في ظل حكم الملك سلمان وما شهدته المملكة العربية السعودية من متغيرات في سياساتها الخارجية وتعاملاتها مع القضايا الداخلية والإقليمية والعالمية، باتت السعودية في موقع مغاير تمامًا لما كانت عليه في فترات سبقت هذه الحقبة، مغاير بطبيعة المرحلة، وطبيعة التحديات، وطبيعة المهددات والفرص الموجودة في المناخ العام للمملكة العربية السعودية وما حولها .

ونظرًا لكون المملكة تمثل الشقيقة الكبرى لدول الخليج العربي، ولها مكانتها بين دول العالم العربي والإسلامي، فإن ما تم من مراحل استنزاف صامت لها من خلال الجهود الإيرانية، والخداع الأمريكي المستتر على مدار سنوات، قد فرض عليها أن تأخذ بزمام المبادرة في عدد من الملفات، بعضها علني واضح كالملف اليمني والملف البحريني، وبعضها يأخذ الجانب الدبلوماسي الصامت، كالملفات الإقليمية الأخرى وملفات التغلغل الإيراني في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، ولبنان والعراق ونحوها.

وما بين حرب مفتوحة مباشرة هنا، وصراع عقول وأدمغة هناك، باتت السعودية اليوم أمام تحد واضح وكبير، وهو قدرتها الحقيقية على إدارة ملف الصراعات طويلة المدى وتغطية حضورها القوي سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، لا سيما ونحن نتلمس الموقف الأمريكي المترهل والبراغماتي تجاه السعودية وميولها الاقتصادية تجاه إيران كبديل ضاغط، وكمنفذ للمخطط الأمريكي باتجاه آسيا وآسيا الوسطى.

إزاء هذه الحالة، بدأت الآلة الإعلامية المعادية للسعودية بسلسلة من السياسات الإعلامية والبروباغاندا السوداء التي تطال كل شيء، وتهاجم كل السياسات، وتحمل السعودية مسؤولية كل الأزمات في المنطقة، بل تعدت ذلك لتبدأ جهات ضغط عالمية بفتح ملفات في أمريكا وأوروبا لفتح عدة جبهات و مناورات يقصد بها أضعاف التوجهات السعودية، والقضاء على التحالفات التي تمت مؤخرًا، لا سيما في ملفات الحلف الإسلامي، والتحالفات مع تركيا والباكستان ونحوها.

من المعلوم ضمنا هنا أن هذه الجهود الضاغطة في عالم السياسة والإعلام والحملات التشويهية لا تتم جزافًا أو ارتجالًا، بل هي حملات علاقات عامة تدار من خلال مؤسسات لها إمكانياتها التواصلية على المستويات المختلفة، وتتمتع بقدرة على النفاذ وسط شرائح مؤثرة في المجتمع، ومواجهة مثل هذه الحملات لا يمكن إلا من خلال جهد مركز ومساوٍ له في المستوى والأثر والجهات المخاطبة، بمعنى، ضرورة امتلاك نفس السلاح واستخدامه بنفس الاحتراف والتأثير ليحقق الهدف المنشود ويكسر حالة الاستعداء القائمة.

قد ينخدع البعض بنشاط عبر تويتر أو فيس بوك أو في بعض القنوات الخليجية التي تدعم الموقف السعودي، ولكن لكل هؤلاء أقول، إن الدوران في فلك خطاب الذات ليس مجديا في هذه المرحلة أبدا، فهذا زمان الاختصاص، والتوجهات السعودية اليوم بحاجة لمؤسسات إعلامية عملاقة ضاغطة قادرة على النفاذ للعقل الأوروبي والأمريكي والعربي والإيراني والروسي وغيرها بقوة وبسياسات تراكمية وخطاب عقلاني تراكمي يصنع البرهان ويقيم الحجج، وليس معتمدا على مهاجمة الخصم والتهديد والتلويح والإعلام المجتزء المترهل.

نقطة أخيرة وهامة ينبغي التنبه لها هنا، وهي أن خيارات السعودية في مرحلة ما، وتعاملاتها وتحالفاتها مع شخصيات وقيادات عربية على المستوى السياسي في المنطقة العربية قد ثبت فشلها، وفي أكثر من ميدان ومناسبة، وهذا الأمر قد أضعف الموقف السعودي الحالي، ولذلك، ينبغي لواضعي السياسة الجدد في السعودية اليوم ان ينتبهوا لمسألة صناعة الوجوه القيادية البديلة، وصناعة القيادة المستقبلية المؤهلة التي يمكن الاعتماد عليها في مرحلة المواجهة القادمة، بعد تعبئتها وتأهيلها لتكون صالحة للظهور السياسي وإثبات ذاتها في محطات السياسة القاسية.

بهذا فقط، يمكن للملكة العربية السعودية أن تخرج من عنق الزجاجة، بحماية جبهتها الداخلية، واستعادة المبادرة في خطاب العقل الغربي والعربي بطبيعة توجهاتها، إضافة إلى اتخاذها خطوات إيجابية وجدية في مجال تهيئة المناخ لمرحلة جديدة بقيادات جديدة لم تنكسر همتها وهامتها في مواجهة أزمات السياسة العاصفة، وهو ما سيوجد جوًا جديدًا في المنطقة برمتها برغم وجود مخططات مغايرة، استنادًا على القاعدة القائلة: اصنع قرارك يسقط قرار الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد