غزا في الآونة الأخيرة اسم المملكة العربية السعودية القنوات الفضائية الإعلامية والإخبارية، والجرائد، والصحف، والمواقع الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعية من المشرق إلى المغرب، فالسعودية تعرف تحولات مختلفة على مستوى الاجتماعي، يُعد جزء كبير منها سابقًا من نوعه، كان آخرها وأهمها رفع الحظر، والسماح للسيدات السعوديات بقيادة السيارات أخيرًا، والسماح بفتح القاعات السينمائية، وإقامة المهرجانات الموسيقية والفنية في البلاد.

هذه التحولات الاجتماعية، رافقتها أيضًا تحولات على المستوى السياسي، فمنذ أن جرت مبايعة سلمان بن عبد العزيز، ملكًا للمملكة العربية السعودية سنة 2015 خلفًا للراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، أخدت الأمور تتغير شيئًا فشيئًا، وقد تبين هذا التغيير الجذري جليًّا مع قدوم وتعيين ابن الملك سلمان وليًّا للعهد، الذي قاد مع أبيه الملك، بعد شهور قليلة من تعيينه، حملة لمكافحة الفساد بالبلاد هي الأكبر والأضخم من نوعها في تاريخ المملكة العربية السعودية، سُجن على إثرها العشرات من الأمراء والوزراء، ورجال الأعمال، والشخصيات ذات النفوذ السياسي والاقتصادي، وإحالتهم إلى اللجنة العليا لمكافحة الفساد، للبت في أمرهم والتحقيق معهم، لكن هذه الحملة ما لبثت أن تبين أن غرضها الأساسي والرئيسي هو ضخ الأموال في خزينة الدولة من طرف أثرياء المملكة، وليس مكافحة الفساد والإصلاح كما ادعى ولي العهد الشاب!

التحولات في السياسة الخارجية لم تكن في منأى عن التحولات الداخلية التي عرفتها المملكة مؤخرًا، فالسعودية أصبحت أكثر انفتاحًا وتعاونًا مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ توج هذا التفاهم بعقد واحد من أكبر صفقات التسليح في العالم بقيمة بلغت 325 مليار دولار أمريكي، في حين صعدت وشددت من لهجتها مع مجموعة من الدول الأخرى، والتي وصل حد بعضها إلى قطع جميع العلاقات وطرد السفراء، كان آخره ضد اتحاد كندا، التي انتقدت تزايد حملات الاعتقال، وطالبت الحكومة السعودية بالتوقف عن سجن المدافعين عن حقوق الانسان وأصحاب الرأي وقمعهم، الشيء الذي لم يرق للمملكة العربية السعودية، وردت عليه بقطع العلاقات مع كندا وطرد السفير الكندي لها بالرياض، وسحب سفيرها بأوتاوا، وإيقاف الرحلات الجوية والبعثات الطلابية، معللة قرارها بأن المملكة العربية السعودية لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وبالتالي لا يحق لأي دولة التدخل في شؤونها الداخلية!

وهذه ليست هي المرة الأولى، وحتمًا لن تكون الأخيرة، التي تهدد فيها المملكة العربية السعودية بقطع العلاقات، وتعليق الصفقات التجارية مع البلدان التي تنتقد مقاربتها الأمنية تجاه نشطاء حقوق الإنسان، ومن هنا تبدأ ازدواجية مواقف المملكة العربية السعودية وتصرفاتها، ففي 21 أبريل (نيسان) سنة 2018 أصدرت الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي حول حقوق الإنسان في العالم، انتقدت فيه وبشدة الإجراءات المجحفة التي تتخذها السعودية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، وطالبت بالإفراج عنهم وإطلاق سراحهم، لكن السعودية التزمت الصمت ولم تبادر للرد عن هذا التقرير، ولم تطرد أو تسحب أي سفير.

وفي سياق آخر، فالمملكة العربية السعودية التي ادعت فيما سبق احترامها وعدم تدخلها في الشؤون الداخلية للدول، هي نفسها من تقود حاليًا تحالفًا عربيًّا- إسلاميًّا عسكريًّا في اليمن، وتحكم قبضتها عليه، ولا يمكن لشيء أي يجري في هذا البلد في البر أو البحر أو الجو إلا بموافقتها وبرخصة منها، وغير بعيد عن اليمن فمنذ أن قررت السعودية قطع جميع علاقتها مع دولة قطر في الخامس من يونيو (حزيران) سنة 2017، اشترطت السعودية على قطر قائمة من المطالب مقابل رجوع العلاقات، كان من بينها وأهمها إغلاق القاعدة التركية على أراضيها، وإلغاء التعاون العسكري معها، وإغلاق وسائل الإعلام التي تدعمها قطر دعمًا مباشرًا أو غير مباشر، من ضمنها شبكة الجزيرة الإعلامية، وقطع علاقتها مع إيران أو تخفيض التمثيل الدبلوماسي ووقف المعاملات التجارية معها، الشيء الذي يظهر التدخل السافر في الشؤون الداخلية لدولة قطر، والمساس بسيادتها الوطنية، ومحاولة فرض إملاءات عليها حول ما يجب أن تفعله أو لا تفعله.

ووقوفًا عند إيران، فلا يخفى علينا جميعًا حجم الخلافات والتوترات التي تعرفها العلاقات الإيرانية السعودية، وفي ظل القطيعة الدبلوماسية الحادة، سمحت السعودية هذا العام للحجاج الإيرانيين بأداء مناسك الحج والتنقل إلى السعودية عبر الخطوط الجوية الإيرانية، والأكثر من هذا سمحت السعودية لإيران بفتح مكتب لها لرعاية مصالح حجاجها، في حين وضعت شروطًا وإجراءات تعرقل حج القطريين.

ازدواجية مواقف المملكة العربية السعودية لن يقف عند هذا الحد فحسب، هذه المرة مع الجمهورية اللبنانية عندما فرضت السعودية على سعد الحريري؛ رئيس الوزراء اللبناني المقيم بأراضيها على تقديم استقالته في خطاب متلفز بثته وسائل إعلام سعودية من العاصمة الرياض، مبررًا قراره بخشيته وخوفه التعرض للاغتيال، إلا أن عودته إلى لبنان ولقائه بالرئيس اللبناني بعد أربعة أيام، جعل سعد الحريري يُعلن عن تراجعه عن الاستقالة التي قدمها، الأمر الذي وضع السعودية مجددًا في موقف محرج، وبين أن الرياض كانت تريد من خلال هاته الخطوة تصريف خلافتها وحربها الكلامية ضد إيران وحزب الله في لبنان.

مثال اليمن، وقطر، وإيران، ولبنان، والولايات المتحدة الأمريكية، كانت من بين المواقف والتصريحات والتصرفات والأفعال العديدة التي جعلت المملكة العربية السعودية تقع في تناقض صريح، وازدواجية كبيرة، وتعبر عن عدم التكامل بين موقفها وفعلها إزاء مجموعة من القضايا الإقليمية والدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد