في سبتمبر من عام ١٩٧٦، نجح رئيس جهاز المخابرات الفرنسي القوي، آنذاك، كلود ألكسندر دي مارنش، من  إنشاء تحالف استخباري دولي اتخذ من القاهرة مقرًا دائمًا له، تحت مسمى “نادي السفاري” حسب اقتراح كمال أدهم، رئيس الاستخبارات السعودية حينها، ضم النادي قادة أجهزة المخابرات في تلك الدول،  دي مارنش ممثلاً عن فرنسا، أحمد الدليمي ممثلاً (لملك) المغرب، كمال أدهم ممثلاً (للملك) خالد ملك السعودية، أشرف مروان ممثلاً للسادات، نعمة الله ناصري ممثلاً لشاه إيران، هذه الأخيرة كانت بمثابة شرطي المنطقة الُمحبب، إلى جانب إسرائيل التي اكتفت بجني المرابح، والإنابة عن أمريكا مشغولة بمستنقعات فيتنام، وفضائح وتيرجيت، والقيود التي نتجت عنها من فرض رقابة على أعمال السي آي إيه بقيادة مديرها آنذاك جورج بوش الأب.

الغريب أن علاقات السعودية مع إيران في تلك المرحلة، كانت كالسمن على العسل، لم تشهد صدامًا أو تنافسًا سنيًّا شيعيًّا، كما هو حالها اليوم!

الهدف المعلن للنادي كان منع التمدد السوفييتي في القارة الأفريقية، والشرق الأوسط، وتأمين خطوط النفط العالمية التي قد تخضع طرق إمدادها لسيطرة حلفاء موسكو.

 

الفائز الوحيد:

المشروع مُول من قبل السعودية، وإيران، ودعم عسكريًا من قبل المغرب ومصر، وأشرفت عليه فرنسا، التي اعتبرته فرصة، لإعادة فرض سيطرتها وهيبتها، بواسطة مشروع الفرانكوفونية الخاص بمستعمراتها السابقة أولاً، وخدمة لأمريكا ثانيًا ومشروعها العالمي.

قام النادي بالعديد من العمليات، ودعم عدد من الأنظمة الديكتاتورية بحجة منع التمدد السوفييتي، فمن إخماد ثورة ظفار في سلطنة عُمان عام ١٩٧٦، وصولاً إلى دعم حسين حبري في تشاد ١٩٧٩،  مرورًا بدعم موبوتو في زائير ١٩٧٧، وليس نهاية بمحاربة منجستو في إثيوبيا ١٩٧٧.

استمر النادي إلى بداية عام ١٩٨٣، وحقق نتائج غاية في الأهمية بالنسبة لأمريكا صاحبة المشروع، إلا أن الرابح الأكبر من كل أعماله كانت إسرائيل، إذ نجحت في جر مصر لتوقيع معاهدة سلام منفرد – كامب ديفيد – معها في سبتمبر ١٩٧٨، بمساعدة ملك المغرب محمد الخامس الذي استضاف المحادثات السرية ما بين الطرفين، ما عمل على مقاطعة القاهرة من قبل باقي الدول العربية، كما حلت إسرائيل مكان مصر في أفريقيا التي دخلتها من أوسع الأبواب.

 

الأب الشرعي للقاعدة:

أغلق النادي، إلا أن نتائجه امتدت بعد ذلك، إذ اعتبر السفاري الأب الشرعي لتنظيم القاعدة وفكرته الأساس، والذي أسس عام ١٩٨٤، في أفغانستان، لمواجهة الاتحاد السوفييتي الذي تم ضربه بفيتنام خاصة بهم، على رأي مستشار الأمن القومي الأسبق زبغينو برجنسكي الذي كتب ذات يوم لرئيسه جيمي كارتر قائلاً: “لدينا الآن فرصة لإعطاء الاتحاد السوفييتي حرب فيتنام الخاصة بهم. “حرب تشد قوس الأزمات وتوجهه صوبه لزعزعة استقراره ومن ثم فرط عقده، بما يضمن سيطرة واشنطن وتفردها بالعالم، وهذا ما كان.

اليوم ثمة نادي جديد، ذو صبغة إسلامية كما يحلو لبعضهم تسميته، إذ يضم 34 دولة بقيادة سعودية، بدأ يتشكل في المنطقة، يأخذ على عاتقه محاربة كل من لا يتوافق ورؤيته، مع قادة النادي الممول خليجيًا.
النادي، أو الحلف، يمكن اعتباره حلفـًا ثالثـًا، فبعد الحلف الأمريكي لمحاربة الإرهاب في المنطقة، والحلف الإيراني الروسي، جاء الحلف الإسلامي، القاسم المشترك، بين الأحلاف الثلاثة، هي إسرائيل، والمستفيد الأول والأخير من هذه التكتلات هي إسرائيل.

 

شاه الأمس سيسي اليوم:

ثمة شبه بين بدايات الثورة الإيرانية الإسلامية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وبين الثورة المصرية بنسختها الأولى (على مبارك) والثانية الانقلابية على (الرئيس محمد مرسي)، إذ ضغطت سي آي إيه، ومن خلفها برجنسكي على الشاه وشرطته السرية المعروفة بـ “السافاك” لقمع التظاهرات، وحظرها، لضمان إثارة الشعب، وخروجه، ضد الشاه، الذي واجهها في ٧ سبتمبر ١٩٧٨ بالقوة، ما نتج عنها مقتل ما بين ٧٠٠ – ٢٠٠٠ متظاهر في ساحات وشوارع طهران، وفي الوقت عينه انتقد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ١٩٧٧ – ١٩٨١، دكتاتورية شاة إيران، وانتهاكه لحقوق الإنسان.

السيناريو تكرر في مصر، وحقق نجاحًا كبيرًا، في لحظات الهجوم على اعتصام ميدان التحرير أو ما عرف بحادثة “الجمل” ولاحقًا عند فض اعتصام ميدان رابعة من قبل قوات قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي – الرئيس الحالي – على الرئيس المنتخب محمد مرسي، مازالت آثاره تتفاعل إلى الآن.

 

تاريخ يعيد نفسه:

صحيح أن النادي تم إغلاقه عام ١٩٨٣، إلا أن أعضاءه مازالوا يتوقون إلى أيامه، وهذا ما جعل  السعودية تبقي المشروع حيًا في أقبية دوائرها المخابراتية، لتستخدمه وقتما دعت الحاجة لذلك.

لكنه يسقط إيران من الحسابات، ويضيف باكستان بدلاً عنها – السعودية مولت البرنامج النووي الباكستاني – كرافد للقوات المسلحة إلى جانب مصر، فمن غير الممكن أن تشتبك السعودية على أكثر من جبهة، لذا تم استخدام مصر وباكستان، من أجل المشروع، الذي يمول ويدار من الرياض.

اليوم عادت السعودية إلى ابتعاث النادي من ركام التاريخ، لتموله، وبشراكة مع مصر التي عادت إلى دورها السابق، القائم على ضرب من تجتمع هذه الدول على إدانته، بحيث يتحد شيخ الخيمة مع مدير السوق، وفق نظرية وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسينجر، التي تقول: إن المنطقة تخضع لسياسة الشيخ الغني القابع في خيمته (السعودية) وصاحب السوق الجالس في مكتبه (مصر) منتظرًا رضى شيخ الخيمة وأمواله.

وما زالت أمريكا والدول الغربية إلى جانب بعض الدول العربية تزود المشاركين بالأسلحة والمعدات الفنية والوسائل التكنولوجية والمعلومات الاستخبارية، لمحاربة من يقع عليهم الاختيار.

وما زالت إسرائيل تتحين الفرص لجني المزيد من المرابح، فمن ليبيا، إلى مصر فالبحرين، ومن العراق، إلى سوريا، إلى مالي، إلى اليمن إلى لبنان.

عمل الحلف الجديد بأسلوب متناسق، وضرب كل من اعتبر تهديدًا له ولأنظمته، تنسيق اعتمد رؤية واحدة اعتبرت دستورًا مقدسًا، لابد من تطبيقه، لأن القول بغير ذلك يعني سقوط  الدول في أتون مشاكل كبرى تقود لاحقـًا إلى انهيارها، وهذا ما لا تريده الأنظمة أن يحصل.

فهل نشهد قريبًا فشل النادي الجديد، وتساقط قادته واغتيالهم، كما حصل سابقـًا، عندما أسقط شاه إيران محمد رضا بلهوي، واغتيال أنور السادات مثلاً.

هل نرى إسرائيل وهي تقف موقف المتفرج السعيد، الذي ينتنظر الفوز بالجائزة الكبرى!

بعدما اعتمدت السعودية وصفة جون بولتن للمنطقة والمنظمات التي تم تخليقها بيد أنظمتها، دون النظر إلى المنظمات التي خلقت ومولت ودعمت بكل احتياجاتها، من قبل قادة الحلف، فالمنظمات الإرهابية كانت ومازالت تابعة لأجهزة المخابرات في تلك الدول، لكونها تعتقد أن وجودها ضروري لدعم استمراريتها، وعنصر أساس يمكن استخدامها في سياستهم الخارجية، للتغطية على أفعالهم الحقيقية التي استباحت الشعوب قتلاً وتشريدًا، ودمرت الدول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد