“Mary Poppins ” الفيلم الذي أنتجته ديزني عام 1964 يحكي قصة المربية الساحرة ماري التي تأتي إلى منزل السيد بانكس والد طفلين مشاغبين متمردين دائما، غاضبين من كل شيء يستمران في الهروب، يظهر السيد بانكس الأب الصارم المنكب على عمله فقط، لا يشعر بولديه ولا يعيرهما اهتمامه، ولا يستمع إلى متطلباتهما، ولا يقضي وقتا للعب معهما، حتى عندما أخذهما معه إلى عمله في المصرف.. تسبب في هروبهما خوفا منه ومن رجال مجلس الإدارة، الذين أرادوا أخذ مالهما لفتح حساب به واستثماره، في حين أنهما أرادا أن يطعما حمام السيدة الفقيرة التي تجلس على سلم الكاتدرائية.

 

أخبرهما ” روبرت ” أنه والدهما يحتاج إلى مساعدتهما أكثر مما يحتاجان هما إلى مساعدته، فهو رجل منكب على عمله، في مصرف جدرانه باردة، لا يشعر فيه بالحب، يريد أن يوفر لهما كل شيء.

من الممتع أن ينتهي فيلم ماري بوبينز لتبدأ في مشاهدة فيلم Saving Mr. Banks من إنتاج 2013 والذي يحكي قصة صنع فيلم ماري بوبينز، وكيف عانى كثيرا والت ديزني – والذي يقوم بدوره توم هانكس – في إقناع بي إل ترافيرز – التي كتبت سلسلة كتب ماري بوبنيز للأطفال- بتحويل الكتاب إلى فيلم عائلي، لمدة عشرين عاما كان ديزني يحاول أن يقنع ترافيرز بصنع الفيلم، ولكنها كانت ترفض باستمرار خوفا من أن تتحول القصة إلى ابتذال من ابتذالات ديزني كما ترى هي.

 

فيلم ” أنقذوا السيد بانكس ” لا يقل روعة وعبقرية عن فيلم ماري بوبينز وخاصة طريقته في الانتقال ما بين زمنين، زمن صنع الفيلم وزمن ترافيرز وهي طفلة صغيرة، وكيف ألهمها والدها في تخيل السيد بانكس، والشبه الشديد بين خالتها وماري بوبينز.

كان ديزني دائما يهتم في أفلامه بالأميرة الطيبة الجميلة الرقيقة، التي تحارب الشر بجمالها ورقتها، منتظرة قبلة الأمير الوسيم والتي بها سيحرران العالم من الشر، القصص التي تنتهي دائما بالنهايات الساحرة والسعيدة. ولكن هناك دائما مأساة داخل ثنايا القصة يتم تمريرها بشكل غير مباشر إلى المتلقي، مأساة الأب ” اللي عايش في البلالا”!

 

سنووايت تعيش مع زوجة أب شريرة، مغرورة، أنانية، تريد التخلص منها بأي شكل، ولا يرى الأب الجميل الطيب الساذج سوى امرأة حنونة تعوضها عن أمها، حتى يموت ويظهر وجهها الحقيقي، وسندريللا يأتيها بامرأة وابنتيها ليهتموا بها، دون أن يرى أنهم يريدون ماله ويغارون من ابنته.

الأب دائما مختفٍ في قصص ديزني، والتي هي في الأصل قصص شعبية مقتبسة من كتب الأخوين جريم الألمانية، فلا تدري حقا إذا ما كان اختفاء دوره بهذا الشكل الفجّ مقصودا أم أنه ليس إلا نقلا للواقع الذي يأخذ فيه الأب عطلة سنوية طويلة.

 

الأب الذي يختار امرأة شريرة تدمر حياة ابنته، هل من المعقول لرجل تجاوز العمر أرذله أن يكون ساذجا بطريقة تجعله يغفل عن شر يقبع داخل امرأة ما؟!
أليس الرجل هو من يمتلك خبرة في الحياة تجعله مؤهلا بأن ينظر إلى عيني امرأة فيفقه ما في داخلها من شر أو طيبة!
أين الأب الذي يشعر بابنته إذا ما كانت معذبة أم لا؟! أين الأب الذي يتأكد بأن ابنته سترعاها امرأة جيدة قبل أن تأتيه المنيّة!

حقيقة عالم ديزني لا يختلف كثيرا عن عالمنا، الذي يعيش فيه أب عبارة عن ” مكنة صرافة “، يأتي بالمال كل شهر يلقيه على زوجته التي ترعى وتحب وتهتم وتربي وتهذب، وتذهب بهم إلى المدرسة والدروس، وتقوم بالواجبات الاجتماعية والواجبات المدرسية، إذا ما تم احتياجه في مشكلة ما يكون دوره في زيادتها أكثر من حلها، وينظر إليه المجتمع نظرة الشفقة، فهو الأب الذي تعب و”شقي” ووفر لأولاده كل ما يحتاجونه من مال، وفي آخر المطاف ” رُمي ” في مستشفى، دون أن يبكيه أحد، أو يهتم به أحد، يا للأولاد العاقين!

 

ففي مجتمعنا نحاسب الأولاد العاقين دون أن نحاسب الأب العاق! الذي ترك أولاده يعيشون الشر موفرا لهم القصر والمال والثياب .. فلا بد أن نعيش الشر بأناقة!

للأسف لا يوجد في الواقع ماري بوبينز التي تنقذ السيد بانكس، ليتم لمّ شمل الأسرة التي تتكون من أب وأم وأبناء، وليس مصرفًا وأمًا وأبناء !

وبتظاهرنا بأننا مجتمع متدين، فلقد تجاهلنا منقذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: ” أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم “، والإكرام والأدب هنا يشمل الكثير، يشمل الحنان والاحتواء والتهذيب والتوجيه وأن تكون في عونهم دائما وبجانبهم أبدا، فهو لم يقل ” أحسنوا الإنفاق عليهم”.

 

وقد قال في حديث غيره: ” لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع “.. كيف إذا تقوم بفتح مصرف في منزلك ثم تشتكي من قلة أدب أبنائك!

 

ومن شدة اهتمام الإسلام برعاية الأبناء، حث الأب على تعليم أولاده الرماية والسباحة، وجعل حقًا من حقوق الابن على والده أن يعلمه القرآن.

 

وقد حكت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أعراب جاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا له: ” أتُقبّلونَ صبيانكم؟” فأجابه الرسول : ” نعم “، فأخبروه بأنهم لا يفعلون ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: “أوَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ “.

 

أنت لا تحتاج إلى امرأة ساحرة لتكون أبًا جيدًا، أنت تحتاج فقط لقلب وعقل واع، لتكون رجلا يحب أولاده فيربيهم، وينفق عليهم الحنان والحب قبل أن ينفق المال، أن يشاركهم ما يحبونه، ويعمل على نضج اهتماماتهم، أن يجعلهم قادة حقيقيين، وليس أميرا يبحث عن عذراء ليقبلها، وليس فتاة ساذجة كل ما تفعله هو انتظار الفارس المغوار!

 

نحن نحتاج إلى آباء يبذلون المزيد من الجهد، وليس المزيد من المال والشكوى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد