في الخامس والعشرين من مارس 2015، بتحالف مع عشر دول إسلامية، وبإمكانات عسكرية متفوقة، شنت السعودية حربًا على جماعة أنصار الله الحوثية، في عملية عسكرية أطلق عليها اسم عاصفة الحزم.

عملية عسكرية ظن الكثيرون أنها عاصفة حازمة وحاسمة، ستقصم ظهر الحوثيين في وقت وجيز؛ نظرًا لعدم تكافؤ موازين القوى بين جماعة أنصار الله، وتحالف الدول الإسلامية بقيادة السعودية. هذا التحالف الذي ضم عشر دول عربية وإسلامية، تحالف بهذا الحجم يضم جيوش نظامية قوية، ضد جماعة عسكرية غير نظامية، جعل الجميع يظنون بدرجة أقرب لليقين الذي لا يخالطه شك أن النصر في هذه المعركة هو شيء محسوم لصالح هذا التحالف العربي الإسلامي السعودي؛ نظرًا لإمكانيات الجوية والبحرية والبشرية التي تم حشدها للقيام بهذه العملية.

لماذا دخلت السعودية هذا النزاع؟

بدعوة من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي ناشد دول الخليج بدعمه، وتخليص اليمن من الحوثيين الذين سيطروا على صنعاء 21 سبتمبر 2015، وأجبروا عبد ربه على الاستقالة، ووضعوه رهن الإقامة الجبرية، التي نجح لاحقًا في الفرار منها، وتراجع عن استقالته، واحتمى بعدن المدينة الجنوبية.

دعوة عبد ربه جاءت للسعودية لأنه يعلم أن للسعودية مصلحةً مشتركةً معه في دحر الحوثيين الذين يعتنقون الفكر الشيعي، ويدينون بالولاء لإيران العدوة الكبرى للمملكة.

وما جعل السعودية أكثر رغبةً واستعدادًا للدخول في حرب باليمن، هو تجرؤ الحوثيين على تهديد حدود السعودية، وإجراء مناورات عسكرية بمعدات ثقيلة على الحدود في 12 مارس 2015، سبقها خطاب تهديدي لعبد الملك الحوثي، خصص معظمه للهجوم على السعودية، وذلك في 26 فبراير 2016.

لم يكن للسعودية أن تقف متفرجة أمام هذه الجرأة الحوثية، وهذه التهديدات الواضحة لأمنها من قبل جماعة أنصار الله؛ فقامت على الفور متذرعة ومتشرعة بدعوة الرئيس اليمني بالإعلان عن عزمها شن حملة عاصفة الحزم؛ لاستعادة الشرعية لليمن، وحماية حدود وأمن المملكة العربية السعودية.

السعودية وجدت الدعم الفوري من دول التعاون الخليجي عدا سلطنة عمان، بالإضافة إلى السودان ومصر وباكستان والسنغال وغيرها؛ مما زادها تشجيعًا لدخول اليمن.

العملية العسكرية بين الحزم والحسم:

كما ظن الجميع، واعتمادًا على الإمكانات المتفوقة للسعودية وتحالفها، فقد أعلن المتحدث العسكري السعودي مبكرًا أن التحالف قد دمر كل مخازن السلاح والطائرات والصواريخ البالستية للحوثيين؛ مما يجعلهم بلا قوة حقيقية، ومما يفقدهم القدرة على الدفاع، ناهيك عن الهجوم، مؤكدًا بذلك تأمين الحدود السعودية من كل مهدد من الجهة اليمنية، ومعلنًا بداية مرحلة جديدة من العملية العسكرية أسموها إعادة الأمل في 21 أبريل 2015.

وهدفها كما أعلن استئناف العملية السياسية، وحماية المدنيين من التهديدات، وتيسير وصول الإغاثة، وإجلاء الرعايا الأجانب، واستمرار فرض الحظر الجوي والبحري والبري على اليمن.

ولكن؛ وليس كما ظن الكل فلم يستسلم الحوثيون، ولم تسقط صنعاء، ولم يعد عبد ربه إلى الحكم، بل ولم تستطع السعودية الخروج من اليمن رغم فارق القوى والإمكانات.

الدخول الملح والخروج الآمن:

دخول السعودية لليمن كان ملحًا؛ فالتهديدات الحوثية كانت أكبر من أن يتغاضى عنها أو يقلل من شأنها، اضطرت السعودية للدخول لحماية أراضيها من تهديد جدي يأتي من عدو قريب مدعوم من إيران، العدو الأول للسعودية.

ولكنك دومًا قد تستطيع التوقيت لبداية حرب، ولكن لن يكون بإمكانك التوقيت لنهايتها، وهذا ما حدث.

فالسعودية دخلت إلى الحرب على اعتبار أنها عملية مؤقتة لا تأخذ وقتًا كبيرًا تبعًا لتصوراتها المسبقة لمقدرتها العسكرية مقارنة بمقدرات الحوثيين، ولكنها نسيت أنها لن تستطيع النزول إلى الأرض والقضاء على الحوثيين في شوارع وشعاب اليمن التي هم أدرى بها من السعودية، فاستمرت هذه العملية حتى الآن ما يقارب العام ونصف العام، بعد ما كان يتوقع لها ما لا يزيد عن شهر، ما جعلها مأزقًا كبيرًا وفخًا حقيقيًّا للسعودية، استنزف قواها العسكرية والمالية في ظرف حرج، واقتصادها يعاني في الأصل من حالة ركود جراء انخفاض أسعار النفط.

السعودية لا شك أنها كان لا بد لها من الدخول لكبح ودحر الخطر الحوثي المسعور، ولكنها لم تضع سيناريوهات للخروج من حرب بسوس قد تستمر بلا نهاية.

هل كانت الحرب من أجل اليمن، أم من أجل السعودية والدول الخليجية؟

هذا سؤال محرج، هل دخلت السعودية الحرب لتأمين حدودها وإبعاد الخطر الحوثي عن أراضيها وأراضي دول الخليج، أم أنها دخلت الحرب لتحرير اليمن وإعادة الشرعية المتمثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي؟

السؤال يحتاج إلى إجابة؛ لأن الأمن السعودي والخليجي قد تحقق فعلًا؛ ولكن وبعد مرور كل هذا الوقت لم يتحقق الأمن اليمني، ولم تحرر اليمن، ولم تعاد إليها الحكومة الشرعية.

فماذا كان الهدف؟

سؤال محرج آخر، هل خسر الحوثيون المعركة؟

يبدو أن الحوثيين قد فقدوا معظم القوة الضاربة الكافية لتهديد السعودية ودول الجوار، ولكنهم قطعًا لم يخسروا قدرتهم على أرض اليمن سياسيًّا وعسكريًّا، فالملك لم ينزع منهم وحكمهم لصنعاء ما زال قائمًا، بل وإذا نظرت للأمر من جانب آخر فربما ستجد أن الحوثيين هم الطرف الأكثر استفادة من حرب اليمن، فمع عجز السعودية عن الخروج من اليمن، وعدم كفاية العملية العسكرية لدحر وإسقاط الحكم الحوثي، ومع بدء تيقن السعودية أن هذه الحرب حرب استنزاف قد لا تنتهي، فهم الآن في طريق تقنين وإدامة الوجود الحوثي في الحكم اليمني، وذلك عبر المباحثات السياسية الجارية في الكويت بين الحوثيين وحليفهم المتطفل علي عبد الله صالح، وبين الحكومة اليمنية الشرعية.

إذًا فالمحصلة النهائية للحرب ستكون وياللمفارقة هي وجود حوثي شرعي عبر حلول سياسية، بل وعودة مضحكة لنظام صالح بشكل ما في العملية السياسية اليمنية، بعد أن عزل منها بتكاليف باهظة.

ضمان الحوثيين وجودهم الشرعي في السياسة اليمنية بغض النظر عن شكل الوجود، لهو بكل المقاييس انتصار كبير لهم رغم كل ما فقدوه خلال الحرب.

خلاصة ختامية:

كما يبدو السعودية الآن في وحل، كلما توغلت فيه زادت تعلقًا به، وهي لا تملك خطةً واضحةً للخروج من اليمن، وإيقاف استنزاف مواردها العسكرية والمالية. ورغم تحقيقها لهدف إبعاد الخطر عن حدودها، إلا أنها لم تخدم اليمن، ولم تحقق له أهداف استعادة الأمن والشرعية، بل وربما ستؤدي الحرب لوجود حوثي شرعي دائم في العملية السياسية اليمنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد