يبقى عدم وجود محترفين سعوديين في أوروبا أمرًا محيرًا، رغم بروز عدد من الأسماء التاريخية اللامعة التي حققت مع الأندية والمنتخب إنجازات وبطولات محلية وقارية، لكنهم لم يفكروا في الاحتراف وبعضهم احترف في تجربة قصيرة ولم ينجح، رغم الإمكانيات الفنية التي يتمتعون بها، ورغم التطور الكبير الذي تشهده الكرة السعودية في السنوات الأخيرة، لكن يبقى الأمر مُحيرًا وغير واضح ويمكن الاستقصاء وراء الأسباب الحقيقية من عدة جوانب تؤثر تأثيرًا كبيرًا في العجز عن إخراج محترفين، حتى اضطر المسؤولون السعوديون إلى عقد اتفاقيات لإرسال محترفين إلى أوروبا، لكن مع مرور الوقت اتضح للجميع أنها كانت صفقة خسائرها أكبر من مكاسبها، ولم يكن احترافًا حقيقيًّا بالمرة!

البيئة التي ينشأ فيها اللاعب

تشكل البيئة التي ينشأ فيها اللاعب تأثيرًا كبيرًا في انطلاقة عقلية اللاعب وتشكيلها وتكوين شخصيته، إذ إن اللاعب الذي ينشأ في مجتمع أرستقراطي غير الذي ينشأ في مجتمع فقير، ويختلف الأمر أيضًا عند النشأة في مجتمع متعلم، وعمومًا تجد معظم اللاعبين ولدوا في مجتمعات فقيرة ودائمًا ما تجدهم يحكون عن معاناتهم وهم صغار، ووجدوا في لعب كرة القدم ضالتهم؛ إذ إن كرة القدم بسيطة يمكن ممارستها دون أي نقود، فقط يجب أن تملك الرغبة في اللعب، يمكن أن تلعب في الحواري الضيقة، في الساحات، في المدارس، وعلى الشواطئ، ويمكن أن تصنع ملعبك بحجرين يمثلان المرمى، وكرة قد تكون قماشية إذا لم تستطع شراء كرة قدم.

ومن هنا انطلق معظم لاعبي أمريكا الجنوبية وأفريقيا، الكثير من اللاعبين انطلقوا من هنا، واتخذوا كرة القدم طريقًا للبعد عن البؤس والفقر والمعاناة، لذلك تجد رغبة وطموحًا كبيرًا واللعب ساعات طوال اليوم، والتمسك بأي فرصة للانضمام إلى أكاديمية لكرة القدم أو الانضمام إلى نادي، أما النشأة في مجتمع أرستقراطي عندما يرغب الطفل في لعب كرة القدم يجد سهولة في الاشتراك في نادي أو أكاديمية، وهكذا يجد لعب كرة القدم أمرًا سهلاً؛ لذلك لن يعاني مرارة الوصول وصعوبته، وهذا ما يؤثر تأثيرًا كبيرًا في اللاعبين بالسعودية، وهو ما يحدث من انحصار للطموح في أشياء معينة، وعدم الرغبة في خوض الطرق الصعبة طالما توفر له الكثير من الامتيازات والراحة المادية، ويكبر اللاعب وتكبر معه هذه الأفكار، حتى إذا أصبح لاعبًا محترفًا وخير بين الاحتراف في نادي صغير وبراتب ليس بالكبير، أو البقاء في ناديه المحلي والحصول على راتب مغرٍ، وقتها يختار البقاء في ناديه المحلي!

الكوادر الفنية والإدارية

يُمثل المدرب أهمية كبيرة في حياة اللاعب من خلال عدة جوانب، أهمها تطوير إمكانياته الفنية والبدنية، وتشكيل عقليته، وإعداده للتعامل مع أصعب الظروف والمواقف الصعبة التي قد يتعرض لها خلال مسيرته، وجعله داخل الملعب يظهر بأفضل مستوى، وحتى يصبح لاعبًا ناضجًا تكتيكيًّا، وخارج الملعب يكون قادرًا على التعامل مع الإعلام، والالتزام في التدريبات، والبعد عن الأمور التي يمكن أن تؤثر في مستواه، وتتمثل أهمية المدرب في كرة القدم بداية من مرحلة البراعم حتى يصبح اللاعب محترفًا، ووقتها أيضًا يستمر تأثير المدرب إلى أن يُعلن اللاعب اعتزاله.

وعلى سبيل المثال تأثير الراحل «محمود الجوهري» في أجيال من اللاعبين المصريين، وبذلك ساهم في العديد من البطولات والإنجازات التي جعلت الكرة المصرية هي الأفضل أفريقيًّا وعربيًّا، ومن الجيل الحالي «ضياء السيد» الذي قدم جيلاً من الشباب هم الأفضل حاليًّا، وخرج معظمهم إلى الاحترافً ويسيطرون على قوام المنتخب الأساسي الحالي، وهم: محمد صلاح، محمد النني، أحمد الشناوي، أحمد حجازي، عمر جابر، بالإضافة إلى محمد إبراهيم وصالح جمعة، وتجد كل لاعب منهم يتحدث كثيرًا عن فضل المدرب «ضياء السيد» في وصولهم إلى المستوى الحالي.

هذه أمثلة بسيطة على سبيل المثال لا الحصر، ودائمًا ما تفتقر السعودية إلى الكوادر الفنية والإدارية، ولن تجد مدربين تاريخيين أحدثوا طفرة للكرة السعودية، ودائمًا ما تهمل المراحل السنية المختلفة في الناشئين، والفريق الأول غالبًا ما يستعان بمدرب أجنبي لتدريب الفريق، والمدرب الأجنبي لن تجده يفكر كثيرًا في التطوير والتغيير، غالبًا تجده مدربًا منتهيًا في أوروبا، وأتى من أجل المال، وهدفه أن ترتفع قيمته السوقية لإيجاد عقد مالي أفضل، وبالتالي يصبح هدفه أن يعمل على المدى القصير، ومحاولة توجيه كل العناصر لإنجاح فترة تدريبه التي تتراوح ما بين ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، ولن يفكر على المدى الطويل في أن يغير من عقلية اللاعب وزيادة رغبته في النجاح، وتغيير وجهة طموحه من المحلية إلى العالمية، لن يجهد نفسه في زرع ثمار يحصدها غيره، وتطوير كرة ومنظومة وطنية لا ينتمي إليها.

عقبة الأندية وعقلية اللاعب

دائمًا ما تسعى الأندية الكبيرة في السعودية إلى جلب أفضل اللاعبين، والمحافظة على نجوم الفريق الحاليين؛ لزيادة فرصها في المنافسة في البطولات المحلية، ولا تجد صعوبة في ذلك بسبب توافر السيولة المادية العالية، التي تساعدها على إغراء اللاعبين بالانتقال إلى النادي أو البقاء بعقود ورواتب مادية مرتفعة، بينما الأندية الصغيرة دائمًا ما تفكر في بيع نجومها للأندية الكبيرة بمبالغ عالية؛ حتى توفر أموالاً تساعد الفريق على تلبية احتياجاته من أجل البقاء في الدوري، ولا يضع أي طرف منهم أهمية لإخراج لاعبين إلى الاحتراف والتنازل من أجل مصلحة اللاعب.

ولو أتى عرض للاحتراف بمبلغ مرتفع سيوافق الفريق فورًا، وغالبًا لن يأتي؛ لأن معظم عروض الاحتراف تأتي من أندية صغيرة في أوروبا، ويكون المقابل المادي ضعيفًا، إذ إنه غالبًا ما يتراوح بين 300- 500 ألف دولار، والعرض غير مُغرٍ بالمرة للنادي، ويستطيع النادي بسهولة رفع راتب اللاعب للمحافظة على بقائه، ويساعدهم في ذلك رضا اللاعب وعدم المطالبة بالرحيل، لأنه ببساطة يحصل على راتب أضعاف ما سيحصل عليه إذا خاض تجربة الاحتراف، وإذا كان يلعب في نادٍ صغير، وخُير بين خوض تجربة الاحتراف براتب زهيد في البداية، وبين الانتقال إلى نادٍ كبيرٍ محلي بعقد مالي كبير، وقتها يرفض خوض تجربة الاحتراف بدون أدنى تفكير؛ لأنه ببساطة منذ أن بدأ لعب كرة القدم لم يعتد على المعاناة وخوض الصعوبات، وينحسر طموحه وتفكيره انحسارًا كبيرًا.

طموحه لن يدفعه إلى التفكير والمجازفة في خوض تجربة الاحتراف مع ناد صغير، ومن ثمَّ التألق والانتقال إلى نادٍ أكبر، ووقتها وبعد أن يصبح نجمًا متألقًا سيحصل على راتب مالي أضعاف ما كان سيتقاضاه في السعودية، لكن بشكل كبير لن يجازف، ومن يدري بعد تألق محمد صلاح ربما تتغير نظرة اللاعبين إلى الاحتراف -كما تغيرت نظرة تركي آل شيخ رئيس الهيئة العامة للرياضة- وسيسعون بعد ذلك إلى خوض تجربة الاحتراف والتخلي عن الأفكار والمعتقدات السلبية التي نشأوا عليها!

اتفاقية انتقال اللاعبين السعوديين إلى الليجا

خلال فترة الانتقالات الشتوية الماضية استطاعت الهيئة العامة للرياضة والاتحاد السعودي لكرة القدم، ورابطة لا ليغا الإسبانية الاتفاق على انتقال تسعة لاعبين محليين إلى منافسات الدوري الإسباني، حتى نهاية هذا الموسم، لكن قبل ذلك لم يكن هناك أي محترف سعودي في أندية أوروبا، والاتفاقية ليست احترافًا حقيقيًّا بالمرة، وربما تؤثر تأثيرًا كبيرًا في المنتخب.

فهناك ثلاثة لاعبين من قوام المنتخب الأساسي لم يشاركوا مع الأندية إلى الآن، وهم: فهد المولد لاعب الاتحاد السعودي الذي انتقل إلى صفوف ليفانتي، وسالم الدوسري إلى صفوف فياريال، ويحيى الشهري إلى صفوف ليجانيس، وبالطبع عدم مشاركة اللاعبين يؤثر تأثيرًا سلبيًّا على مستواهم مع المنتخب، وعلى الجانب الآخر الذي ربما يكون إيجابيًّا، فهناك لاعبون شباب لديهم مواهب يستطيعون التطور والتألق في الليجا إذا استغلوا الفرصة، وتجميل صورة اللاعب السعودي في الخارج، وفتح باب لاحتراف لاعبين جدد، حتى إذا بدا الأمر صعب، لكنهم يستطيعون، ومن خلال ذلك يتغير النمط الحالي، وعندها لن يضطر مسؤولو الرياضة إلى عقد اتفاقيات أمثال هذه الاتفاقية.

تطوير منظومة الكرة من أجل الاحتراف

تتشابه طرق تطوير أي منظومة كروية من أجل صُنع أجيال من لاعبي كرة القدم قادرين على تحقيق الإنجازات، وإعداد منتخب وطني قوي، وتتمثل جوانب التطوير في عدة نقاط أهمها: إنشاء وتطوير أكاديميات كرة القدم التي تعمل على اكتشاف المواهب، ومن ثمَّ تحسين الحالة الفنية والبدنية للموهوبين، ومن هنا نستخلص نقطة مرتبطة بتغيير منهجية من يعتني بمهارتهم ويعمل على صقلها وتطويرها، وإسناد إدارات تلك الأكاديميات إلى لاعبين سابقين خضعوا لبرامج ودورات تأهيلية في الإدارة، بجانب خبرتهم الكروية ومعرفة ثقافةً جديدة للتعامل مع اللاعبين من أجل ضمان استمرار نجاح تلك الأكاديميات، ويجب أن تكون عملية التطوير وفق أنظمة علمية حديثة، وبالطبع الدولة تستطيع توفير كل هذا من خلال توافر رأس المال، وفي النهاية يجب توجيه رأس المال وعمليه التطوير إلى المكان الصحيح وبتخطيط واستعانة بتجارب ناجحة، ولعل أشهرها التجربة الألمانية، التي تعد درسًا لكل من يريد القيام بهذه الخطوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات