قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}، (البقرة:251).

من القضايا المهمة التي باتت غائبة غيابًا كبيرًا في الذهن الإسلامي، والتصور المفاهيمي للمسلمين، هي قضية «سُنة التدافع»، والمدافعة والتجاذبات، وأن هذه الحياة لا تستقيم إلا بأنماط متعددة من التجاذبات، فلا راحة مطلقة، ولا تعب مطلق، ولا عدل مطلق، ولا ظلم مطلق، ولا ذنب مطلق، ولا طاعة مطلقة، ولا نوم مطلق، ولا استيقاظ مطلق، فالحياة كلها ثنائيات متدافعة، تتغير وتستمر في حِراكها بين هذه وتلك؛ ولذلك لا بد من فهم هذه القضية، فإن اعتقدنا مثلًا أننا مذنبون، وقد طبع الذنب علينا، فسنعطل حركة الحياة باستئصال مفهوم الطاعة من عقولنا، وليس معنى التدين أن لا تذنب، بل أن تراجع نفسك كلما أذنبت، فالذنب والطاعة دفتان من أُطر هذه الحياة، وكذلك التدافع بين الحق والباطل، والظلم والعدل، والاستبداد والحرية، فالحياة دومًا في صدام محتم بمقتضى الفطرة، والواجب أن نسعى لما يرضي الله، وإن وقعنا فيما لا يرضيه، فليس علينا حينها أن نرسخ في أذهاننا أن الحتمية أن نظل نبغض الله فينا؛ فبذلك نفتح الباب للشيطان لبث سمومه في أرواحنا، ونحن في صراع معه بمقتضى سُنة التدافع، بل يجب أن نهرع لطاعة الله، ونفر إليه وإلى رحمته التي وسعت كل شيء، وسنة التدافع هي أحد القوانين الكونية التي تشكل طبيعة الحياة بل طبيعة الكون كله؛ فلا نجد الكون ساكنًا، فهو دائم الحركة، ونلاحظ في الأرض الصيف والشتاء، والشروق والغروب، والليل والنهار، فهي سُنة في كل شيء، ونريد أن نختار بعض العناوين والأمثلة لسُنة التدافع :

تدافع الفرد مع ذاته

يؤسس الإسلام للفرد المسلم منهجًا أصيلًا يوضح له معالم الطريق، ويفتح له الأفق لإدراك عقباته، بل ويُعرّف الإنسان فطرته وطبيعة نفسه واحتياجاتها، فنجد سُنة التدافع تدخل في نفسية الفرد فنجده يذنب ويطيع، ينتكس وينهض، يثور ويهدأ، ولكل حالة عواملها وملابساتها، حيث قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، فبيّن الله للإنسان طبيعة نفسه، وأن الله جعل الفجور والتقوى دفتين للتدافع، وفتح للإنسان الخيار والحرية بينهما، فإما أن يزكيها فيفوز في الدنيا والآخرة، وإما يسقطها في الفجور فيخسر ويعاقب، ويظل الإنسان متدافعًا دومًا بينهما بمقتضى سُنة التدافع؛ فكلما سقط عليه أن يتوب ويرجع لله وينهل من ينبوع الرحمة الإلهية، حتى يعاود النهوض والإقلاع من جديد في رِكاب الحياة الطاهرة، متحررًا من الحياة الفاجرة؛ ولذلك فقد غاب مفهوم هذه السُنة بشكل كبير، وأصبح الناس مقسّمين حسب مفاهيمهم المغلوطة، إما متدينين ظنوا التدين رهبانية لا ذنب فيها؛ وبذلك فروا من الواقع ظنًا منهم أن الذنب في مواجهة الواقع ومخالطة البشرية وخوض صراعاتها، وإما منخرطين في الحياة الفاسقة ظنوا أن الله طبعهم على الفسق والعصيان، ولم يستطيعوا أن يجمعوا بين ما جعله الله بابًا مفتوحًا للرجوع دومًا، {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

تدافع الحضارات والشعوب

ظلت البشرية منذ أن نزل أبو البشر آدم «عليه السلام» متدافعة في صدامات متعددة، متمثلة هذه الصدامات في كثير من الأشياء، بعضها يقع لمجرد المصالح المادية، وبعضها مرتبط بالعقيدة والدين، خاصة ما تمثل في تدافع الرسل مع شعوبهم عبر الرسالات السماوية والأنبياء «عليهم السلام»، وصراعاتهم مع الأمم والأقوام؛ حيث موسى وفرعون، وعاد، وثمود، وأصحاب مدين، ونوح، ويونس، وإبراهيم… إلخ. ومن الرسالات التي وجهت بالقمع والبطش، وصولًا للصدام الأعظم والابتلاء الأكبر محمد «عليه الصلاة والسلام»، والذي بموجبه ولدت أمة الإسلام، فهذه التدافعات المستمرة، والتي لا زالت في واقعنا تستمر، وستظل تستمر ما دام في الأرض حق وباطل، ظلم وعدل، استبداد وحرية، حيث نشهد في واقعنا صدامات كبيرة بين الشعوب وطواغيتها، وبين القوى الدولية في شكل صراع جديد يشكل جوهر التدافع التاريخي بأساليب جديدة وطرق مستحدثة.

والربيع العربي هو فاصل من فواصل التاريخ البشري، الذي تتمثل فيه سُنة التدافع بأزهى صورها في النضال والجهاد والاستشهاد، وهو مفاصلة لا بد منها بحكم سُنة التدافع، مفاصلة بين حرية الشعوب وكرامتها، وبين الاستبداد والظلم والقهر، وسيكتب التاريخ هذا الكفاح في سجله الحافل عبر العصور التي شهدتها البشرية كلها منذ نشأتها. ونشهد كذلك تدافعًا عنيفًا بين نظم الحضارات في واقع أمتنا؛ حيث أفلست الحضارة الغربية في حفظ حقوق الإنسان، ونافقت في ذلك، وانتهكت حقوق الشعوب ومقدساتها، بينما تبرز الحضارة الإسلامية نموذجها في ظل هذا الصراع الذي لم تكتمل أركانه بعد.

ولا بد لنا إذن أن ندرك ونفهم هذه السُنة الغائبة، التي تمثل لنا تصورًا للواقع، والقدرة على التعامل معه، بعكس عدم فهمنا لها، فيكرس عدم الفهم العجز والخمول، والجبن والهوان، بل مناقضة نواميس الكون، ومصادمتها ومحاولة تطويعها للفهم القاصر، بدل الإفادة منها في النهضة والخير والأجر عند الله؛ ولذلك فإن فهم سنن الله الكونية هو أحد الأسباب الضرورية لفهم الواقع والحراك والتغيرات، وعلى ضوء سنن الله تستقيم الحياة، والقرآن ليس نصًا مقدسًا فحسب، بل محركًا فاعلًا لفهم حقائق الوجود، ومؤسسًا خطيرًا لتبني الحق ضد الباطل، وباعثًا للمعرفة في ظواهر الكون، وطبائع الشعوب وطبائع الأنفس وتشكلاتها؛ ولذلك فسُنة التدافع إحدى السنن التي لا تستقيم الحياة إلا بها، ووجودها دليل على استمرار الحياة، ومنقاضتها ومحاولة مخالفتها ضرب من العجز والجهل بحقيقة الإنسان والنفس والتاريخ، وكما قال المثل: «إن اصطلح الفأر والقط خرب دكان البقال»، ونختم بخاطرة في ظلال آية التدافع حيث قال تعالى: { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، وهذه الآية ترسخ مفهوم التدافع بمعناه الذي يدعو للجهاد لحفظ الحريات الدينية؛ حيث لولا التدافع لهدم الظالمون المساجد والكنائس وغيرها من دور العبادة، فالتدافع يمنح المجال للناس بالجهاد ضد الظلم لحفظ حريتهم في العبادة دون تسلط ولا استبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد