الجزء الثالث

 

” إن رأي أي إنسان في أية قضية لا يمكن أن يكون أفضل من نوع المعلومات التي تقدم إليه في شأنها”. آرثر سالزبورجر

 

 

 

 

هذا هو الجزء الثالث من مقالي البحثي عن السياسة الخارجية السعودية وقد بدأت بحثي في الجزء الأول بالحديث بإسهاب عن العوامل الداخلية والعائلية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في تفكير صانع القرار السعودي (من وجهة نظري)،

 

 

 

 

 

 

ثم انتقلت إلى الأسباب الاقليمية وتناولت علاقة المملكة مع كل من مصر وسوريا والعراق، وفي الجزء الثاني أكملت بقية الحديث عن علاقة السعودية ببقية القوى الإقليمية المهمة، وتحدثت عن علاقة السعودية وإيران منذ نشأة العلاقة وتوقفت عند قيام الثورة الإسلامية في إيران وإسقاط نظام الشاه (محمد رضا بهلوي)

 

 

 

 

 

وهذا هو الجزء الثالث وفيه أُكمل الحديث عن علاقة إيران والسعودية بدءًا من قيام الثورة الإسلامية في إيران وحتى اليوم. وقبل أن أبدأ أحب أن أسرد بعض الملاحظات:

 

 

 

 

 

 

 

إنه منذ أن نُشر الجزء الأول من المقال في مجلة الوعي العربي وأنا القي هجومًا، ولكن بمجرد نشر الجزء الثاني بمجلة ساسة بوست وجدت الهجوم يزيد عما توقعته بكثير، والهجوم لا ينقد أو ينتقد المقال لا في بنيته العلمية أو المعلوماتية ولا حتى في أسلوب الكاتب، ولكن هو هجوم على شخصي الضعيف، يبدأ باتهامي بالعمالة لإيران!

 

 

 

 

 

وينتهي بسبي بأفظع السباب وأقذر الشتائم، ولم أتضايق لأنني كنت أتوقع ذلك، وكنت دائمًا أذكر نفسي بيت الشعر القائل:

 

 

 

 

 

 

 

هنيئاً مريئاً غير دائي مخامر           لعزة من أعراضنا ما استحلت

يكلفها الغيران شتمي وما بها         هواني ولكن للمليك استذلت.(1)

 

 

 

 

 

ولكن ما  أزعجني هو أن غيري قد ناله من سهام الحقد من أحد المسوخ الذين لا يجيدون سوى الشتائم والسباب ورمي التهم، وما زاد في حزني أن من ناله أحد تلك السهام هي فتاة من زميلاتي كل ذنبها أنها قرأت المقال وعلقت عليه فكان أن نالها سهم مسموم، زميلتي العزيزة (داليا صبري) ذات الحس المرهف التي أعتذر لها عما نالته من شتائم قذرة تشبه من أطلقها بسب تعليقها على مقالي الماضي .

 

 

 

 

 

 

إلا أن (داليا ) لم تصمت وكان رأيها “أن هؤلاء الشتامين هم مجرد بسكلتات! في القرية يركبها كل عمدة بأمواله! وهؤلاء – في رأيها – شواذ في تفكيرهم وانفعالاتهم يحكون أجسادهم على أسوار الشرفاء علهم يهدؤون”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وأزيد – وأرجو ألا يكون ذلك تزيدًا- بأن بعضهم – وبعضهم هذا كثير-  وهو فوق كل ذلك مسلح بسلاح بتار وهو سلاح المال قادر على تحريك من يريد بعطية هنا أو منحة هناك ومن يحرك هؤلاء يريد أن يجعل من المملكة السعودية وسياستها ورجالها  (تابو) ممنوع الاقتراب منه إلا بالمديح والثناء على ولي النعم شاكرين له فضله حامدين له عطاياه، داعين له بعمر مديد ومتقبلين منه ومن أنجاله كل شيء يفعله أوليس هو خادم الحرمين؟

 

 

 

 

 

 

 

  • إن عددًا من الأصدقاء قد همسوا في أذني بعد أن قرءوا الجزء الثاني من المقال بأن بنية المقال زاد فيها السرد التاريخي عن التحليل السياسي، ولعلي أقول بأن ذلك حدث لسببين:

 

 

 

 

 

 

 

 

الأول – وهو أنني مؤمن بمقولة مؤسس جريدة النيورك تايمز (ارثرسالزبورجر): ” إن رأي أي إنسان في أية قضية لا يمكن أن يكون أفضل من نوع المعلومات التي تقدم إليه في شأنها “.

 

 

 

 

 

 

 

الثاني – أنني من أجل أن أقوم بالتحليل لابد وأن أستند إلى معلومات شبه موثقة على أقل تقدير، ومع كل أسف فإن المراجع العربية لم تخرج عن السرد التاريخي لهذه الفترة، وكل المراجع التي تحوي على معلومات مستقاة من الوثائق الأمريكية التي عثر عليها الطلاب الإيرانيون الذين اقتحموا السفارة الأمريكية في طهران عقب الثورة الإسلامية في إيران هي مراجع إيرانية ولهذ تحفظت في الأخذ بها، والاعتماد عليها في التحليل.

 

 

 

 

 

 

 

  • إن ما أكتبه هو رأيي الشخصي ولم أطلب من أحد الاقتناع به أو أفرضه على أحد، والأمر كله كما أسلفت سابقـًا متروك للقارئ فله أن يقتنع أو لا يقتنع، وأكون شاكرًا له في الحالتين.

 

 

 

 

 

 

  • إن المعلومات الواردة بمقالي أسوق مصدرها بنهاية هذا المقال.

 

 

 

 

 

 

 

 

” إن موجة الخمينية في إيران جعلت المسلمين أشد أصولية، والمسحيين أكثر صليبية والشرق الأوسط لم يعد صراعًا بين الرجال ولكنه أصبح حربًا بين الآلهة.”

 

 

 

 

 

 

 

 

(إلياس سركسيس رئيس لبنان) (2)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العلاقات الإيرانية السعودية بعد قيام الثورة الإسلامية: إن من أهم السمات التي ساهمت في تكوين الشخصية القومية الإيرانية عبر تاريخها النزعة الإمبراطورية التوسعية، ومن ثم فإن الحفاظ عليها مرتبط باستمرار بالتوسع الخارجي وهى صفه يصفها الكاتب الايرانى (رمزانى) أنها تمثل نوعًا من “القومية العدوانية” مما يجعلها تميل إلى اتخاذ الهيمنة خاصة في الخليج العربي الذي تراه إيران بكل أنظمتها المختلفة بحيرة فارسية،

 

 

 

 

 

 

 

 

واستمرت هذه الصفة حتى الإطاحة بنظام الشاة وقيام الثورة الإسلامية الإيرانية في يناير 1979(3)، فأيديولوجيا الثورة أيديولوجيا عابرة للقوميات أي أنها تتعدى الحدود الجغرافية والثقافية للشعوب مستندة في ذلك على الدين، كما أصبحت تعتبر نفسها حامية الشيعة في كل البلدان خاصة الخليجية، وهو ما ظهر في الاتهامات التي أصبحت القيادة الإيرانية بعد الثورة توجهًا لحكومات هذه البلدان بأنها تمارس الاضطهاد السياسي ضد الطائفة الشيعية(4)،

 

 

 

 

 

 

 

 

إن قيام الثورة الإيرانية في حد ذاتها تهديدًا شرعيًا للنظام السعودي الحاكم؛ فالنظام القائم في إيران ليس نظامًا جمهوريًا يقتصر تهديده للنظام السياسي الحاكم في الرياض كنظام ملكي محافظ فحسب، بل إنه نظام يرفع شعار الإسلام الثوري ويسعى إلى تصديره ويتزعم الأقليات الشيعية في السعودية ويدعو تلك الأقليات إلى الثورة ضد تلك الأنظمة وإسقاطها، فقد دعا الخميني إلى إسلام عالمي مشحون بشحنة سياسية عالية “وحرض المستضعفون ضد المستكبرين” وزاد على ذلك اتهام الثورة الإيرانية للسعودية (أنها الوكيل الرئيسي والحصري للولايات المتحدة الأمريكية) الشيطان الأكبر في نظر (الخميني)).

 

 

 

 

 

 

 

 

ولعل المفارقة أن كلاً من  السعودية والنظام الإسلامي الثوري  يُقيما شرعيتها السياسية على أساس ديني؛ فالسعودية قبل النفط وبعده حارسة للمؤسسات الإسلامية تحت لقب (خادم الحرمين) (5) ولعل من المفيد التوقف لنعرف أصل هذا المسمى:

 

 

 

 

 

 

 

 

إن لهذا اللقب قصة طويلة  تؤكد ارتباطه بفكرة الخلافة ذلك أنه في القرن الثالث عشر، وعندما اجتاح التتار بغداد وقتلوا الخليفة (المستعصم بالله) كان الظن أن الخلافة انتهت، لكن سلاطين المماليك في مصر أرادوا إضفاء الشرعية على حكمهم ومن ثم قرر (الظاهر بيبرس) أن يستعين بمن يستطيع العثور عليه من سلالة الخلفاء،

 

 

 

 

 

 

 

وقد وجد بغيته في رجل استطاع أن يثبت نسبه إلى آخر الخلفاء (الخليفة المستعصم بالله) ومن ثم بايعه في القاهرة تحت اسم الخليفة (المستنصر بالله) وبعد البيعة قام الخليفة الجديد بتقليد (الظاهر بيبرس) سلطنة البلاد الإسلامية وظلت الخلافة على هذا النحو حتى جاء الغزو العثماني ودخل السلطان (سليم) إلى القاهرة منتصرًا على السلطان (الغوري) وعلى صديقه الخليفة المتوكل،

 

 

 

 

 

 

 

 

وكانت فكرة الخلافة قد راودت السلطان (سليم) بعد سيطرة جيوشه على معظم العالم العربي. وقد وجد أن أسرته التي دان لها حكم العالم الاسلامى أحق بالخلافة من غيرها، ولكن مشكلتها أنها لا تستطيع أن تنسب نفسها إلى رسول الله  وهكذا رأى السلطان سليم أن يكون نسبه إلى الحرمين الشريفين وظل هذا اللقب مع أسرته حتى انتهوا وانتهت معهم الخلافة وظهر الفراغ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي الصراع بين الهاشميين والسعوديين كان في استطاعة الشريف حسين وأولاده أن ينسبوا أنفسهم إلى الرسول وكان على السعوديين عندما واتهم الظروف أن يختاروا البديل العثماني وهو خدمة الحرمين الشريفين نسبًا وقربى( 6).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وعلى الرغم من تماثل الشرعيتين للدولتين كان من المفترض أن يكون عاملاً من عوامل التقريب بين الدولتين إلا أنه أنتج بالتحديد الأثر العكسي تمامًا فلا المحتوى (الراديكالي) للأيديولوجيا الإيرانية كان موضع ارتياح السعودية ولا هجوم الثورة الإيرانية على النظام الملكي كان يرضيها ولا ثنائية الخميني (المستكبرون والمستضعفون) كانت تتفق مع التزاماتها الدولية وشبكة علاقاتها الخارجية وبالتالي دخلت السعودية وإيران منذ اللحظة الأولى للثورة في صراع على مصدر الشرعية(7)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تطور بعد ذلك إلى حرب تكسير عظام وأمام كل هذه الأخطار من وجهة النظر السعودية قامت السعودية باتباع مجموعة من السياسات التي رأتها توفر لها الحماية من أتون الثورة الإيرانية  المنطلقة من فم الخميني من طهران! وهذه السياسات هي:

 

 

 

 

 

  • اهتمام الملك فهد منذ توليه الحكم عام 1982 بتعزيز صورته كحاكم مسلم ورع مصمم على تطبيق الشريعة الإسلامية وحماية الأماكن المقدسة، وفي عام 1986 أصدر مرسومًا بعدم استخدام عبارة “جلالته” بل “خادم الحرمين الشريفين” في وقت كانت فيه أزمة الحج مع إيران قد وصلت إلى ذروتها في موسم حج 1987 والذي تحول إلى مأساة راح ضحيته 450 حاجًا بعد اشتباكهم مع قوات الأمن السعودي وقد ظلت تلك الحادثة أحد أسباب التوتر بين البلدين.

 

 

 

 

 

 

 

 

  • القبول بتنسيق عسكري أكبر وعلني مع الولايات المتحدة ودعم الوجود الأمريكي في الخليج وذلك بعد تردي العلاقات السعودية الأمريكية نتيجة اتهام السعودية لأمريكا بالضعف والتردد في حماية الشاه وللإلغاء أمريكا صفقة طائرات للسعودية لرفضها معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.

 

 

 

 

 

 

 

 

  • استخدمت السعودية سياسة نفطية أدت إلى إحداث أضرار مالية فادحة لإيران؛ فقد ترتب على سقوط الشاه وقيام الثورة تراجع في الإنتاج النفطي الإيراني من 6مليون برميل يوميًا إلى 2مليون برميل يوميًا وهنا لجأت السعودية إلى سياسة إغراق السوق بالنفط بكميات كبيرة مما أدى إلى انخفاض أسعار النفط وهذا جعل إيران تخسر كثيرًا في وقت كان فيه اقتصادها يعاني معاناة شديدة للغاية

 

 

 

 

 

 

“وربما تموت الأفاعي من سموم العقارب”.

 

 

 

 

 

 

الملك خالد

 

حينما انطلقت الحرب العراقية الإيرانية جلس الملك (خالد) يناقش مع مساعديه مسار الحرب والملك يستمع وبعد مدة  هز الملك خالد رأسه وتمتم بنصف بيت شعر عربي قديم يقول: “وربما تموت الأفاعي من سموم العقارب” وكانت تلك هي سياسة السعودية في الحرب العراقية الإيرانية.(8) فقيام هذه الحرب كانت مكسبًا للسعودية وأصدقائها في الغرب لعدة أسباب:

 

 

 

 

 

 

  • إن انشغال الدولتين الكبيرتين (العراق وإيران) في حربهما سوف تشغلهما معًا عن مناكفة السعودية.

 

 

 

 

 

  • إن أمريكا تركت في إيران قبل الثورة مخزونات هائلة من السلاح قدمتها للشاه عندما عهدت إليه بدور رجل البوليس في المنطقة وبقيام الثورة في إيران أصبح هذا السلاح عنصر قلق وتهديد لدول الخليج والسعودية في المقدمة، وبقيام الحرب بين العراق وإيران فإن هذا المخزون من السلاح سوف يُستنزف وتلك مصلحة خليجية إقليمية ودولية.

 

 

 

 

  • إن تقدير السعودية وحلفائها أن دخول إيران في حرب على نطاق واسع سوف يجعل الثورة الإسلامية مضطرة للاعتماد على الجيش الايرانى النظامي مما يؤدي إلى أن الجيش حينما يكون له دور رئيسي في الحرب تدعو ضرورتها للاعتماد عليه سوف يجعله أقوي من الثورة، وبالتالي فإنه قد يصبح في يوم من الأيام قادرًا على الاستيلاء على سلطة الدولة نفسها.(9 )

 

 

 

 

 

 

وقد قامت السعودية وحدها بمساعدة العراق بأكثر من(30مليار دولار) بل إن السعودية قطعت العلاقات مع إيران في أبريل 1988 وحينما انتهت الحرب كانت السعودية في الصف العراقي لكن الأمر تحول بعد قيام العراق بغزو الكويت في 2 أغسطس 1990 وتأييد إيران للخطوات التي اتخذت من جانب أمريكا وحلفائها ضد العراق فساعد ذلك الموقف على حلحلة  وقتية للعلاقة السعودية الإيرانية فأعادت السعودية العلاقة مع إيران وظلت العلاقات في حالة شد وجذب طوال السنوات العشرين الأخيرة تنفرج العلاقة مع الرئيس الإيراني (محمد خاتمي) الإصلاحي إلا أنها تعود للشد من جديد مع تولى الرئيس الإيراني (أحمدي نجاد) المحافظ  حتى وصلنا إلى تلك الفترة التي شهدت عددًا من المتغيرات الداخلية للدولتين والإقليمية والدولية.(10)

 

 

 

 

 

 

 

“لو أن هناك أحدًا يتحكم في الاقتصاد والإعلام والسلاح ويشارك في السياسة، ولو كان أبو ذر الغفاري أو سلمان الفارسي لفسد”.

 

 

 

 

 

 

الرئيس حسن روحاني منتقدًا الحرس الثوري

 

المتغيرات الداخلية في إيران: إن إيران ومنذ قيام الثورة الإسلامية فيها تشبه الرجل الذي واجه خطرًا وكان سبيله للنجاة من هذا الخطر هو الركض بعيدًا عن هذا الخطر، ومن يومها أي منذ انطلاق الثورة في إيران وحتى يومنا هذا والشعب الإيراني يجري ويركض بكل قوة خلف قيادته وبالتأكيد أنه قد تعب وقد ظهر عليه الإرهاق والتعب بل إن بعض المحللين يرون أن إيران تكاد تسقط من الإعياء(12) وهذا الإعياء قد ظهر في اقتصاد متصدع نتيجة العقوبات الغربية  ضد إيران منذ اندلاع الثورة الإسلامية وحتى اليوم ومشاكل طائفية وعرقية بل دينية (مشكلة البلوش والأحواز)، وصراعات داخل أجنحة الدولة والسلطة تبدأ وتنتهي مع الحرس الثوري الذي يعتبر دولة داخل الدولة في إيران،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يزيد على ذلك الصراع بين معسكر المعتدلين الذين بدوا يتحدثون بصوت يتعالى فترات ويخبو فترات عن السلطة المطلقة للمرشد ومدى قابلية استمرار الدولة بهذا النظام ومعسكر المتشددين الرافض حتى مجرد طرح الموضوع من الأساس،

 

 

 

 

 

 

 

بالإضافة إلى ظهور أمراض اجتماعية داخل المجتمع الإيراني لم تكن موجودة من قبل مثل ضعف القواعد الأخلاقية وزيادة نسبة الإدمان وزيادة البطالة بصورة يحذر منها كثيرون، والقتل العائلي الذي بلغ نسبة 33% من نسب القتل في إيران،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بالإضافة إلى تزايد النساء الداخلين إلى سوق الدعارة في مجتمع يتحدث عن الشريعة الإسلامية ويقدم نفسه دائمًا بصورة المجتمع المتطهر من كل الأخطاء والخطايا! وأضف إلى ذلك ضعف مخرجات التعليم،

 

 

 

 

 

 

 

بالإضافة إلى المشاكل الموجودة لدى كافة بلدان العالم مثل الفساد، المحسوبية، نقص الكفاءة في الإدارة، إلخ – يلحق بذلك الصراعات الإقليمية والدولية التي بدأت منذ بداية الثورة الإسلامية في الحكم، كل ذلك يمثل أعباء وضغوطات على صانع القرار الإيراني،

 

 

 

 

 

 

وذلك ما استشعرته القيادة الإيرانية وكان هو ما دفعها إلى الذهاب إلى المفاوضات النووية مع القوى الغربية والتعاطي بإيجابية في حدود ثوابت الدولة مع المفاوض الغربي.(13)

 

 

 

 

 

“ابتعدوا عن السياسة حتى لا تكون فتنة ويتفرغ كل منكم لنشاطه الخاص، فهو أجلب للمنفعة.” الملك فيصل لأفراد أسرته.

 

 

 

 

 

المتغيرات الداخلية في السعودية: إن أسرة الملك عبد العزيز وبسبب زيجاته الكثيرة تخطت مبررها الرسمي! – من وسيلة لربط القبائل بشخص الملك عن طريق النسب لتصبح بسرعة الإنجاب قبيلة كاملة جديدة تزيد على سبعة آلاف من الأمراء أخوة وأبناء وأحفاد، ومن الطبيعي أن كل فرد من هؤلاء يعتبر نفسه صاحب حق مقدس في جزء من السلطة في المملكة، وأهم من ذلك جزاء من ثروتها النفطية أيضًا،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ومع تعدد فروع العائلات بصلات المصاهرة ثم بالمنافسة الإنسانية بين هذه  الفروع؛ فقد كان من الممكن أن تنشأ مشاكل ضخمة وكان الحل التوفيقي الذي ارتآه الملك (فيصل) هو أن يظل القرار السياسي مقصورًا على الملك والقريبين منه، وينشغل الباقون بعيدًا، وكان رأيه كما قال لكل أفراد أسرته (أن يبتعدوا عن السياسة حتى لا تكون فتنة ويتفرغ كل منهم لنشاطه الخاص، فهو أجلب للمنفعة).

 

 

 

 

 

 

 

 

وهكذا دخل الأمراء من آل سعود إلى مجالات المال والأعمال ومقاولات الإنشاء وصفقات الاستيراد من السلاح إلى العطور، وكان أن تحولت نصيحة الملك إلى ترخيص وأفلت العيار. ( 14)

 

 

 

 

 

 

 

وترجمة ذلك اليوم: أن المُلك حينما انتقل من الملك ( فهد) وهو من السدرين (نسبة إلى قبيلة السديرى) إلى الملك (عبد الله) وهو الذي ينتمى لفرع من الأسرة تمتد أمومته القبلية إلى شمال نجد (منطقة حايل) لم ينتقل سلسًا كما روج لذلك الإعلام السعودي، بل  كان ذلك زلزلاً بجسم الأسرة السعودية ذاتها أحدث شروخًا بدا بعضها عصيًا على الترميم وتصدعات بدت ظاهره للعيان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ولعل الكراهية بين أفراد الأسرة لم تكن خافية على أحد؛ فقد أنشأ عبد الله  مجلس البيعة في 2006 ونظريًا فإنه سوف يختار ولي العهد التالي. ورغم أن الغرض الأسمى للهيئة هو صياغة نظام الخلافة رسميًا إلا أن إنشاءها كان ذا سياق سياسي مهم؛ إذ كان يمثل محاولة من جانب الملك عبد الله لتطويق من يسمون بالسديريين السبعة، وهم أكبر مجموعة من الإخوة الأشقاء بين أكثر من ثلاثين ابنًا لابن سعود مؤسس المملكة الذين سيطروا على الحكومة في الأربعين عامًا الماضية. وفي الحقيقة لم تكن هناك محبة بين عبد الله وإخوانه بالسديريين غير الأشقاء وتحديدًا الملك فهد (الذي مات في 2005).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وقد حاول الملك عبد الله أن يورث ابنه الأمير (متعب) الذي عينه قائد الحرس الوطني العرش بعد الأمير (مقرن) الذي جعله لأول مرة وليًا لولي العهد واشترط عدم تغيير الرجل حتى بعد موته، ولكن بعد موته ومجيء (سلمان) ملكًا كان أول شيء فعله هو تنحية (مقرن) بانقلاب أبيض وتعيين (محمد بن نايف) الذي كان يرأس منصب وزير الداخلية وليًا للعهد وتعيين نجل سلمان الأصغر (محمد) في مفاجأة كبرى وليًا لولي العهد.

 

 

 

 

 

 

 

ورغم أن تلك التغيرات قوبلت بالرفض من قبل عدد من الأمراء من داخل الأسرة مثل الأمير (طلال) ونجله الملياردير (الوليد)، إلا أن التغيرات قد مضت في طريقها المرسوم سلفـًا. وبمجيء (محمد بن سلمان) وليًا لولي العهد وهو المقرب وذو حظوة عند والده كما يشاع، وتأكد من خلال إطلاق يد الشاب في كافة أمور الدولة مثل سيطرته على أهم مورد للبلاد وهو النفط، بالإضافة إلى السيطرة على أهم قوة في البلاد وهو الجيش (بوصفه وزيرًا للدفاع بجانب ولايته لولي العهد) أصبح الرجل كقيصر في روما!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وظهرت داخل الأسرة صيحات الاعتراض والرفض، بعضها مكتوم وبعضها قد خرج إلى العلن رغم محاولات النظام كتمها، والصيحات من فريقين – الكبار ومنطقهم: “أن الأمير الشاب الذي ليس لديه أية خبرة في إدارة أي شيء  قد جر البلاد إلى حروب عسكرية في اليمن (وهي حرب ذات طابع إقليمي دولي) وأكمل ما بدأه من قبله في سوريا بفشل، واقتصادية نفطية مع قوى كبرى (كروسيا)  و(إيران) (مما أدى إلى هبوط سعر النفط إلى أدنى مستوى وهو مصدر الدخل الأول في البلاد) ثم الأهم أنه قد غير مسار سياسة البلاد الخارجية من دولة وقورة إلى دولة مغامرة!” – وشباب الأسرة  يضيفون إلى مقالة شيوخ الأسرة:

 

 

 

 

 

 

 

 

“أننا أيضًا من حقنا أن نحصل على فرصة في إدارة الأمور في البلاد ونحن منا من يفوق الأمير الصغير علمًا وعملاً وخبرةً”.(16) أي أن الوضع داخل الأسرة الحاكمة ليس على مايرام كما يروج له في الإعلام السعودي مقروء ومسموع ومرئي! والمال السعودي المنهمر على الإعلام له هدف تكوين قدرة نفاذ سياسي وإعلامي قادر على فرض الكلام وعلى فرض الصمت أيضًا على اتساع العالم العربي وخارجه كذلك!(17)

 

 

 

 

 

 

 

أي أن الصراع داخل الأسرة صار مثل البالون الذي يمتلئ كل يوم ولا أحد يعلم متى سينفجر، وذلك وضع يجعل صانع القرار السعودي عصبيًا (يريد إثبات خطأ كل المشككين فيه! وفي سياسته! وفي قدراته بل في  شخصيته! وشخصه أيضًا!).

 

 

 

 

 

 

 

بالإضافة إلى ذلك فإن القيادة السعودية باتت ترى الأخطار الداخلية محدقة بها من كل جانب وخصوصًا بعد موجة الربيع العربي في كلاً من تونس ومصر ولبيا واليمن، ومن المؤكد أن السعودية لم تكن تؤيد أيًا من تلك الثورات، بل عادتها من أول دقيقة إن لم يكن بالعلن، ففي السر وإن لم يكن بالتصريح فبالتلميح، وإن لم يكن بالعمل المباشر فبالعمل الخفي الذي يبدأ بانهمار الأموال ولا ينتهي بأعمال المخابرات واستخدام الدعاية السوداء في التشويه! ( فهي التي استضافت بن علي بعد هروبه من تونس، وهي من وقفت مع مبارك حتى آخر لحظة في مصر، وهي من أصرت على خروج مشرف لعلي عبد الله صالح في اليمن دون أية محاسبة للرجل أو لأحد من زمرته!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قبل أن تعود وتنقلب عليه معلنة الحرب عليه وعلى كل من يقف في صفه!) لأنها رأت أن تلك الثورات مهددة لوضعها الداخلي، ولأن تلك الثورات ستكون مثالاً أمام الشعب السعودي وخصوصًا الشباب منهم في قدرة الجماهير على إسقاط الأنظمة أو بالحد الأدنى على إرغام الأنظمة على الركوع والتسليم بمطالب تلك الجماهير.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وزادت المشكلة تفاقمًا بعد هبوط أسعار النفط مما جعل من الضروري فرض نوع من التقشف أو السحب على المكشوف من الاحتياطات المالية بالخارج وخصوصًا أثناء حرب الخليج 1990 وبعدها ويعد المال هو وسيلة النظام السعودي الأولى في محاولة إسكات الأصوات (في الداخل والخارج) المطالبة بالإصلاح أو شرائها قبل استخدام العنف والشدة والتهديد بالثبور وعظائم الأمور وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!

 

 

 

 

 

 

 

ومعنى تدني الأسعار قلة الأموال الممنوحة وبالتالي ستثار أسئلة عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر:

 

 

 

 

 

 

 

من الذي بدد الثروة السعودية؟ من الذي استفاد بتلك الثروة الضخمة؟

 

 

 

 

 

 

من المتسبب في هذه الأزمة؟ أين كان حكام المملكة والثروة تنهب وتبدد؟

 

 

 

 

 

 

 

 

أسئلة تحرج وتجرح الأسرة في المملكة لأنها ستظهرهم إما أنهم مجموعة من اللصوص الفاسدين أو مجموعة من الأمراء الهبل الذين يضحك عليهم الجميع ويسرقهم الجميع وينصب عليهم الجميع ويبتزهم الجميع!.

 

 

 

 

 

 

 

وجاء ذلك كله مع ما هو مألوف من فضائح للأمراء السعوديين في النوادي الليلية في باريس ولندن وواشنطن، وصرفهم آلاف الدولارات تحت أقدام البغايا وعلى موائد القمار في تلك الدول، واستجد عليه صراع عدد من الأمراء الشباب على صفقات تجارية نتج عنه نوع من الجرائم السياسية والجنائية معًا التي تُرى ولا يستطيع أن يتحدث عنها أحد،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ومثال ذلك ما نشرته جريدة نيويورك تايمز” عن واقعة خطف الأمير محمد بن فهد في بريطانيا، وقيل إن الأمر صدر من ولي العهد محمد بن سلمان لخلافات بينهم وما زال التحقيق جاريًا في الأمر من قبل السلطات البريطانية”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أي أننا أمام عصابة أو بالكثير أمام أسرة  تشبه أسرة آل كابونى الإجرامية، وليس أسرة سياسية حاكمة ممن كانوا في العصور الوسطى في أوروبا!

 

 

 

 

 

 

 

 

كل ذلك يتفاعل مع المشكلة المزمنة للمنطقة الشرقية وهى موطن البترول (أي الثروة) التي يسكنها أغلبية شيعية يتم قهرهم قهرًا عنيفًا كل يوم لمنعهم من المطالبة بحقوقهم مع إصرار الأسرة الحاكمة في السعودية بنفي وجود أية مشكلة وأن كل هذه دعايات سوداء تطلقها وتغذيها إيران!

 

 

 

 

 

 

 

أضف إلى كل ذلك وجود المشاكل المزمنة لكل الدول العربية، ومنها السعودية بالطبع، مثل البيروقراطية والفساد والمحسوبية وسوء التخطيط إلى آخر القاموس. وكل ذلك عنصر ضاغط آخر على أعصاب القيادة السعودية في اتخاذ القرارات؛ لأنه موضع انكشاف خطير لا تستطيع المملكة تغطيته لا بالمساحيق الإعلامية ولا بأقمشة الحرير أو قلائد الحديد وأموال الذهب الأسود.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المتغيرات الاقليمية: لعل حالة الإقليم تُفزع كل دول المنطقة وعلى رأسها السعودية المعروفة بالمحافظة فالمنطقة بها تغيرات عنيفة تشبه الزلازل، وتأتي على رأس تلك المتغيرات موجة الربيع العربي، بالإضافة إلى حالة السخط لدى كافة جماهير المنطقة مع عدم وجود مشروع يمثله شخص قادر على أن يلهم أو يقود مما ساعد على زيادة الإحباط لدى جماهير المنطقة وشعوبها، وذلك أكثر ما تخاف منه السعودية وتخشاه فتش عن الثورة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المتغيرات الدولية : لعل أكبر متغير أثر ويؤثر على السياسة الخارجية السعودية هو تغير السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وهذا في رأيي أهم سبب للتصرفات السعودية التي تبدو عصبية في أحيان ومتشنجة في أحيان أخرى ومتخبطة طول الوقت على المستوى الخارجي، فصانع السياسة السعودي لم يعد متيقن من قدرة الولايات المتحدة الأمريكية أو رغبتها في التدخل لحمايته كما كان في السابق، كما حدث في غزو العراق للكويت في 1990.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وهذه النقطة ستكون المحور الأساسي لمقالي القادم عن العلاقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية الماضي والحاضر والمستقبل.

 

 

 

رأى تقية إيران الخفية دار العبيكان.

  • سيمون هند رسون تقرير بمعهد واشنطن في 12 اكتوبر 2011.
  • محمد حسنين هيكل – المقالات اليابانية – دار الشروق – مصر.
  • الخلافة في العربية السعودية جورج كيشمان.

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ديوان المتنبي
محمد حسنين هيكل أوسلوا ما قبلها و ما بعدها دار الشروق.
محمد حسن العيدروس العلاقات العربية الإيرانية – دار الكتاب الحديث 2002.
نفين مسعد- صناعة القرار في إيران والعلاقات العربية – مركز دراسات الوحدة العربية.
عبد المنعم سعيد العرب ودول الجوار الجغرافي العلاقات العربية الإيرانية بيروت مركز دراسات الوحدة العربية 1987.
موسوعة ابن إياس.
جاسم محمد جاسم واقع العلاقة العربية الإيرانية في منطقة الخليج العربي مجلة الخليج العربي المجلد 13 العدد 4 سنة 1981.
سعيد باديب العلاقات السعودية الإيرانية – دار الساقي للنشر والتوزيع بيروت1994.
باكينام الشرقاوي، تأثير الثورة الإيرانية على العلاقات العربية الإيرانية  معهد البحوث والدراسات العربية 1993.
محمد حسنين هيكل حرب الخليج أوهام القوة وأوهام النصر – دار الشروق للنشر.
غسان سلامة السياسة الخارجية السعودية منذ 1945 دراسة في العلاقات الدولية معهد الإنماء العربي.
فاطمة الصمدي تقرير مركز الجزيرة للدراسات بعنوان إيران مجتمع ينوء بثقل مشكلاته
13- فنسان الغريب الدار العربية للعلوم.
14- رأى تقية إيران الخفية دار العبيكان.
15- سيمون هند رسون تقرير بمعهد واشنطن في 12 اكتوبر 2011.
16- محمد حسنين هيكل – المقالات اليابانية – دار الشروق – مصر.
17- الخلافة في العربية السعودية جورج كيشمان.
عرض التعليقات
تحميل المزيد