منذ عدة أيام، خرج علينا وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي بتصريح قائلا: إن المملكة العربية السعودية لن تقدم على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، قبل حل القضية الفلسطينية، وأوضح أن الملك سلمان بن عبد العزيز أكد للرئيس محمود عباس خلال زيارته الأخيرة للرياض موقف المملكة والتزامها بالمبادرة العربية القاضية بحل القضية الفلسطينية أولا، قبل تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل.

يبدوا أن الوزير المالكي أدلى بهذا التصريح وهو نفسه غير مقتنع بما يقول أو ثمة أمور أخرى تتبلور خلف الكواليس في الآونة الأخيرة مغايرة لما يقول. إذ أن القضية الفلسطينية لم تعد -لكثير من أنظمة عربية – القضية الأولى والمركزية والمحورية، بل حلت محلها قضايا أخرى تصدرت المشهد السياسي والإعلامي في ظل ما يسمى بــ«صفقة القرن» و «السلام الدافئ» وغيرها من المسميات والسياسيات التي تكشف التوجه العربي تجاه إسرائيل في ظل استمرار الاحتلال وعدم حل القضية الفلسطينية.

تصريحات رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي غادي إيزنكوت التي أدلى بها إلى صحيفة «إيلاف» السعودية الإلكترونية تأتي بعكس ما قاله المالكي وتؤكد التحليلات والتقارير المعلنة وغير المعلنة بأن هناك تطبيعا – أو يمكن القول بأن هناك قضايا بين الجانبين ذات اهتمام مشترك – حيث قال إيزنكوت «للسعودية وإسرائيل مصالح مشتركة ضد التعامل مع إيران».

القاسم المشترك بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والدول العربية بما فيها السعودية هو «ضرورة إقامة تحالف في المنطقة لمواجهة المد الإيراني ومحاولات إيران التموضع في سورية والعراق ولبنان والبحرين واليمن»، حسب ما جاء في تصريحات إيزنكوت.

لم يتوقف رئيس الأركان عند هذا الحد بل مضى يقول «هناك توافقاً تاماً بيننا وبين المملكة العربية السعودية التي لم تكن يوماً من الأيام عدوة أو قاتلتنا أو قاتلناها. نحن مستعدون للمشاركة في المعلومات إذا اقتضى الأمر. هناك الكثير من المصالح المشتركة بيننا وبينهم»، هل يفهم هذا أنه سعي من إسرائيل وحدها – من طرف واحد – إلى التطبيع مع الرياض أم سعي من كلا الطرفين؟

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يقوم بها «إيلاف» بإجراء حوارات مع مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، ففي يوليو الماضي، أجرت الصحيفة حواراً مع وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، موشيه يعالون، في تل أبيب.

تصريحات يعالون لم تختلف عن إيزنكوت، إذ تطرق إلى العلاقات مع المملكة العربية السعودية وضرورة التعاون بين الاثنين في مواجه الخطر الإيراني، بحسب موقع العربي الجديد.

اعتقد لم تجر هذه المقابلات بمحض الصدفة، بل إنها جاءت لتغيير مفاهيم ظلت سائدة على مدى عقود وهي – أن إسرائيل دولة محتلة وغاصبة للأرض – الآن هناك توجه على المستوى الرسمي من أنظمة عربية بعينها يتعلق بأنه يمكن لإسرائيل أن تنصهر في شرق أوسط جديد وتدخل في تحالفات عربية من أجل مواجهة إيران التي «تزعزع المنطقة» على حد قول أطراف كثيرة، وهذا ما أكدته تصريحات المسؤول الإسرائيلي حتى وإن كانت رغبات وأمنيات من جانب إسرائيل.

هذا لا يعني أن نعفي إيران – أو غيرها من دول المنطقة – من مسؤولية تدخلها في شؤون الدول المجاورة، لكن المدهش هو أن إسرائيل تصرح في صحف عربية وأجنبية إنها تتعرض لتهديدات في ظل وجود إيران وحزب الله، كما لو أنها تحفظ حقوق الفلسطينيين وتسعى لمساعدتهم في إقامة دولتهم المستقلة!

كلام رئيس الأركان الإسرائيلي لخص وأعلن بصراحة ما تسعى إليه دول عربية بعينها – على رأسها السعودية – التي لا تهمها القضية الفلسطينية كقضية أولية بقدر ما يهمها ردع إيران التي تمثل لها تهديدا مباشرا وتدخلا سافرا في شؤونها الداخلية، وهذا حقها لكنها تناست أن الإرهاب الحقيقي يكمن في الاحتلال الإسرائيلي.

تسعى السعودية الآن إلى جر الولايات المتحدة إلى الدخول في حرب بالوكالة مع إيران، مستغلة موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرافض للاتفاق النووي الإيراني وتصريحاته أنه سيرفض المصادقة على الاتفاق، وتعتمد الرياض في ذلك على الصفقة الأخيرة – التي تسمى «صفقة القرن» – التي من خلالها تدفع لأمريكا 460 مليار دولار – وهو الهدف الذي تسعى إليه إدارة ترامب وهي «حلب المنطقة».

وهل – إذا دخلت السعودية في مواجهة مباشرة مع إيران – ستكسب المعركة ويكون نهاية حزب الله على يديها، أم ستتضاعف الخسائر بالنسبة للرياض بجانب الخسائر في اليمن؟ حزب الله يمتلك تكتيكات وخبرات قتالية كبيرة وهذا ما رأيناه في مواجهاته مع إسرائيل.

اقرأ أيضا: بالأرقام الدقيقة.. من ينتصر لو قامت حرب بين السعودية وحزب الله؟ 

بحسب تصريح رئيس الأركان لم تكن السعودية يوما ما عدوة لإسرائيل ولم تقاتلها في معركة ما، بل عدوة لأنظمة أخرى عربية وإسلامية.

تصريحات إيزنكوت تبين أن إسرائيل ربما تتحمس أيضا لشن هجوما على حزب الله في لبنان كي تثأر لخسائرها التي منيت بها في عام 2006، وبالتالي تطالب بضرورة تكوين تحالف جديد مع بعض الدول العربية بقيادة السعودية – مستغلة في ذلك أن حزب الله مصنف عالميا بأنه منظمة إرهابية – وتصبح إسرائيل هانئة ومرتاحة إذا ما دمر حزب الله كما دمرت جيوش عربية أخرى مثل الجيش العراقي والجيش السوري، وأصبح ذلك يصب في مصلحة إسرائيل.

في مؤتمر صحفي مع نظيره الفرنسي الخميس الماضي، قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن الأزمة في لبنان «أساسها حزب الله، الذي اختطف النظام اللبناني ويحاول فرض سلطته ونفوذه في لبنان وهو أداة في يد حرس الثورة الإيراني، وطهران تستخدم حزب الله من أجل بسط نفوذها في لبنان وأعمال الشغب في البحرين وكذلك دعم الحوثيين».

نحن هنا ضد تدخل أي دولة في شؤون أي دولة أخرى، لكن السؤال هل حزب الله وإيران فقط يتدخلان في شؤون الدول في حين أن إسرائيلي الغاصبة لا تتدخل في شؤون الآخرين ولا تحتل الأرض في فلسطين وسوريا ولبنان ولا تصنع أزمة ولا تمارس إرهابا ولا تقتل رجالا وشيوخا ونساءً وأطفالا ولا تسجن أطفالا ولا تهود القدس ولا تغير معالمه التاريخية والدينية… إلخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد