هل نحن همج؟ سؤال قد يبدو صادمًا ولكننا بحاجة إلى أن نجيب عليه بكل صراحة، فإجابة على سؤال كهذا ينبني عليها عقيدة تعاملك مع الآخرين وكذلك أهدافك السياسية والاجتماعية وخططك المستقبلية وقراءة الواقع واستقراء المستقبل. ولتسهيل الأمر، يمكن تفكيك هذا السؤال لشقين، أولهما هل أنا همجي؟ والثاني هل الآخرون همج؟

 

ينقسم الناس إلى ثلاث فئات رئيسية في الإجابة على سؤال كهذا، ذلك بعد استبعاد إجابة “أنا همجي والآخرون ليسوا بهمج”، حيث تعبر تلك الإجابة عن عقلية مرضية ترتضي صراحة أن تُستعبَد من الآخرين وتفضل أن تظل تابعة لأهوائهم. وقبل أن نفصل في الأقسام الثلاثة الرئيسية لابد أن نضع تعريفًا لما نقصده بفعل الهمجية.

 

بالنظر في لسان العرب يتبين لنا أن الهمج هم رعاع الناس، وهم الهمل الذين لا نظام لهم، وكل شيء ترك بعضه يموج في بعض، وقيل أنه الإنسان الأحمق . ويقال أن هذا شعب همجي أي أنه شعب لم يأخذ بأسباب الحضارة. ويمكن الاجتهاد في وضع تعريف اصطلاحي للحالة الهمجية على أنها الحالة التي لا يتقيد فيها الإنسان بنظام وينتصر فيها للمصلحة الشخصية الفردية دون أي اعتبارات أخلاقية. وتعتبر الحضارة والتمدن مضادات للهمجية لأن الحضارة والتمدن هي آليات بناء نظام اجتماعي ونسق أخلاقي جمعي منضبط بقوانين وتشريعات.

 

القسم الأول من البشر يرى أن الإنسان طبيعته الأصلية هي الهمجية، وأن الإنسان يميل إلى خرق النظم والقوانين، وبالتالي الوصول إلى الحالة المتحضرة تستلزم قوة مطلقة فوقية تفرض نظامها على الآخرين، هذه القوة هي متغلبة غير مساءلة من قبل الجماهير تحتكر القوة في مقابل توفير الأمن وحماية الملكيات الفردية للأشخاص. هكذا يرى الإنجليزي تومس هوبز أكبر فلاسفة القرن السابع عشر، وهكذا وضع فرضيته في أسباب نشأة الدول، وبرر في تلك النظرية أسباب اللجوء للحكم المطلق، ويعتبر هذا التبرير متماهيًا مع الوضع السياسي في إنجلترا في ذلك الوقت حيث كانت تخضع لنظام ملكي ديكتاتوري قبل عهد الثورات والديموقراطية.

 

أما القسم الثاني من البشر فيرى أنه ليس بهمجي ولكنّ الآخرين همج، وتلك الرؤية قد تشمل استعلاء جماعة من البشر على الآخرين. يعتقد هؤلاء أنهم يملكون معيار أفضلية إما دينية أو ثقافية أو اجتماعية أو مادية، تلك الأفضلية تسمح لهم بإرغام الآخرين على مرادهم وعلى رؤيتهم. فهم يرون أن الآخرين جهلة وغير كاملي الأهلية. تتشكل في بعض المجتمعات طبقة يمكن إطلاق عليها تجاوزًا لفظ “النبلاء” تحتوي شخصيات عامة ومهمة في المجتمع ومراكز قوى ومثقفين، وهذا الفرز المجتمعي لطبقة النبلاء هوأمر عادي ولكن في بعض المجتمعات تنغلق تلك الطبقة على نفسها، وتحتكر السلطة وصنع القرار. في هذه الطبقة تظهر مظاهر الأنسنة الشكلية وادعاء الفضيلة، فتجدهم يتكلمون عن الحريات والحقوق والمساواة، أما التطبيق العملي فهم لا يريدون الحرية إلا لهم ولا يسعون إلا لحقوقهم والمساواة مع الآخرين غير مكتملي الأهلية غير واردة في حساباتهم. تصبح الدولة في منظورهم هي مصالح تلك الطبقة ومرادها.

 

أما القسم الثالث من البشر فهم لا يؤمنون بالطبيعة الهمجية للإنسان، ويرون أن الحالات الهمجية التي وصل إليها البشر كانت نتاج اختيارهم هم وتفريطهم في المرجعية الأخلاقية للأمور. هم يرون أن الناس سواسية وأن جميعهم شركاء في صنع القرار شراكة حقيقية غير شكلية، ولا أفضلية لأحد على أحد، الحرية غايتهم والتعايش المشترك سبيلهم. الاختلاف بين البشر هنا مقبول، والدعوة لما يراه كل فريق حقًا مباحة.

 

القسم الأول من البشر هو مسلك الطغاة والمستبدين، والقسم الثاني هو مسلك الغلاة والمتعصبين والمتطرفين، وجهاد أي حركة توعية مجتمعية هو أن نزرع في نفوس البشر كافة أن القسم الثالث هو الحق، وأن جمهور البشر ليسوا فاقدي الأهلية حتى تتحكم فيهم جماعات متطرفة متعصبة أو طغاة مستبدون. البشرية بحاجة إلى أن تعيد بناء الثقة في الفرد من جديد على حساب الجماعات والدول، فبدون فرد واع بحقوقه وواجباته، مدرك لمشاكله وتحدياته لا يمكن أن تخلق مجتمعات صحية وبنائة، وستظل البشرية في صراع مع تغلب المتطرفين والمستبدين.

 

في الإسلام، وفي رائعة الدكتور محمد عبدالله دراز دستور الأخلاق في القرآن الكريم، وهي رسالة الدكتوراة التي حصل عليها من جامعة السوربون بفرنسا، والتي ينظم فيها نظرية أخلاقية كاملة مستمدة من القرآن الكريم ومتناغمة ومكملة لجهاد البشرية الفكرية في هذا المضمار.

 

بنى الدكتور دراز نظريته على خمسة أركان : الإلزام، والمسؤولية، والجزاء، والنية والدوافع، وأخيرًا الجهد. وفي باب الإلزام بيَّن الكاتب أن في النظرية الأخلاقية لا يمكن الاكتفاء فقط بالإلزام الجماعي المتعلق بقوانين وتشريعات، ولكن الإلزام الفردي كالضمير والبصيرة ضروري حتى تستقيم الأمور. أن يختار البشر الالتزام بذاتهم، نتيجة إيمانهم ومعتقداتهم وليس نتيجة ضرورة خارجية، وبيَّن الدكتور أن الله عز وجلّ وضع في ضمائر البشر بصيرة قادرة على تمييز الحق والباطل، تلك البصيرة التي إن حكمها الفرد لأدرك الحقيقة دون عناء ودون حاجة لأي تشريع خارجي، واستشهد بقوله تعالى: (بَلِ الْإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوأَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)، صدق الله العظيم.

 

فالأديان والشرائع والنظم الأخلاقية تساعد الإنسان فقط على أن يزيل الغشاوة من على بصيرته، فيتمكن بعد ذلك من تحكيمها والاستدلال بها على مواطن الحق والباطل. يقول الدكتور عبد الله دراز: “ففي الإنسان إذن قوة باطنة، لا تقتصر على نصحه وهدايته وحسب، بل إنها توجه إليه بالمعنى الصريح أوامر بأن يفعل، أو لا يفعل. فماذا تكون تلك السلطة الخاصة، التي تدعي السيطرة على قدراتنا الدنيا، إن لم تكن الجانب الوضيء من النفس، والذي هوالعقل؟”

 

نحن متدينون، نؤمن بأن الله عز وجل لم يخلق الإنسان بطبيعة همجية، بل زرع بداخله بصيرة تنفي عنه تلك الصفة، وأن ما يفعله البشر من مظاهر همجية هو نتيجة طمس تلك البصيرة، وهو أمر عارض ومكتسب ويحاسب عليه فاعله. ومن آمن بتكريم الله عز وجل للإنسان، لا يمكن أن يصنف نفسه إلا من الفريق الثالث، ذلك الفريق الذي يحترم كل فرد، دون استعلاء من فريق على فريق ودون تسليم لمستبد أو طاغية. دعوتنا غايتها تحرير الإنسان من أي غشاوة أو من أي استبداد حتى يستيطع أن يعود ببصيرته إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، ويستمر عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد