قبل فترة قصيرة، كنت أعمل على تقرير حول أبرز أحداث العام 2017 في مصر والدول العربية والعالم، ولعل أبرز ما رصدته مواقع الإحصاء أو التقارير التي اهتمت بذات الشأن، هي التحولات الانفتاحية الحاصلة حاليًّا في المملكة العربية السعودية، بدءًا من السماح للمرأة بقيادة السيارة بعد عقود من تكفير هذا الفعل، مرورًا بالانفتاح على إقامة الحفلات الغنائية والموسيقية، وتبدل الفتاوى الوهابية التي «صدّعت» أدمغتنا منذ ثمانينيات القرن الماضي بتكفير كل شيء تقريبًا صغيره وكبيره.

أتذكر وأنا أتابع تلك التحولات التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان، أقارب لي ممن سافروا إلى السعودية من أجل العمل بعد اكتشاف النفط، حيث أضحت الدول الخليجية مقصدًا لآلاف المصريين الراغبين في العمل بأجر مجز، كي يعودوا بعد ذلك بحفنة ريالات لبناء منازل أو شراء شقق سكنية والزواج من بنت الحلال، وتأسيس مشروع تجاري، وهكذا دواليك كما نعلم جميعًا.

الأزمة الحقيقية ليست في طريقة العيش تلك التي ارتضاها البعض لنفسه – وهذا حقهم – ولكن في الزلزال الفكري الذي ضرب غالبية أولئك المصريين إن لم يكونوا جميعهم وإصرارهم على فرض قناعاتهم الجديدة على الغير، فتجد الواحد منهم عائدًا «بزبيبة» صلاة تغطي جبهته، ولحية تتدلى حتى تلامس أعلى صدره، ويرتدي جلبابه الأبيض القصير، زاعمًا أن هذا اقتداء بسنة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.

ليس هذا فحسب، لكن، أولئك المصريون وغالبيتهم من الأرياف والأقاليم، عندما عادوا سواء في إجازاتهم أو عودتهم النهائية بعد عدة سنوات، بدأوا في ممارسة دور «حراس الفضيلة» على أبناء مجتمعهم، فتجد بعضهم ينهر أشقاءه عن التصوير، أي والله التصوير الفوتوغرافي، ويحرم على أقاربه تعليق صورهم التذكارية أو صور موتاهم على جدران المنازل، بحجة أنه يخالف الشرع.

ناهيك عن الفتاوى المجرمة التي تخص الزي الشرعي والنقاب وما إلى ذلك من ألفاظ غريبة على مجتمعنا المصري كالنامصة والمتنمصة في إشارة للنساء اللواتي يزلن شعر الحواجب، حتى وصل الأمر لتكوين جماعات سلفية تتبع ذلك المذهب الوهابي المخترع، تزرع أفكارها المجرمة في عقول النشء والشباب في ظل غياب تام للدولة المصرية، وبات «تغيير المنكر بيدك» عادة وفعلًا طبيعيًا لأولئك الصحويين المصريين من شلة الدعوة السلفية، ولم يعد مستغربًا أن يهاجم أحد هؤلاء امرأة أو فتاة تسير في الشارع دون غطاء على رأسها، فيرشها بمية نار وينعتها بالسافرة والمتبرجة.

بمناسبة مصطلح «الصحويين المصريين»، هذا يعيدنا إلى ثمانينيات القرن الماضي، وهو العقد الذي نشأت فيه الصحوة الإسلامية أو الصحوة السعودية أو صحوة بلاد الحرمين كما يطلق عليها، وهي حركة فكرية اجتماعية إسلامية سلفية نشأت بدعم من مجموعة دعاة إبان حراكهم الدعوي تحت ستار «إيقاظ الناس من غفوتهم»، وكان أبرز هؤلاء الدعاة سلمان العودة وعائض القرني وسفر الحوالي وناصر العمر وسعد البريك وغيرهم.

في رأيي إن ما ارتكبته هذه الصحوة من خطايا في حق السعودية والشعوب الإسلامية كافة، تعادل خطيئة الشيطان التي لن تغتفر، فعندما أسمع الآن فتاوى رجال الدين السعوديين التي تمارس تحايلها وألاعيبها مجددًا على الله وعلى الناس، من خلال تحليل سماع موسيقى الجاز مثلا لأنها موسيقى أمريكية وليست عربية، وكذا حديث البعض عن أن غطاء الوجه ليس من الإسلام، أصاب بالدهشة، ليست دهشة المفاجأة ولكن دهشة تحمل سخرية صامتة، وأتذكر، حينما كنت طالبًا في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، كنت أقيم بمدينة الطلبة، وكان في المدينة مئات الطلاب أصحاب المذهب السلفي، فتجد الواحد منهم، يسمعك وهو مار كحرس الدرك وأنت تستمع إلى الموسيقى، يأتيك بوجهه البشوش وضحكته الصفراء، ويدعوك للتوقف عن سماع «المعازف» ويأتيك بحديث منسوب للنبي عن حرمانية هذا الفعل، ثم تتحول بشاشة وجهه إلى عيون جاحظة مليئة بالوعيد يوم القيامة، لكل من اتبع هواه وسمع الموسيقى فيعذبه الله بصب الرصاص الحار والمذاب في أذنيه أو ذلك الذي شاهد الأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية حيث الاختلاط والفسوق والفجور والزنا.

أضف إلى ذلك من ضلالات الصحويين وجرائمهم في حق الإنسانية، تحريمهم قراءة الكتب التي ليست على هواهم بأنها كتب خرافة وكتب كفار، وكذلك كتب الديانات الأخرى التي يدّعون أنه طالها التحريف والتي تشكك المسلمين في دينهم وتدعوهم للإلحاد والكفر.

هذا كله كوم، والدعوات إلى الجهاد التي دعمتها حكومات السعودية كوم آخر، خاصة إبان عهد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، بحجة محاربة الغزو السوفيتي لأفغانستان، وكيف تحولت تلك المملكة بإعلامها الرسمي وجمعياتها الصحوية إلى معسكر لتفريخ الإرهابيين، حتى أنني صادفت موقفًا منذ أيام جعلني أتحسر على ما وصل إليه الحال، كنت عائدًا من عملي فاستقللت سيارة أجرة صادف أن سائقها باكستاني الجنسية، مررنا في أحد الشوارع بمطعم هندي، وجدته قد تقطب وجهه وأشار لذاك المطعم وقال لي إنه مطعم هندي والهنود كفار يعبدون البقر هم أعداء المسلمين، فما كان مني إلا أن أجبته بأنهم إذا كانوا يعبدون البقر فنحن المسلمون نطوف حول حجر، ثم ساد الصمت إلى أن وصلت منزلي وغادر هو.

الغريب في الأمر، أن أحدًا لم يدقق النظر في دوافع تلك الصحوة أو دعوات الجهاد الإرهابي التي كان أساسها في السعودية، في رأيي أن الأمر برمته كان سياسيًا بحتًا، خصوصًا عندما تدرك أن صدامًا طفيفًا حدث بين رموز الصحوة والحكومة السعودية في وقت لاحق، بعد تعاون المملكة مع الولايات المتحدة الأمريكية في حرب الخليج الثانية وما تلاها من تحالفات وثيقة بين الرياض وواشنطن.

والسؤال الآن، من يتحمل تلك الخطايا؟ وهل التوجه الانفتاحي الحالي ينطبق عليه قول التائب من الذنب كمن لا ذنب له؟ لا أعتقد، لأن ما زرعته السعودية في مصر وباكستان وأفغانستان والشيشان وشمال أفريقيا وغيرها من الدول التي يطلق عليها «إسلامية» لا يمكن حصده في لمح البصر وبجرة قلم لأمر ملكي سلماني! لكن يبقى سؤال آخر أكثر أهمية: مع انتفاضة السعودية الجديدة ونفضها جلخ الصحوة الذي لطخ الأبدان والعقول والقلوب، هل بلادنا تعيد التفكير وتعترف بالخداع الذي تعرضت له طوال عقود، أم تكتفي بالعناوين الرنانة حول تجديد الخطاب الديني في حين أن الواقع يقول شيئًا آخرً عنوانه سجن المفكرين والتنويريين، وفرض رقابة فوق الرقابة على فنوننا وحضارتنا وإبداعنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد