استبشر السعوديون برؤية السعودية 2030 التي تبناها ولي العهد السعودي الأمير سلمان، وأصبحت هي واجهته، وأبرز مسوغات تعيينه، ودلائل قدرته على تبوّء سدة الحكم في المملكة عما قريب؛ ففي ظل معاناة اقتصاد المملكة من تقلص الإيرادات بسبب انخفاض أسعار البترول عالميًا، وزيادة النفقات متأثرة بالحرب على جماعة الحوثي الإرهابية في اليمن، أقرت المملكة لأول مرة عجزًا في الموازنة لعام 2016 تخطى 87 مليار دولار، وأضحى المجتمع السعودي يترقب ثورة نوعية؛ لتغيير بنية الاقتصاد النفطي، وتحويله إلى اقتصاد منتج متعدد الموارد، وهذا ما قدمه الأمير سلمان برؤيته الثاقبة للسعودية 2030.

إلا أنّ الأكثر إثارة للاهتمام أنه مع مرور الأيام يتضح جوانب أخرى لرؤية السعودية 2030؛ جوانب ذات بعد اجتماعي، وثقافي، وفكري بدأت ملامحها تلوح في الأفق تدريجيًا؛ فالمملكة السعودية التي ظلت عقودًا رمزًا لتطبيق الشريعة الإسلامية – رغم تحفظنا على بعض الممارسات والسلوكيات – بدأت تتخلى تدريجيًا عن ذلك السمت؛ ولأول مرة تمثل السعودية دبلوماسيًا امرأة سافرة الرأس، ولأول مرة يتم اعتماد التقويم الميلادي بدلًا من الهجري لإدارة شئون الدولة، ولأول مرة منذ عقود تذيع محطة التلفاز الرسمية السعودية أغاني أم كلثوم، ولأول مرة يُسمح للمرأة قيادة السيارة على الرغم من عدم وجود أي نص شرعي يحرم الأمر، فلقد كان علماء المملكة يحرمون قيادة المرأة للسيارة من باب سد الذريعة، وكان يستلزم لإباحة ذلك فتوى يعقبها تعديل تشريعي، لا العكس كما حدث آنفًا.

غير أن كل ما سبق لا يقارن بحدثين آخرين شديدي الأهمية: أولًا- ما أعلنه وزير الدفاع الأمريكي عن افتتاح مركز أمريكي سعودي في الرياض؛ يهدف لتغيير المناهج الدراسية المتطرفة، واقتلاع الفكر الوهابي، في إطار التعاون بين المملكة والولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب.

ثانيًا- اعتقال عدد من علماء ودعاة السعودية، دون إبداء أي أسباب منطقية، أو دواع قانونية لإلقاء القبض عليهم، – وإن كان بعضهم سروري الفكر، إلا أن أغلبهم لم يعهد عليه دعوة لعنف ولا دعمًا لإرهاب قط -، فهل يُعقل أن يترك زعماء الشيعة في الجنوب الشرقي للسعودية أحرارًا، بينما يُعتقل علماء بارزين لمجرد رفضهم الرضوخ والتسليم لكل ما يهواه الحاكم دون أدنى مناقشة.

كل ما سبق وغيره يؤكد بوضوح أن الإدارة السياسية للسعودية بدأت تغيّر بوصلتها صوب نسخة معدلة من الحكم، تجمع بين بعض أحكام الشريعة وكثير من  ممارسات العلمانية، في ظل محاولة الأمير سلمان تصدير نفسه للخارج على أنه الأمير المثقف المنفتح على العالم الغربي، المستعد للتعاون لأقصى درجة بلا تحفظات، أي أن السعودية تحاول استنساخ تجربة الإمارات، مع الحفاظ على بعض الجوانب الثقافية الظاهرية؛ حفاظًا على المكانة الروحية للسعودية في نفوس ملايين المسلمين حول العالم؛ للتمويه على ذلك الانقلاب على أفكار مؤسسي المملكة طيبي الذكر.

بالطبع لن يتم تغيير فكر وهوية المجتمع السعودي بين ليلة وضحاها، ولا عبر تغيير حزمة من القوانين والتشريعات، وإنما يتم ذلك عبر جناحي الإعلام والتعليم، فمع تغييب المجتمع إعلاميًا، وتغيير ثوابته تعليميًا؛ يصبح من اليسير تفكيك بنيته الثقافية، وطمس هويته الفكرية، ونقله من الطابع السلفي الحالي – وإن شابه شوائب – إلى الطابع العلماني بقشرة إسلامية ظاهرية.

وبناءً على ما سبق فلا بد من أن نتساءل: كيف يمكن إيقاف ذلك المد العلماني؟

للإجابة شقان؛ ليس أحدهما الثورة على النظام القائم لأن مضارها أكثر بكثير من منافعها، ولأن حسنات النظام القائم عبر العقود الماضية لا ينكرها إلا جاحد، كما إن أي ثورة ستعطي فرصة كبيرة لتدمير السعودية؛ التي تعد الحصن الأخير للعالم السني حاليًا.

لنعرج سريعًا على شقي الدواء: أولًا- التوعية والدعوة؛ حيث لا بد من الحرص على زرع الهوية الإسلامية في شباب السعودية، ولا بد من ربط الشباب السعودي بالدين الإسلامي بمفهومه الشامل، ليس مجرد العبادات الظاهرة؛ فالإسلام أحكام، ومعاملات، وهوية راسخة، ومعتقدات حارب من أجلها الصحابة؛ ولا ينبغي لنا التخلي عنها خوفًا من أمريكا أو بحثًا عن قبول دولي مزعوم.

ثانيًا- نصح للأسرة الحاكمة؛ حيث لا بد لعلماء المملكة من توجيه النصح باللين والرفق لحكام المملكة، ولا مناص من إظهار الحجة والبيان بالضوابط الشرعية، دون إفراط القطبيين والسروريين، ولا تفريط المداخلة والجاميين.

أخيرًا- أتمنى من الأسرة الحاكمة أن تدرك جيدًا أن عز المملكة، وثروتها، ومكانتها مصدرها التمسك بالشريعة الإسلامية كما قال عمر – رضي الله عنه -: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله». لو كان عمر بيننا لبكى أسفًا وحسرة على ما يجرى داخل المملكة السعودية، أسأل الله الهداية والتوفيق لحكام السعودية ولنا ولعامة المسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد