يعمل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (32 عامًا)، والذي بات ينظر إليه على أنه الحاكم الفعلي ولو من خلف الستار على توسيع نفوذه في المملكة قبل أن يتوج في المستقبل ملكًا خلفًا لوالده الملك سلمان بن عبد العزيز، وذلك من خلال تعزيز نفوذه وسلطته في السياسة والاقتصاد والأمن عبر إجراءات شاملة وعديدة تهدف للتصدي لأي معارضة محتملة وتعمل على استقطاب الجيل الشاب إلى حلقة طموحاته.

هذا وقد عمل ولي العهد السعودي على إحداث تغييرات ملموسة في السياسة السعودية داخليًا وخارجيًا ساعدته على بسط نفوذه سياسيًا، أبرزها إصداره الرؤية الاقتصادية للمملكة (2030)، بحيث يبدو أن هذه الرؤية (أو هكذا يفترض أن تكون) هي المشروع وخطة العمل أو البرنامج الأساسي لولي العهد السعودي، والتي تكشف عن توجه رأسمالي عام من أجل التنوع الاقتصادي لموارد المملكة والعمل على وقف الارتهان للنفط وتطوير القدرات الصناعية وتعزيز الاستثمارات الخارجية فيها، وحتى وصولًا إلى خصخصة أجزاء من شركة النفط العملاقة (أرامكو) وطرح جزء من أسهمها في السوق المالية، وذلك كله بهدف خلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص للجيل الشاب وزيادة الوعي لدى الناس وبناء مجتمع أكثر تحضرًا.

وقد رافق هذه الرؤية اتخاذ إجراءات لتخفيف العجز المالي في المملكة مثل رفع رسوم العديد من السلع والمشتقات النفطية والخدمات، بالإضافة إلى الحد من مخصصات بعض الأمراء، مما أجبر السعوديين المدللين على شد الأحزمة كما وأغضب بعض الشيوخ ورجال الدين، وهذا كله كي تكون المملكة بلدًا ناجحًا ورائدًا في العالم على كافة الأصعدة، إلا أن النمو الاقتصادي البطيء والبطالة قد تقوض هذه الرؤية، بالإضافة إلى تحديات كبيرة وهيكلية أبرزها الاعتماد المستمر حتى الآن على النفط، حيث لا توجد إشارات واضحة على التخلص من هذه الاعتمادية، لكن نتائج هذا الوضع لن تظهر سريعًا، كما أن الأصول والوفرة المالية المتاحة للمملكة كبيرة وبإمكانها تغطية الاقتصاد لعدة سنوات قادمة.

ويبدو أن هذه الرؤية الواعدة تحمل في طياتها إصلاحًا وتطويرًا لبعض القطاعات الأخرى مثل دعم دور الشباب في المجتمع وإحداث تغييرات جذرية في المؤسسات الدينية مثل هيئة كبار العلماء والحد من صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك للتقليل من سطوة رجال الدين والحد من وزنهم النسبي في السياسة وتركيبة الحكم، بالإضافة إلى التخفيف من الطابع الديني وحصر ارتباط اسم المملكة بالدين فقط، إذ ستتجه الأمور إلى درجة أعلى من التخفيف على القيود الدينية والاجتماعية والعمل على التركيز على الهوية الوطنية للمملكة كدولة وطنية وليس دينية حصرًا، وذلك من خلال الاهتمام بالنواحي الدنيوية مثل الاقتصاد والتكنولوجيا والرياضة والفن.

لكن يبقى السؤال هل يمكن النجاح في تطبيق هذه الخطة وتنفيذ كل الأفكار المحددة في المواعيد المسطرة أم أن الأمر مجرد مشاريع للاستهلاك الإعلامي ستغيب مع الوقت عن بال الناس وتسحب من التداول؟ خصوصًا وأن التقارير الإعلامية تفيد أن المملكة السعودية تعيد النظر في إستراتيجية إصلاحاتها وذلك بعد مرور أكثر من عام على إطلاقها، حيث قامت بإلغاء بعض الأهداف ومدت الجدول الزمني لأهداف أخرى، كما أن الحكومة بصدد تعديل موعد تطبيق بعض المبادرات وإضافة مبادرات جديدة (مشروع نيوم)، وتغيير الجداول الزمنية بشكل مستمر يسلط الضوء على حجم التحديات الكامنة في هذه المهمة الكبيرة، كما ويعد اعترافًا بأن كثيرًا من تلك الأهداف كانت مغامرة أكثر مما ينبغي، على أن هذه التغيرات كلها ليست الهدف الأساس بحسب الخبراء في الشأن السعودي، بل إن هذه التغييرات تهدف بالغالب إلى مغازلة صناع القرار في العالم الغربي وحمل رسائل إلى الخارج أكثر منها إلى الداخل، ويؤكد ذلك تصريحات الشيخ عبد الرحمن السديس قبل فترة التي غازل فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو موقف غير مسبوق من جانب أحد أهم رجال الدين في المملكة.

هذه التغييرات الداخلية والخارجية غير المسبوقة في المملكة فتحت الباب أمام تساؤلات عن وجهة الحكم والرؤية السعودية مستقبلًا، وهل هي إصلاحية حقًا أم لإقامة نظام قمعي أحادي السلطة؟ حيث إن الأخبار الآتية من السعودية تؤكد أن المملكة ما زالت مصممة على أن تظل زنزانة لمن يريدون ممارسة حرية التعبير، وذلك بسبب استمرار حملة القمع والاعتقالات الواسعة ضد عدد كبير من الشخصيات المعروفة من الدعاة والناشطين والصحافيين والكتاب المؤثرين الذين يتمتعون بشعبية واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأبرزهم سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري وغيرهم، والذين تم اعتقالهم وسجنهم تحت ذريعة (جهات أجنبية تحاول المس بأمن المملكة ومصالحها وأسلوبها وقدراتها وأمنها العام من أجل نشر الفرقة والخصام في داخل الوحدة الوطنية)، هذا وقد ألمح بعض المسؤولين السعوديين إلى أن هذه الاعتقالات مرتبطة بمؤامرة أجنبية تقف وراءها جماعة الإخوان المسلمين، بحيث وصف أحد المعلقين هذه الاعتقالات بأنها (حملة تطهير لمؤسسات الدولة)، وذلك على الرغم من أن الكثير ممن اعتقلوا ليسوا في الحقيقة عملاء أجانب يقومون بالتآمر، بل هم مواطنون سعوديون معروفون بآرائهم القوية، لكنهم كسروا المحظورات وانتقدوا سياسات الحكومة ودعوا لمجتمع أكثر حرية وديمقراطية وأكثر علمانية (ليبرالي)، كما أنهم التزموا الصمت في الفترة الماضية أو لم يعلنوا عن مواقف (صريحة) داعمة وعلنية لسياسات الحكومة لحصار دولة قطر، حيث إن الذين أوقفوا وألقي بهم في السجون ربما لم يقترفوا من الذنب سوى أنهم لم يتكلموا بصوت مرتفع بما فيه الكفاية دعمًا للسياسات السعودية الرسمية، وهو ما أثار انتقادات واسعة ومنددة داخليًا (على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي)، وخارجيًا بحيث اعتبرته منظمات حقوقية دولية حملة منسقة (ضد حرية التعبير)، مضيفة إلى أن الملاحقة والتضييق والتهديد والتعذيب والإخفاء القسري وتشويه السمعة والتسريح من العمل وعرقلة حرية التنقل بحق الناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان تستهدف التغطية على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وواصفةً هذه الاعتقالات بأنها الأكبر في تاريخ المملكة خلال وقت قصير منذ سنوات.

فسلطات الرياض مصممة على ما يبدو أن تبقى ذات نهج سلطوي وتقمع كل من تسول له نفسه ممارسة الحق في التعبير الحر عن الرأي، وليس إلى التوجه نحو المجتمع الحديث الذي وعد به ولي العهد الجديد محمد بن سلمان، فحرية التعبير مقيدة ولم يظهر أي اهتمام لتغيير هذا الوضع، والأحزاب السياسية ما زالت ممنوعة في السعودية، بالإضافة إلى عدم الاكتراث بالوضع الإنساني وحقوق العمالة الخارجية، أو بتحسين الأوضاع المعيشية، أو بتشذيب القوانين السعودية الفضفاضة والخلل القانوني الذي يشوب السلطة القضائية السعودية، وعلى أن (الشريعة الإسلامية) ليست مصدرًا للقانون السعودي بقدر ما هي سيف مقدس تسلطه الحكومة على رقاب من لا تحب، حتى أصبحت السلطات لا تطلب من الناس فقط أن يصمتوا وألا يقولوا ما هم مقتنعون به، بل تطالبهم بأن يقولوا ما ينسجم مع رغبات وتطلعات السلطة فقط، حيث أكدت صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكية في تقرير حديث، أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لا يختلف كثيرًا عن الجيل السابق من الحكام أصحاب النهج السلطوي، معتبرة أن السعودية ما زالت (زنزانة لكل من تسول له نفسه ممارسة التعبير الحر عن الرأي).

السعودية وحكامها ومؤسستها الدينية المحافظة ما زالوا يعيشون في القرون الماضية، والحكم في المملكة يشهد اتجاهًا واضحًا نحو السلطوية في التعامل مع المعارضين أو مع القضايا الداخلية الشائكة، وأنها لن تتخلى عن سياستها المعتمدة على قواعد توارث الحكم وتركيز السلطة في أيدي قلة وسيطرة أجهزة الأمن وكل ذلك تحت ظل المرجعيات الدينية، لهذا نقول إن على المملكة أن تعيد التفكير في حساباتها، كما نتمنى لها التحرر والتقدم والتخلص من سطوة رجال السياسة والدين، فهذا البلد الذي يضم أقدس مقدساتنا لا نتمنى له سوى الخير ونسأل الله أن يهدي القائمين عليه ويتنبهوا أن سياسة القهر والظلم لا تؤدي إلا للخراب، وأن خطط الإصلاح لبناء مجتمع حديث وصحي أمر صعب، وكما أنها تحتاج لامتلاك جيش من الموارد البشرية التي هي الأساس لتطوير أي شيء في البلد، فإنها تحتاج أيضًا إلى ضمان أبسط حقوق الإنسان بما في ذلك حرية التعبير لمن تختلف معهم، بالإضافة إلى أنه يجب فتح باب الحرية للوصول إلى الإبداع وإظهار القدرات الفردية للإنسان، لأنه في ظل الإطباق التام على أنفاس الناس لا يمكن الحديث عن تطويرٍ خاصة أن لا إبداع في ظل الخوف من الاعتقال أو السجن أو الإعدام لأتفه الأسباب، لذلك يجب على القيادة التخلي عن الأساليب البوليسية في التعاطي مع الناس لأنها تطيح بالثقة بين المواطن والسلطة بما ينعكس سلبًا على أي مشروع عام أو خطة وطنية كرؤية (2030).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد