يشهد إقليم الشرق الأوسط حالة من عدم الاستقرار أو الاشتباك المستمر سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا «يقتصر على فواعل من غير الدول أو فواعل اللادولة»، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه توازن الضعف الإقليمي؛ بسبب فشل الدول الكبرى في الشرق الأوسط في صياغة استراتيجية للتعامل مع التحديات الداخلية والخارجية، واعتمادها مبدأ التكتيت ذات الطابع قصير الأجل؛ لتنفيذ استراتيجيات طويلة الأمد  معتمدة على حل الأزمات والأمور الطارئة يومًا بيوم.

حيث تعتمد وزارة المالية السعودية على مبيعات النفط بنسبة أكثر من 90 %  من عائداتها، وبالتالي فإن الطريقة الوحيدة لجمع الأموال هي من مبيعات النفط، وفي الوقت الذي انخفضت فيه أسعار النفط من 100 دولار للبرميل إلى 30 دولار للبرميل، انهارت عائدات النفط للمملكة، وفقدت المملكة العربية السعودية 390 مليار دولار من عائدات النفط التي كانت متوقعة في العام الماضي؛ ووصل العجز في ميزانيتها إلى 100 مليار دولار –  أعلى رقم في تاريخها، اضطر المملكة إلى اللجوء للتمويل الخاص من أجل الحصول على قروض لسد العجز في ميزانيتها، استعانت المملكة العربية السعودية بشركة «ماكينزي» الاستشارية العالمية، وبالفعل أرسلت الشركة محلليها للمملكة، وخرجوا  في ديسمبر (كانون الأول) 2015 برؤية «المملكة العربية السعودية بدون النفط 2030: تحول في الاتجاه المالي والإنتاجي»[1].

كانت هذه الرؤية قائمة على تحويل الاقتصاد السعودي من قيادة الحكومة إلى اقتصاد يقوده السوق، وخفض الدعم، وبيع الأصول الحكومية لتمويل هذه الخطة الانتقالية؛ وهذا ما ستواجه الشركة من صعوبة في التحول الاقتصادي في المملكة وثقافة مواطنيها القائمة على التوظيف الحكومي والريع النفطي الذي وضع الأساس لديمومة النظام الملكي فيها؛ لأن السعودية بدون نفط هي نفسها بدون النظام الملكي.

وعند النظر إلى تحركات ولي ولي عهد المملكة العربية السعودية «محمد بن سلمان» باعتباره رجل الرؤية السعودية لعام 2030، وإصراره الإعلامي على طرح فكرة جريئة حول كيفية إعادة هيكلة اقتصاد المملكة، والابتعاد عن الاعتماد على مبيعات النفط؛ ومع ذلك فإن خطوات «محمد بن سلمان» وشرحه للرؤية الاقتصادية لعام عام 2030، لا تختلف كثيرًا عن اقتراحات الشركة الاستشارية «ماكينزي»، الأمر الذي يظهر افتقاره للخبرة، فبناء مستقبل بلد بأكمله على تقرير «ماكينزي» يبدو مغامرة متهورة.

قدر صندوق النقد الدولي العام الماضي أن السعودية تحتاج لسعر النفط العالمي حوالي 106 $ للبرميل لتحقيق التوازن بين المستويات الحالية للإنفاق مع الإيرادات. يوم الأربعاء تراجع السعر دون 35 $ للبرميل، ولا يظهر أية علامات على التعافي – مع وفرة العرض الإيراني، بعد صفقة رفع العقوبات بين طهران والقوى الغربية[2].

فلجأت السعودية إلى سياسة خفض الأسعار، إذ كلما تزايد مخزون النفط انعكس وضغط على الأسعار بالانخفاض؛ وهذا ما يفسر زيادة احتياطات المملكة للنفط لسعره المنخفض، ليضغطوا على السعر أكثر؛ بهدف تخلي روسيا عن حليفها الأسد، ومحاولة الضغط على منافسها الجيوسياسي الإيراني، وعرقلة نهوضه الاقتصادي بعد توقيع الاتفاقية النووية، مما جعل الفائدة الوحيدة هي للولايات المتحدة، فهبوط السعر من 120 إلى 30 دولار يعني هبوط 90 دولار/البرميل، وتستورد الولايات المتحدة في شهر يوليو (تموز) عام 2016 حوالي 7 مليون برميل يوميًا[3]، أي توفر 630 مليون دولار/اليوم، أو حوالي 230 مليار دولار بالسنة، فضلًا عن تحفيز الاقتصاد الأمريكي بفرق السعر للإنتاج المحلي حوالي 360 مليار دولار/السنة. وهذا التوفير يذهب إلى جيب الشعب الأمريكي، فقد هبطت أسعار البنزين والوقود والكهرباء في نفس الوقت الذي ارتفعت هذه الأسعار في الدول النفطية المنتجة؛ لأن سياسة خفض الأسعار النفطية تمثل زلزالًا من العيار الثقيل، والذي سيكون له عواقب عالمية، خصوصًا في البلدان المنتجة للنفط.

فبنظرة للتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، وخاصة التطورات التي حدثت في الشرق الأوسط، سنجد أن كل هذه التطورات تصب في خانة انهيار النظام الحاكم في السعودية، مثل صعود الحوثيين في اليمن، وسيطتهم على العاصمة والمدن الرئيسة الأخرى؛ مما أشعر النظام السعودي بمراحل الانهيار وفقدانه السيطرة والنفوذ في الشرق الأوسط مما عمل على قيادة تحالف ما يسمى «عاصفة الحزم» إعلان بداية العمليات العسكرية بقيادة السعودية في اليمن، وشن غارات الجوية ضد أهداف عسكرية ومدنية متعددة، واعتبار «الحوثيين» مصدرًا للإرهاب، وعدم الاستقرار؛ وفي ظل غياب أي حل سياسي، ومن المرجح أن تنزلق إلى مزيد من عدم الاستقرار مع عواقب وخيمة للنظام السعودي؛ لأن عدم الاستقرار لا يفيد أية دولة؛ بسبب نشاط تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يشكل تهديدًا كبيرًا لجميع الدول قد تتحول اليمن إلى أن تكون سورية القادمة أو ليبيا، ومصدرًا دائمًا للتطرف والإرهاب يصيب الشرق الأوسط.

وأقرت كل من الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية والمراقب الدولي المختص بحقوق الإنسان «هيومن رايتس ووتش» وإن التحالف الذي تقوده السعودية كسر القانون الدولي؛ لأن أغلب ضرباته الضربات الجوية تستهدف المدنيين، وبعضها يمكن أن ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، لاستخدامها الذخائر العنقودية المحظورة، التي تزودها الولايات المتحدة بالوقود وتوجيه المساعدة لقوات التحالف التي تقودها السعودية، يمكن أن تكون مسؤولة عن جرائم حرب في اليمن[4].

وفي 3 يونيو (حزيران) عام 2016، أدرجت الأمم المتحدة التحالف العسكري على القائمة السنوية السوداء للدول والجماعات المسلحة التي تنتهك حقوق الأطفال في النزاعات، لكن الأمم المتحدة رفعت التحالف من القائمة يوم 7 يونيو (حزيران) انتظارًا لمراجعة مشتركة مع التحالف بشأن حالات الوفيات والإصابة الواردة في تقرير للمنظمة الدولية، وانتقدت منظمات معنية بمجال حقوق الإنسان الأمم المتحدة، بعد إعلان رفع التحالف من القائمة، واتهمت منظمة العفو الدولية الأمم المتحدة بممارسة «مهادنة مخزية» بعد القرار الأخير، بينما قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن المنظمة الدولية «رضخت لضغوط السعودية»؛ كونها تفقد الأمم المتحدة دولة رئيسة ممولة لبرامجها المختلفة[5].

حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية، شابتها عمليات الإعدام، وكانت الغالبية العظمى منها عن طريق قطع الرؤوس في أماكن عامة؛ إذ ترى الحكومة السعودية أن التنوع الأيديولوجي يمثل تهديدًا إرهابيًا للمملكة، وادعت أن إعدام «الشيخ النمر» هو مصدر للإرهاب، بينما يعتبر «نمر النمر» أنه معارض سعودي؛ بسبب رفع الصوت لمحاربة الفساد في المملكة، والكهنوت الديني والظلم السياسي الواقع على المواطنين في السعودية كذلك، بسبب انتقاداته إلى المعتقدات الدينية المنتشرة في السعودية.

لقد تخطت السعودية جرائم مروعة لحقوق الإنسان الداخلية، هجمات على دول أخرى، سواء بصورة مباشرة، كما هو الحال في اليمن، أو عن طريق وكيل في سوريا للتطرف ودعم الإرهاب، فكان الدعم لجيش الفتح، الذي يتكون من تحالف جماعات متمردة تابعة لـ«تنظيم القاعدة» التي تقودها جبهة النصرة، والمماثل أيديولوجيا لأحرار الشام، وكذلك الدعم  لــ«محمد زهران علوش» قائد جيش الإسلام[6].

مما اضطر المملكة العربية السعودية إلى إنشاء للوبي السعودي في الولايات المتحدة لجنة العلاقات السعودية الأمريكية المعروفة اختصارًا بـ(سابراك) وهذا في حد ذاته يعد مؤشرًا  فعليًا على أن السعودية أصبحت بحاجة لإنعاش سياستها الخارجية بهدف إعادة ترتيب سياستها الداخلية للتأثير في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، بعد فشلها في حسم الأزمة السورية، في عرقلة استمرار الاتفاق النووي الإيراني، ورفض قرارات البيت الأبيض بمنع بيع المزيد من الأسلحة، لاسيما القنابل العنقودية إلى الرياض؛ بسبب قلق واضح حول الخسائر البشرية في اليمن.

وبعد سنوات من قيادة هرمية ومجيء جيل جديد لتولي المسؤولية في السعودية التي تترنح  على حافة الانهيار، مع  تطور إمكانية المعارضة الداخلية، سواء جاءت من داخل الأسرة الحاكمة أو من الجماهير الذين يعيشون في ضغط اقتصادي مفقر، واستمرار احتجاجات البحرين، والحكم بالإعدام على الشيخ نمر النمر، تورط المملكة العربية السعودية في الصراع الدائر في الشرق الأوسط؛ للبحث عن عدو خارجي لتصدير أزماتها الداخلية مع ضغط  انخفاض أسعار النفط في مواردها بفضل الإفراط في الثقة، ونقص الكفاءة من العائلة المالكة في السعودية، لاسيما منها التنافس بين العائلة المالكة والإخفاقات إلى الخارج من حيث الدفاع الأيديولوجي لمكون إسلامي واحد، خساراتهم المتتالية، وافتقارها لعدم وجود آليات لتمثيل سياسي ذي مغزى، الانقسامات السياسية والاجتماعية والدينية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، كل ذلك يؤدي إلى نفس النتيجة: تآكل المملكة العربية السعودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

محاولات
عرض التعليقات
تحميل المزيد