المراقب للسياسات السعودية عقب غزو العراق 2003، سيلاحظ أنها أشهرت السيف الطائفي لمواجهة المشروع الإيراني في المنطقة، والذي قدمت له الولايات المتحدة بمساعدة سعودية العراق على طبق من ذهب، عملت السعودية على إضعاف النظام العراقي عقب حرب هزيمة العراق 1991 بكل السبل والوسائل بعد أن كان العراق خط الدفاع الأول لمواجهة الثورة الخمينية في إيران التي أرادت أن تطيح بالعراق وكل دول الخليج، كان بإمكان السعودية عمل تفاهمات مع صدام حسين بعد هزيمته، وستكون حتمًا لصالح السعودية ودول الخليج، لكن ألم يكن يعلم راسم السياسة السعودية ما هو بديل البعث في حال إسقاطه؟! أي هاوي سياسة كان سيقرأ نتيجة رحيل البعث وصعود الأحزاب الشيعية الموالية لإيران، وهيمنة إيران على العراق، حتى تركيا البلد القوي وغير العربي كان يدرك ذلك جيدًا، لذلك رفض البرلمان التركي استخدام الأراضي التركية للغزو، لكن يمكن القول أيضا أن موضوع غزو العراق كان أكبر من السعودية، وكل الدول العربية أيضا.

 لا يمكن اتهام إيران بأية حال من الأحوال بأنها ساهمت في إسقاط النظام العراقي، أو شاركت في ذلك؛ لأنها ببساطة لم تكن بحاجة لذلك، ويمكننا القول إن إيران في وقتها قد تحسست خطرا داهما عليها بعد الغزو الأمريكي للعراق، لذلك سارع الرئيس خاتمي آنذاك بالإعلان أن بلاده مستعدة للتعاون مع المجتمع الدولي فيما يخص نشاطاتها النووية، وأنها مستعدة لفتح منشآتها للرقابة، فإيران التي وجدت القوات الأمريكية على حدودها الشرقية في أفغانستان وعلى حدودها الغربية في العراق، هل ينتظر منها أن تتفرج؟ الفرق بين السعودية وإيران، أن إيران تعمل وفق استراتيجية قومية لهيمنة إيران على المنطقة، لذلك توظف أموالها في سبيل ذلك وكل طاقاتها، في حين تبذر السعودية هذه الأموال في سبيل إبقاء آل سعود على كرسي الحكم، وحماية عرشهم المحمي أمريكيًا بعد حرب 1991.

السياسة السعودية في سوريا والعراق ولبنان

كانت الضربة الأولى التي تلقتها السعودية عقب الغزو الأمريكي هي اغتيال رفيق الحريري في لبنان، وهي كانت بمثابة إرهاصة أولى لحرب هيمنة سعودية-إيرانية على المنطقة استخدم فيها الطرفان كل قوتهما المالية والدينية المتمثلة في المذهب في هذه الحرب القذرة التي دفع فيها الشعبان العراقي واللبناني أثمانا باهظة، شهدت لبنان والعراق أعنف الصراعات السعودية-الإيرانية حتى 2011، لتنضم كل من اليمن والبحرين كساحتين جديدتين للصراع، حسمت السعودية الصراع في البحرين سريعا لمصلحتها، فيما العراق ولبنان واليمن تشهد إخفاقات سعودية مدوية وتسجل النقاط تباعا لصالح إيران، يمكن القول إن السعودية تعمل بالمثل الذي يقول (مثل حراثة الجمال)، حيث يمكن للجمل حراثة الأرض، لكنه بثقل أقدامه يعاود الدعس محل الحراثة، وتعود الأرض وكأنها لم تحرث، فلا هي أفلحت في صرف أموالها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، ولا هي أجادت استخدام الطائفية بالحرفية التي تجيدها إيران والتي غالبا ما تكون على شكل مظلومية، كما اليمن والبحرين، أو مقاومة، كما لبنان، أو دفاعا عن مؤسسات الدولة ووحدتها، كما العراق، من يقارن كيف تعامل إيران حلفاءها وترعاهم في الدول المختلفة يعرف مدى الفرق بين السياسات السعودية والإيرانية، يمكن معرفة ذلك من خلال ما قامت به السعودية مع الحريري ومع عبد ربه منصور الرئيس اليمني، وما قامت به الإمارات مع شفيق والذي قد يكون لعبة سياسية تستهدف الشعب المصري بأكمله عبر إعادة شفيق كبطل منقذ لمصر بعد الوضع البائس والمفضوح الذي قاده السيسي.

يمكن مقارنة كيفية تعامل إيران مع حلفائها في اليمن ولبنان والعراق وفلسطين، حيث يعاملون كالملوك، من سمع عن تصنيف إيران لأية منظمة شيعية في العالم العربي والإسلامي كمنظمة إرهابية؟ من سمع عن قصف إيراني لأية منظمة شيعية تعمل في العراق أو سوريا أو غيرها، كتب الأستاذ الموريتاني محمد الشنقيطي أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان في تدوينة له على مدونات الجزيرة مقالا بعنوان: (الحرب السعودية على أهل السنة) ضمن سلسلة مقالات عنوانها أوراق الربيع، حيث كتب حرفيا: و لو كانت القيادة الإيرانية تفكر بمستوى تفكير القيادة السعودية، لرأيت انقلابا عسكريا إيرانيا على الأسد في سوريا، ومذبحة ضد العلويين في اللاذقية بتمويل من إيران، وقصفا إيرانيا همجيا على حزب الله، والحشد الشيعي العراقي، وحربا إيرانية استئصالية ضد الشيعة العراقيين والخليجيين، وتصنيف الحوزات الشيعية منظمات إرهابية! فهل يتصور عاقل أن تنزل إيران الى هذا المستوى من الحماقات التي ترتكب السعودية مثلها ضد القوى الإسلامية السنية في كل أرجاء المنطقة؟!

هناك سياسات سعودية-إماراتية في فلسطين وليبيا ومصر وتونس وسوريا ولبنان واليمن والعراق بحاجة لوقفة، لا أحد يستطيع معرفة المنهجية السياسية التي تحكم دفة توجهاتها السياسية في هذه الجبهات المختلفة، فهي تمارس الشيء ونقيضه في نفس الوقت، تعمل لإسقاط النظام السوري وتمول معارضيه، لكنها تقصفهم وتتهمهم بالإرهاب! تسعى لتقليم أظافر إيران في العراق، لكنها تحشد المجتمع الدولي وتشاركهم بقصف أعداء إيران! وصف الناشط السياسي اللبناني سالم زهران السني المحسوب على خط حزب الله في لبنان السعودية بأنها مثل (الأحول الذي يصوب على خصومه فيصيب أصدقاءه)، أصبح موقف السعودية سخيفا أمام الشعب اللبناني المعارضين لحزب الله قبل مؤيديه، لاسيما وأن تسريبات تتحدث عن استياء كبير للحريري وأنصاره وتيار المستقبل الذي يقوده من السلوك السعودي الأخير معه وابتزازه وتهديده بعائلته، حيث لم ينج الحريري سوى جنسيته الفرنسية، وليس موقعه الاعتباري اللبناني، والموقف الصعب الذي وضع فيه الحريري أمام خصومه، حيث تجلى ذلك في المقابلة الشهيرة التي أجرتها الصحافية بولا يعقوبيان معه، وما ظهر عليه من آثار الإهانة والإعياء والاختناق.

الملف المصري

من أغرب ما قامت به كل من السعودية والإمارات هو تمويل الانقلاب العسكري على مرسي الإخواني الذي أيد علنا مواقف السعودية في أحداث الربيع العربي، وأكد أن أمن الخليج من أمن مصر، من المعروف أن للسعودية أبعادًا نفسية وروحية في النهج السياسي والفكري للإخوان باعتبارها أطهر بقعة إسلامية، وعلى أرضها يحج المسلمون، وفيها قبر النبي، وأصحابه، فضلا عن التحالف غير المعلن بين السعودية والإخوان خلال فترة الصراع الناصري السعودي الذي لم يكن أقل ضراوة من الصراع السعودي الإيراني اليوم، فيما احتوت السعودية سابقا كثيرا من الطلبة الإخوانيين في معاهدها وجامعاتها الدينية، وكثير من رجال الأعمال الإخوانيين الذين كونوا ثروتهم هناك، وجزء منها يعود للجماعة أساسا، تقول المعلومات إن السعودية والإمارات قد ربطت مساعدات وحزم اقتصادية لكل من تونس والأردن والمغرب في مقابل سحق هذه الدول الثلاث لتنظيم الإخوان المسلمين فيها! لا يعلم أحد ما هو الضرر الحاصل أو السابق أو اللاحق لتنظيم الإخوان في هذه الدول وغيرها على الحكم السعودي الإماراتي، لقد أسدت السعودية خدمة كبيرة لخصمها في دمشق عندما أسقطت مرسي، وبدلًا عن أن تكون مصر وجيشها في خدمة الأمن السعودي والمصالح السعودية؛ أدخلتها في أتون حرب داخلية بالكاد تستطيع فيها الالتفات لنفسها، يقال إن السعودية ليست بعيدة عن سد النهضة الذي قد يدمر اقتصاد مصر وزراعتها وثروتها المائية، بات الموقف السوداني أقرب للموقف الأثيوبي، لكن باتت العلاقة السودانية -السعودية علاقة متينة وقوية مؤخرا، فيما تتمتع السعودية بعلاقة قوية مع إثيوبيا أيضا!

الدول الخليجية

لا تقتصر الأزمة الخليجية على حصار قطر فحسب، هناك توترات خفية ومخاوف في كل من سلطنة عمان ودولة الكويت، بان ذلك جليا عقب زيارة أوردوغان الأخيرة لدولة الكويت، حيث كانت رسالة كويتية للسعودية عن خطورة اللعبة السياسية التي تديرها السعودية في الخليج، لربما تحمل دلالة معناها أن ليس أمريكا فقط، ففي حال باعتنا الإدارة الأمريكية بملياراتكم، فهناك بديل جاهز هي تركيا، على غرار ما قامت به قطر التي تعد دولة صغيرة بحجم الكويت، أما سلطنة عمان فهي أساسا غير موافقة على السياسات السعودية في سوريا ولبنان والعراق وحربها الأخيرة في اليمن، وحاولت عمان لعب دور الوساطة بين الأطراف اليمنية المتصارعة، لكنها لم توفق لشدة الصراع السعودي الإيراني على الأرض اليمنية، ولتأثير الدولتين على أطراف الصراع الرئيسين فيها.

تطورات الملف اليمني

تشي تطورات الملف اليمني المتسارعة عن اتصالات ما جرت وتجري مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، حيث كانت تصفه وسائل الإعلام السعودية بالمخلوع وسرعان ما أصبح الرئيس السابق عقب الاشتباكات الضارية في صنعاء بين قوات صالح والحوثي، يبدو أن هناك خطة سعودية بمشورة إماراتية بعودة صالح أو نجله الذي يتمتع بعلاقة جيدة ومتواصلة مع أبو ظبي لحكم اليمن، لكن ليس اليمن السابق الذي حكمه صالح، ستكون عدن أشبه بمحمية إماراتية فيما ستكون صنعاء والشمال اليمني أشبه بمحمية سعودية سيلعب فيها صالح دور لحد في جنوب لبنان، سيتحول إلى شركة أمن تعمل لصالح السعودية، يبدو أن صالح داهية، واستطاع من البداية جر كل من الحوثي والسعودية وإيران لهذه الحرب، والتي سيكون بطلها في النهاية كمنقذ ومخلص لليمن، وحامي للسعودية، وسيكون من ضمن الصفقة سلفا إنهاء حزب الإصلاح اليمني الذي يمثل الإخوان المسلمين في اليمن العقدة التي باتت قبل إيران بالنسبة للسعودية وشريكتها الإمارات، ستعود اليمن إلى ما قبل الثورة، بل وأسوأ بكثير، وما حدث من اشتباكات بين صالح والحوثيين ما هو إلا حلقة جديدة في مسلسل المأساة التي يعيشها الشعب اليمني منذ عام 2011، والتي من المبكر الحكم على نتائجها ونهاياتها، فلا زالت الغلبة للحوثيين في صنعاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد