متطورة وليست جديدة بالكيان الصهيوني. ولعل أخطر هذه القرارات حاليًا، هو تلك التي طالت الحجر على بيت الله الحرام ومنع المسلمين من أداء مناسك العمرة والحج لأسباب سياسية بحتة تتعلق بالانتساب لهذه الجنسية أو تلك، الأمر الذي يعطي دفعًا أكبر لمشروع تدويل السلطة على الحرمين (المكي والمدني) وإخضاعهما لحكم دولي. ذلك المشروع الذي ترفعه إيران كورقة ضغط على السعودية كلما لاحت لها الرياح المناسبة، والذي لم يلق يومًا أي تأييد إسلامي له سواء على المستوى الدولي أو الشعبي. لكن اليوم فقد أدى الحال في هذه الأزمة ببعض من كان يعارض هذا الطرح من شعوب الخليج والأمة الإسلامية إلى أن يصبح جزءًا من الحملة لهذا المشروع دون أن يعي، مدفوعًا بتلك الممارسات والقرارات السياسية غير الرشيدة والتي خلت من أي وازع أخلاقي أو قبول منطقي.

وبذلك تكون المملكة العربية السعودية قد خسرت كل شيء وأدخلت نفسها، ساحبة معها الدول الخليجية، إلى بوتقة التقسيم الطائفي والعرقي الذي تغلي فيه دول المنطقة بعدما كانت بمنأى عنه. وبالتالي تكون بيضة القبان الإسلامي والعربي قد تعرضت للتصدع والتفتت في حال تحقق ذلك المشروع الذي يحمل هذه المرة اسم (مشروع الفاتيكان الإسلامي)؛ الذي يهدف إلى تقسيم السعودية ومن خلفها الدول الخليجية إلى دول طائفية عرقية، وعزل الأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة وتدويل السلطة على هذه الأماكن، من خلال تحويل مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى دولة دينية محدودة (كما هو الحال في دولة الفاتيكان) تحت وصاية دولية، وبالتالي نزع تلك القوة الروحية الكبيرة التي تتمتع بها هذه الأماكن المقدسة من سيطرة أي دولة إسلامية لما لها من تأثير ونفوذ على العالم الإسلامي والعربي برمته. هذا الطرح الذي بات قابلًا للنقاش في ضوء هذه الأزمة الأخيرة بين المسلمين والعرب وحتى الخليجيين أنفسهم فضلًا عن الساحة الدولية، وهو ما يكشف ويفسر بشكل منطقي كل تلك القرارات والممارسات غير المعهودة وغير المنطقية التي اعترت الأزمة الخليجية، ليظهر بذلك أن المستهدف الحقيقي بهذه الأزمة المفتعلة، رغم وجود أسباب سياسية أخرى كثيرة، ليست قطر بالدرجة الأولى، وإنما المملكة العربية السعودية، والتي يريد بها من دفعها إلى تلك القرارات أن تُختزل من بيضة القبان الإسلامي إلى فاتيكان الإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد