في 9 ديسمبر الحالي أعلن وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر، خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ، إجراء مباحثات مكثفة مع دول أوروبية وعربية وخليجية لتشكيل قوة عسكرية لمحاربة “داعش”! وفي 15 من نفس الشهر، وبعد أقل من أسبوع، أُعلن في السعودية عن تشكيل “تحالف إسلامي” لمحاربة الإرهاب!

 

1- حالف بأوامر أمريكية!

­­­

وبعد يوم واحد فقط من إعلان السفير الإيراني في بغداد أن اللجنة المشتركة بين إيران وروسيا والعراق وسوريا، وهي لجنة لتبادل المعلومات بخصوص “الإرهاب”، قد تتحول إلى تحالف رباعي في المستقبل القريب، جاء التحالف العسكري الجديد الذي أعلنت عنه السعودية، ممثلة في ولي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وفي وقت متأخر من الليل!

34 دولة أعلنت مشاركتها في هذا التحالف، وكلها دول سُنّية، وغاب عن القائمة كل من إيران والعراق، مما يعني أن هذا التحالف بالأساس موجه ضد التحالف المزمع إنشاؤه بين كل من إيران وسوريا والعراق وروسيا!

الأمير السعودي الشاب بدت عليه الرهبة من الكاميرات الكثيرة أمامه، وهو غير معتاد بعد على المؤتمرات الصحفية، وأخذ يكرر كلمة “الإرهاب” كل عشر ثوان تقريبًا، وكأنه يريد استباق الإعلان عن التحالف الروسي الإيراني العراقي السوري، وحتى لا تبدو خطوة السعودية كرد فعل على هذا التحالف!

لكن الربط بين الأمرين شديد الوضوح، هناك تحالفات جديدة تتكون في المنطقة! إيران لها قوات على الأرض، وروسيا تلقي بثقلها كذلك، وفي المقابل تريد أمريكا أن توازن الكفة، ولكن بقوات على الأرض رخيصة الثمن، ولم يكن أمامها إلا الدول العربية كالعادة!

 

2- سياسة إيران الطائفية لتغيير بوصلة الصراع!

التحالف الجديد من المفترض أن يحارب “الإرهاب”، والإرهاب المقصود هنا هو داعش، التي لم تكن موجودة قبل 2012، مما يعني أن الثورات المضادة نجحت في صناعة فزّاعة كبرى جديدة، بعد خفوت نجم القاعدة، بهدف كبح جماح الشعوب وإيقاف تطلعاتها في التغيير.

وإذا كان الإرهاب المقصود هو “داعش”، فإن المقصود كذلك هو ميليشيات إيران الطائفية في العراق وسوريا، مما يؤكد أن التحالف الجديد هو جزء من الصراع الطائفي في المنطقة.

ورغم أن لإيران الدور الرئيس في نيران الطائفية التي اشتعلت في المنطقة، إلا أن التحالف الجديد يُذكي هذه النيران، ويستجيب لها، ويعزز من سياسية التحالفات العسكرية البعيدة كل البعد عن قضية العرب المركزية “فلسطين”، أو هدف الثورات العربية في الحرية والتغيير! كل هذا برغم التقارب الأخير بين السعودية وإيران على حلحلة “الملفات الأسهل” في المنطقة (ليبيا – لبنان – اليمن)، وهي تقاربات جزئية وثانوية ومؤقتة!

 
3- محاولة تغيير عقيدة الثورات العربية

من ناحية أخرى؛ فإن هذه التحالفات الجديدة، بكل أسف، هي قمة عملية “تغيير عقيدة الثورات العربية”، من محاربة الاستبداد إلى محاربة الإرهاب! بل ومحاولة احتوائها في حروب تشن لصالح آخرين!

لقد صار مطلوب من الثوار في سوريا ومصر، وباقي الدول العربية، التصالح مع الأنظمة المستبدة التي ثاروا عليها، لمحاربة “الإرهاب”، وإلا صار الثوار أنفسهم جزءًا من هذا “الإرهاب” المزمع محاربته! ويبدو أن من يقوم بهذه الخطوة هي السعودية!

حتى المعارضة السورية التي اجتمعت مؤخرًا في الرياض تسير بكل أسف على خطى السادات وياسر عرفات! صار مطلوب منها أن تلقي السلاح وتجلس لتحاور النظام ليقبل بها “المجتمع الدولي” وحتى لا تكون إرهابية! صارت مشكلتهم فقط مع بشار الأسد كشخص، وحتى هذه النقطة غير مضمونة، ومن الممكن أن نرى بشار في المرحلة الانتقالية!

ومن غير المستبعد أن يكون الإخوان في مصر تم تهديدهم بذات التهديد، وأنهم قد خيروا صراحة بين أن يكونوا مع هذا التحالف أو ضده! وأغلب الظن أن هناك ضغوط على الإخوان في إعادة تموضع الجماعة في مواجهة الانقلاب، بحيث يكون للثورة سقف أقل، وطلبات أسهل، في مقابل على يبدو عدم إدراج الجماعة في قائمة المنظمات الإرهابية.

 

4- إعادة تأهيل الأنظمة المستبدة!

وكان من الغريب حقّا أن يعلن الأمير السعودي أن محاربة الإرهاب في سوريا والعراق “ستتم بالتنسيق مع السلطات الشرعية هناك” (!)، وهو تصريح لم تنشره معظم الفضائيات العربية، ومنها الجزيرة، ربما لما يمثله التصريح من صدمة!

لقد تم توجيه دفة الأحداث بنجاح، لتكون الأنظمة المستبدة التي ثارت عليها الشعوب شريكا في الحرب على “الإرهاب”! الأنظمة المستبدة، التي قتلت مئات الآلاف، وقامت بمجازر جماعية، وهجّرت الملايين من بيوتهم، أذاقتهم ذل الغربة واللجوء، واستخدمت أقبية سرية لقتل المعارضين وتعذيبهم، وتعقبتهم في الداخل والخارج، واستخدمت أسلحة دمار شامل (غاز الخردل المصنف كسلاح كيماوي) أربع مرات! رغم ذلك أصبح بشار الأسد شرعيا!

 

5- إسرائيل هي العدو!

واهم من يظن أن أي تحالف عسكري يمكنه أن يغير بوصلة الصراع في المنطقة، فالعدو الحقيقي هو إسرائيل والأنظمة العربية المستبدة المتحالفة معها، والإرهاب الحقيقي تقوم به إسرائيل والأنظمة المستبدة المتحالفة معها، ولا سيما في دول الطوق (سوريا ومصر والأردن)!

وتجاوز هذه الحقيقة أو تجاهلها أو القفز عليها لن يؤدي إلا إلى إضعاف الدول المشاركة في التحالف واستنزافها ماليا وعسكريا، بعد أن تُستغل لتحقيق أهداف أمريكا وحلفائها الغربيين، الذين لا يرغبون في الدفع بقوات على الأرض، ويريدون من العرب والمسلمين أن يقوموا بهذا الدور نيابة عنهم، كما حدث في عاصفة الصحراء في العراق! لكن العرب لا يتعلمون من أخطائهم، ويبدو أنهم يجيدون تكرارها!

صحيح أن إيران أثبتت بالقطع أنها عدوة، وداعش كذلك أثبتت أنها عدوة، لكن يراد لنا أن ننجر في حروب معهم، لحساب آخرين، ولمصلحة آخرين، حتى ننشغل دوما عن “إسرائيل”، وعن مطالب الحرية والتغيير!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد