على ذكر قول الشاعر: ما بين غمضة عين وانتباهها يغير الله من حال إلى حال. هكذا كان المشهد في السعودية يوم السبت الماضي إثر قرارات مفاجئة أعلنت عنها المملكة تتعلق بتوقيف 11 أميرًا ذوي نفوذ كبير، وعدد من الوزراء السابقين ورجال الأعمال الذين لديهم استثمارات في مجالات مختلفة.

من كان يصدق أن الأمير الوليد بن طلال، الذي تصدرت استثماراته ومشروعاته كثيرًا من أوراق الصحف والمجلات العالمية والقنوات الفضائية المختلفة، تم توقيفه بتهم تتعلق بالفساد، ولم يعد يحلق بطائرته الخاصة ورشاقته، بالرغم من أن عمره 62 عامًا؟

من كان يصدق أن الأمير متعب بن عبد الله، قائد الحرس الوطني السابق، الذي كان له نفوذ في طول المملكة وعرضها، تجرد من كل الصلاحيات في غمضة عين ولمح البصر، ويخضع لتحقيقات أيضًا في تهم تتعلق بالفساد؟

فعلى غير المعتاد، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، فاجأ الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الذي يتمتع بصلاحيات واسعة لم تعط لأحد من قبله من عائلة الملك عبد العزيز بن سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، الجميع، واتخذ خطوات توصف بأنها جريئة، لكنها محفوفة بالمخاطر.

يريد ابن سلمان أن يطبق سياسته الإصلاحية التي يدعو إليها من أجل تثبيت سلطاته ونفوذه؛ فقد أعلن الشهر الماضي تعهده بالعودة إلى الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وقال: (نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه، الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم، وعلى جميع الأديان، وعلى جميع التقاليد والشعوب. 70 بالمئة من الشعب السعودي أقل من 30، وبكل صراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورًا).

بدا الأمر واضحًا أن محمد بن سلمان يريد أن يتخلص من أجنحة ذات نفوذ قوي داخل المملكة ربما رأى أنها قد تقف في طريق طموحاته اللامحدودة وسياساته الخارجية الجديدة، التي لم تلق تأييدًا من كل أعضاء الأسرة المالكة حسب تقارير صحافية، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، وخاصة فيما يتعلق بتسوية الصراعات في المنطقة، والتي يسعى إلى تطبيقها في الفترة الآنية والقادمة.

وبالرغم من أن الأمر كان واضحًا، عندما تنازل الأمير مقرن بن عبد العزيز في عام 2015 عن ولاية العرش طواعية لابن أخيه الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية وقتها، وتعيين الأمير محمد بن سلمان وليًا لولي العهد أن الملك سلمان يجهز ابنه ليصبح وليًا للعهد فيما بعد، إلا أن هذه الخطوة جاءت بوتيرة متسارعة وغير متوقعة بعدما تنازل الأمير بن نايف عن ولاية العرش لابن عمه محمد بن سلمان، ولي العهد الحالي، منذ شهور.

يقول باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي في جريدة (الجارديان) (إن السرعة وعدم القدرة على التنبؤ بما يقوم به ولي العهد محمد بن سلمان – عملية التطهير التي تكتنفها السرية الشديدة والتي تمت في الساعات الأولى من صباح الأحد الماضي – هو جزء من نمط سلوكي قد لا يبعث على طمأنة المستثمرين الأجانب).

ويضيف الكاتب (من الناحية النظرية، يمكن أن يبقى محمد بن سلمان في السلطة لنصف قرن. لكن السؤال عما إذا كان سيصمد في هذه الفترة الطويلة من الحكم وجعل المملكة العربية السعودية حديثة وقابلة للحياة).

منذ عدة أيام، أعلن ابن سلمان عن تدشين مشروع عملاق في الشرق الأوسط سماه (نيوم) باستثمارات تبلغ 500 مليار دولار، وسيقع جزء منه في الأردن ومصر، وأيضًا تم الإعلان عن طرح أسهم (أرامكو) للاكتتاب العام.

بالتأكيد أراد ابن سلمان التخلص من هؤلاء الأمراء والوزراء ورجال الأعمال والاستبدال بهم وجوهًا شابة، من وجهة نظره، ستساعد على تنفيذ استراتيجية المملكة في الفترة القادمة، وأيضًا التخلص من رجال الأعمال الذين يمتلكون قنوات (إيه. آر. تي) و(إم. بي. سي)؛ للسيطرة على الإعلام بشكل أكبر.

الأمير الوليد بن طلال أغنى رجل على مستوى العالم العربي؛ إذ تقدر ثروته بحوالي 18 مليار دولار، حسب مجلة فوربس، وله العديد من الاستثمارات في كثير من المجالات، منها الفنادق والعقار والتنقل والسوشيال ميديا وغيرها.

لم يكن الوليد مثار جدل في بيئة الأعمال فقط، بل في السياسة؛ إذ كانت له تصريحات جريئة وصريحة عندما طالب الرئيس دونالد ترامب المرشح الأمريكي في  الانتخابات الأمريكية وقتها بالانسحاب من سباق الرئاسة؛ إثر إعلان الأخير عن حظر دخول المسلمين الولايات المتحدة في حال انتخابه رئيسًا.

وردًا على الوليد كتب ترامب على تويتر، وقال: الوليد يريد أن يتحكم في السياسيين من خلال أموال والده، لكنه أضاف أنه إن أصبح رئيسًا، فلن يحدث هذا.

أعلن محمد بن سلمان أن (من ثبت عليه الفساد، لن ينجو)، وأضاف أن أموال رجال الأعمال الذين ستسفر التحقيقات عن إدانتهم سيتم استخدامها في تمويل مشروعات داخل المملكة، وربما مشروع (نيوم) العملاق، ولهذا تم توقيف رجال الأعمال غير العاديين؟

وحسب تقارير صحافية ومصرفية، تم التحفظ على أموال الأمير الوليد التي في البنوك. من المؤكد أن هناك قلقًا ينتاب عددًا من المسؤولين بعد هذه الإجراءات، إذ من الممكن أن تضم القائمة أشخاصًا آخرين في خضم التحقيقات التي تجريها لجنة مكافحة الفساد المشكلة قبل ساعات من اتخاذ هذه الإجراءات برئاسة ولي العهد.

كل الذين تم توقيفهم من الرجال ذوي النفوذ الكبير، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الاقتصادي أو مجال الاستثمار، فهل ستؤثر هذه القرارات على المملكة في الفترة القادمة، وهل سيحدث تصدع كبير داخل الأسرة المالكة جراء هذه الإجراءات؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد