منذ سنوات طويلة والمشاكل التي تحيط بالمجتمع السعودي من كل النواحي تستفحل بشكل لافت، حتى أصبحت عائقًا كبيرًا أمام تقدّم البلد وتطوّره بالشكل الذي يأمله المواطن، ونتيجة انعدام الحلول العملية لها؛ غدونا في دوامة يستحيل الخروج منها طالما أننا نواجه هذه المشاكل بنفس الطرق التقليدية التي أثبتت فشلها بامتياز في السابق.

فمعاناة وهموم الوطن والمواطن على حدٍّ سواء؛ من البطالة والفساد والإسكان وهدر المال العام ومعضلة تنويع مصادر الدخل إلى المشاريع المتعثرة، وغيرها من العناوين العريضة لمشاكل تتراكم  فوق بعضها البعض دون أن تجد لها حلولًا مناسبة، رغم أن قليلا من الإرادة وحسن التخطيط وقليلا من العمل كان بإمكانهما إحداث تغيير ملموس، وحتى مع الأزمة المالية التي عصفت بنا مؤخرًا نتيجة هبوط أسعار النفط، لم نعالج مكامن الخطأ، بل هربنا نحو البحث عن الحلول السهلة المتمثلة برفع الدعم عن الوقود، لسد عجز الميزانية.

جميع هذه الإخفاقات وللأسف لم يتم الوقوف عليها لمعالجتها ومنع تكرار حدوثها، والسبب هو غياب الرقيب الحقيقي الذي يردع المقصّر ويحاسب الفاسد، فمجلس الشورى لدينا، منذ تأسيسه وهو بعيد عن هموم المواطن كونه مجلسًا معيّنًا لم يأتِ بإرادة الناخب، فضلًا عن أنه بلا صلاحيات تمكّنه من أداء دوره، كما هو الحال مع البرلمانات في الدول الأخرى.

هذا الأمر ترك المواطن يواجه مشكلاته وحيدًا؛ فوقف حائرًا أمامها، ولا يعرف كيف يتعامل معها، فلم يجد طريقةً لمواجهتها غير الهرب منها، مما أوقعه في دوامة كبيرة من المشاكل، فالهروب من مواجهة المشكلة يعتبر بحد ذاته مشكلة، لذلك قبل أن نغرق في مزيدٍ من المشاكل علينا أن نجد طرقًا عملية تساعدنا في معالجتها أو على الأقل التخفيف منها.

قبل سنوات قليلة أطلقت شريحة ليست بالقليلة من المثقفين والناشطين ومن خلفهم عامة المواطنين، حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تُطالب باستبدال مجلس الشورى الحالي بـ(مجلس شورى منتخب) بصلاحيات واسعة تشريعية تمكّنه من دراسة ومعالجة المشكلات التي يواجهها المجتمع، لكن هذه الدعوات لم تلقَ آذانًا مصغية حتى اليوم، ومتوقّع أنها لن تلقى قبولًا على المدى المنظور.

وأمام هذا الإصرار على عدم تحويله من (معيّن) إلى (منتخب)، يمكن لرجالات المجتمع والذين يؤمنون بأهمية فعل شيء ما؛ لتحريك المياه الركدة، أن يُؤسسوا “برلمانًا سعوديًّا (افتراضيًّا)” في تويتر، يقول صراحةً للوزير الفاشل: (أنت فاشل) وللمسؤول السارق: (أنت سارق).

لن أناقش الآلية والكيفية التي يتشكّل أو يدار فيها (البرلمان السعودي الافتراضي) لأن ذلك يطول، لذلك سأتركه إلى الوقت الذي تجد فيه هذه الفكرة قبولًا، لكن لو أخذ رجالات المجتمع – المؤثرون في مجتمع تويتر – دورهم وتحمّلوا مسؤولياتهم تجاه وطنهم ومواطنيهم، وشرعوا بإنشاء هذا البرلمان “الافتراضي”، فإنه حتمًا سيجذب أعضاء “منضبطين” وخاضعين للمصلحة الوطنية العليا، بثقافات متنوعة وطاقات متفاوتة وأعمار مختلفة، يأخذون على عاتقهم تشريع قوانين تتناغم مع الواقع الذي نعيشه، ومناقشة القضايا التي تلامس هموم المواطن وتقديم الحلول العملية لها، ثم يرسلونها للحكومة للأخذ بها.. فإنْ وُلد هذا البرلمان أضمن أنه سيكون سيفًا مسلّطًا على رقاب الفاسدين حتى وإنْ لم تأخذ الحكومة بتوصياته.

وما يُشجّع على إطلاق “برلمان سعودي افتراضي” على تويتر، هو حجم تأثير مجتمع تويتر في السعودية، فكم فجّر من قضايا “مسكوت عنها”؟ وكم من وزير فاشل أقاله؟ وكم من مسؤول فاسد أجبره على ترك منصبه؟! وكم من قرار لا يصبّ في مصلحة المواطن اُجبرت الحكومة على العدول عنه استجابة لضغط هذا المجتمع؟! باختصار “تويتر” لعب الدور الذي كان يفترض أن يلعبه مجلس الشورى.

ولا ننسى أنه يمكننا من خلال (البرلمان السعودي الافتراضي) أن نُثبت لمن هم في مركز صناعة القرار أن الشعب السعودي رجالًا ونساءً؛ مهيؤون بشكل كافٍ للديمقراطية؛ عكس ما يروّج له بعض مَن يُسمّون أنفسهم “نُخب المجتمع” بأن السعوديين لا يعرفون مصلحتهم وأنهم غير مهيئين للديمقراطية.

بقي أن نقول؛ المشاكل التي نعاني منها مهما تغوّلت، يبقى تقليصها والتخفيف من حجمها الذي بات اليوم خطيرًا “ممكنًا”، لكن الاستمرار في التعامل مع هذه المشاكل بالطرق التقليدية التي عهدناها لن يُحدث تقدمًا لخطوة واحدة في حلها والتخلص منها، وسيبقى المجتمع يئن تحت وطأتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعودية
عرض التعليقات
تحميل المزيد