حرصت القيادات السعودية السابقة على البقاء بعيدة عن أي سلام مع إسرائيل أو حتى تقارب، خشية من ردة فعل الشعب السعودي أو حتى الشعب العربي الذي لا يزال وعلى نطاق واسع ينظر إلى إسرائيل على أنها عدو، لكن بدأت تظهر مؤخرا علامات متزايدة وعلنية على نية أن تأخذ العلاقة بين السعودية وإسرائيل شكلا آخر، وذلك مع تصاعد التوتر بين الرياض وطهران، فالرياض باتت على ما يبدو حريصة جدا على بدء تعاون مفتوح مع إسرائيل ضد إيران.

فبعد أن قام الضابط السعودي المتقاعد أنور عشقي والأمير تركي الفيصل بالحديث والجلوس وتبادل الزيارات مع يهود إسرائيليين على مدى سنوات ماضية والدعوة لإدماج إسرائيل جغرافيا مع دول المنطقة، وتصريحات الأمير الملياردير السعودي الوليد بن طلال الذي أكد فيها أكثر من مرة على ضرورة التلاقي بين بلاده وإسرائيل، جاء اليوم رجل دين من مدرسة محمد بن عبد الوهاب لكي يصدر فتاوى على الهواء مباشرة لصالح بني إسرائيل، حيث أكد مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، عبد العزيز آل الشيخ، أن قتال الإسرائيليين أو قتلهم في باحة وحرم المسجد الأقصى لا يجوز شرعا لأن اليهود اليوم يتحكمون بأرض المسجد وهي تحت ولايتهم، ولا يجوز أيضا الخروج عليهم من باب عدم إلقاء النفس بالتهلكة، هذا وأضاف آل الشيخ أن حركة حماس حركة إرهابية وتريد بأهل فلسطين الشر، وأن المظاهرات التي انطلقت في العديد من الدول العربية والإسلامية لنصرة فلسطين والأقصى وقطاع غزة سابقا هي مجرد أعمال غوغائية لا خير فيها ولا رجاء منها، كما أفتى آل الشيخ أخيرا بجواز الاستعانة والتعاون مع الجيش الإسرائيلي للقضاء على حزب الله اللبناني بحجة أنهم روافض؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات على حد وصفه.

هذا وقد جاء أيضا اليوم الذي نرى ونسمع فيه أن أهل السعودية وجزيرة العرب أصبحوا يسمحون لأنفسهم وبشكل عادي جدا ودون أي خجل أو أسف برؤية يهودي إسرائيلي يتجول بكل حرية عندهم، وأن يدخل هذا الصهيوني إلى الحرم المدني في المدينة المنورة ويتجول في مسجد رسول الله وبجوار روضته الشريفة، ويقف يلتقط الصور إلى جوار قبر الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام في المسجد النبوي، فهذا اليهودي الإسرائيلي (بن تسيون تشدنوفسكي) يقول إنه دخل المسجد النبوي الشريف بمعرفة شخصيات سعودية، وأنهم يعرفون خلفيته اليهودية وجنسيته الإسرائيلية، كما أضاف قائلًا: إنه يجب على جيلنا بناء الجسور بين اليهود والعالم العربي مرة واحدة وإلى الأبد، وأن على السعودية وإسرائيل الوقوف جنبا إلى جنب لتحقيق هدف السلام المشترك في منطقة الشرق الأوسط الكبير وبشكل شامل.

فكيف تسمح القيادة السياسية السعودية وكذلك هيئة كبار العلماء الدينية فيها بكل ميولهم الدينية والفقهية لهذا اليهودي الإسرائيلي (الصهيوني) بالوصول إلى المدينة المنورة التي يرقد في ثراها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وثلة من أصحابه وزوجاته، وما أدرانا حتى ما إذا كان هذا الشخص تجول في مكة المكرمة ووصل إلى الكعبة المشرفة.

السلطات السعودية وفي إطار نهجها التطبيعي العلني والجديد مع إسرائيل، منعت مؤخرا أيضا أئمة الحرم المشهورين (الشريم والسديس) من الظهور العلني في خطب الجمعة أو في مواقعهم على وسائل التواصل الإجتماعي والدعاء على اليهود والصهاينة الغاصبين، حتى أن أول اجتماع لوزراء دفاع (التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب)، والذي جرى عقد فعالياته في أواخر شهر تشرين الثاني الماضي في العاصمة السعودية الرياض، كان يبدو من ناحية الشكل والتصاريح الرنانة واعدا، غير أن ما تضمنه من مشاهد لمقاومين فلسطينيين خلال عرض الشريط الترويجي لمكافحة الارهاب، وظهور عناصر من المقاومة الفلسطينية خلال تصديهم لاقتحام قوات إسرائيلية لبيت لحم عام 2001، لا شك في أنه يحمل رسائل واضحة إلى إسرائيل والمقاومة على حد سواء.

هذا التقارب السعودي الإسرائيلي انطلقت آثاره أيضا بسلسلة تصريحات من كتاب وشخصيات إعلامية سعودية بارزة، بدأت بالترويج وبقوة للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي خلال هذه الفترة الأخيرة، أبرزها ما صدر عن الكاتب في صحيفة الجزيرة السعودية أحمد الفراج الذي غرد قائلا: (لك العتبى يا نتنياهو حتى ترضى)، في حين قال الكاتب والروائي تركي الحمد متنصلا من قضية القدس: (لم تعد القدس هي القضية، بل أصبحت شرعية مزيفة لتحركات البعض)، كما قال الكاتب والمحلل الاقتصادي حمزة محمد السالم: (إذا عقد السلام مع إسرائيل فستصبح المحطة الأولى للسياحة السعودية)، وصدر عن الكاتب سعود الفوزان قوله: (لست محاميا عن اليهود، لكن أعطوني يهودي واحد قتل سعودي وأعطيكم ألف سعودي قتل ابناء جلدته بالحزام الناسف)، في حين قال الإعلامي أحمد العرفج: (أنا لا احمل لليهود أي كره، ولا أشعر بأي تعاطف مع الفلسطينيين)، هذا وصدر عن الكاتب ومدير قناة العربية السابق عبد الرحمن الراشد قوله: (حان الوقت لإعادة النظر في كل مفهوم المعاملات مع فلسطين وإسرائيل)، وأيده في ذلك الكاتب محمد آل الشيخ قائلا: (قضية فلسطين ليست قضيتنا، وإذا أتاكم متأسلم متمكيج يدعو للجهاد فابصقوا في وجهه)، كما قالت الناشطة والكاتبة سعاد الشمري: (60 عاما أشغلتنا الحكومات العربية بالقومية المزيفة وعداء إسرائيل، آن الأوان لنجرب السلام والتعايش)، في حين صرح الكاتب أحمد بن سعيد القرني: (اليهود يكنون لنا الاحترام ولم يعتدوا علينا أو يفجروا في بلدنا، وأدعوا الملك إلى فتح سفارة وتمثيل دبلوماسي عالي)، وأخيرا قال الكاتب محمد بن موسى الطاير: (أنا سعودي عسيري صحفي، أدعو للتطبيع مع إسرائيل).

المجتمع السعودي (الخليجي) طبعا لم يستطع تقبل فكرة التطبيع هذه مع العدو الصهيوني، لذلك أطلق عدد من الكتاب والمثقفين والأكاديميين من السعودية ودول الخليج العربي، حملة لرفض التطبيع السعودي والخليجي مع إسرائيل، وذلك عبر بيان نشره حساب (سعوديون ضد التطبيع) على موقع تويتر، حيث دعت هذه الحملة إلى توقيع بيان يطالب الحكومات الخليجية بمنع كافة أشكال التطبيع وعلى رأسها المقابلات الرسمية وغير الرسمية مع مسؤولي العدو، وعدم إرسال وفود رسمية أو حتى السماح لوفود غير رسمية لا تمثل الدولة بزيارة الكيان الغاصب واللقاء مع مسؤوليه، إضافة إلى معاقبة كل من يقوم بمخالفة ذلك بناءا على قوانين مقاطعة العدو الصهيوني في دول الخليج العربي والقوانين التي تمنع السفر ‏إلى إسرائيل، كما طالب الناشطون عدم الإنجرار خلف دعوات التطبيع مع إسرائيل التي بكل الأحوال لا تحمل أي مشاعر إيجابية تجاه العرب، ناهيك عن احتلالها لبقعة عربية إسلامية مقدسة، إضافة إلى جرائمها الممتدة على مدار عدة عقود ماضية بحق جميع العرب والمسلمين.

النظام السعودي دخل في مرحلة جديدة من توريث الحكم لابن سلمان، وهو يستعد لتقديم الثمن المطلوب بما في ذلك تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بوصفه مدخلا لتوطيد العلاقات مع الولايات المتحدة والتي سوف يطلب منها الموافقة على عملية التوريث، هذا وقد قدم الملك سلمان أيضا الثمن المالي الذي طالب به الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وذلك بضخ الرياض مئات مليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي لإنعاشه والسماح للشركات الأمريكية بالاستثمار في السعودية، وأخيرا ربما تتم الموافقة على طلب ترامب طرح اكتتاب شركة أرامكو في بورصة نيويورك.

فالسعودية تراهن الآن وبقوة على إسرائيل لأن كل منهما يكنان عداءا عميقا لإيران، حيث يعتبر ابن سلمان أن إسرائيل لها قدرة عالية على التأثير في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما من شأنه أن يعزز عزلة إيران ويضاعف العقوبات المفروضة ضدها، خاصة بعد اتخاذ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نفس الموقف، حيث يعول السيسي أيضا على إسرائيل من أجل ضمان البقاء في السلطة والتمتع بدعم الأمريكيين في هذا السياق.

هذا وتسعى الرياض أيضا في السياق نفسه للضغط على الفلسطينيين وإجبارهم على القبول بما يسمى (صفقة القرن) الإسرائيلية/الأمريكية، فبحسب ما نقلت صحيفة التلغراف البريطانية عن ياكوف ناجيل، مستشار الأمن القومي السابق في تل أبيب قوله: (إن المملكة العربية السعودية حريصة على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وهي مستعدة للتوقيع على أي نوع من اتفاقيات السلام الإسرائيلية الفلسطينية، حتى لو كانت غير مناسبة للفلسطينيين، وأن السعودية لا تهتم بالفلسطينيين ما دام بإمكانها التوصل لاتفاق مع إسرائيل ضد إيران)، وزيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الأخيرة للرياض، أكدت أيضا صحة هذا الأمر ومدى حرص ابن سلمان على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فحسب ما تمت الإفادة به، فقد هدد ولي العهد السعودي الرئيس الفلسطيني بإجباره على الاستقالة في حال لم يمتثل لمطالب واشنطن من أجل التوصل إلى حل سلام شامل مع الإسرائيليين.

هكذا أصبحت الدلائل واضحة وجلية للعلن للتقارب السعودي الإسرائيلي، والذي قد يتبعه تحالف عربي/إسرائيلي ضد إيران باعتبارها عدو مشترك للطرفين، يسعى للهيمنة على المنطقة بالنسبة للعرب، ومتمسكة ببرنامجها النووي الذي يهدد إسرائيل، لهذا لا نستغرب عندما يقول يعلون، وزير الحرب الصهيوني السابق: (ليس صدفة ان ما يقوله الجبير في السعودية بالعربية اليوم هو نفس ما نقوله نحن بالعبرية في إسرائيل)، فالكيان الصهيوني أيضا من جهته يريد استغلال هذه الفرصة التاريخية لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بتقديم أقل ثمن ممكن، والحصول على تنازلات لم يكن يحلم بها في قضايا القدس واللاجئين وغيرها، وعقد تحالف مع العرب لمواجهة إيران التي باتت تشكل خطرا وجوديا عليه، وليس مجرد تهديد نووي وتسليحي محتمل.

أخيرا نقول إن الفتاوى سابقة الذكر وزيارة (بن تسيون) للحرم المدني وكل خطوات التطبيع السعودية مع إسرائيل تصب مباشرة في صالح هذا الاحتلال الصهيوني، وتقطع أشواطا في طريق تحقيق الأهداف الصهيونية الإسرائيلية اليهودية بالتطبيع مع الدول والشعوب العربية وتغيير نظرتها إلى الاحتلال.

قد نختلف على السياسات والمواقف ولكن لا يجوز أن نختلف أبدا على فلسطين، وأن يمد أي منا يده للتحالف مع أعداء الأمة ضد بعضنا البعض، فإسرائيل تحتل فلسطين ومن حق الفلسطينيين قتال من يخرجهم من ديارهم ويستولي عليها بالقوة، كما ولا يجوز لأي عالم دين أيا كان تحريم عمل من يدافع عن نفسه وحقه وعرضه وماله ووطنه، والأصوات المسمومة التي تشتم فلسطين والقضية الفلسطينية لا يمكن أن تمثل أي عربي شريف، ولا يجوز أن نقع في مطبها، ولا أن نرد عليها بالمثل، لأن كل بلد عربي غالي وكل عربي شريف يعرف بالقلب أن فلسطين قضيته بغض النظر عن أي نظام أو حكم يعيش فيه بلده، كما أن كل فلسطيني شريف يعرف أن الوطن العربي لا تمثله أنظمة، بل شعب وأرض وتاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد