ظروف غاية في التعقيد تلك التي أرغمت آلاف العوائل العراقية على النزوح بعد أحداث حزيران الماضي، وسقوط الموصل بيد ما يسمى بتنظيم “داعش”، على أثر انسحاب مفاجئ للجيش العراقي منها، تاركًا أسلحته ومعداته وتجهيزاته داخل المعسكرات خلف ظهره، من دون سحبها أو تدميرها كما تفعل سائر الجيوش حول العالم، وبما يعرف بسياسة الأرض المحروقة اصطلاحًا، وما تزال تداعيات ذلك الانسحاب المريب موضع شك وتحقيق وتبادل اتهامات تحت قبة البرلمان العراقي، بشأن المسؤول الحقيقي على مستوى القيادات العسكرية والسياسية عن تلك الواقعة.

النازحون بدورهم وفي خضم تداعيات الأزمة اضطروا للفرار من مناطق سكناهم في محافظات ديالى وصلاح الدين والموصل وأطراف بغداد والأنبار إلى مناطق آمنة نسبيًّا في خانقين وكلار والسليمانية شمالي البلاد، ما سبب لهم معاناة حقيقة، وبالأخص في فصل الشتاء وما صاحبه من أمطار وعواصف وأمراض حادة، حيث نزحت العوائل تاركة أثاثها وملابسها ومؤنها ومتاعها، بل وحتى أوراقها الثبوتية للنجاة بحياتها في ظل ظروف قاسية، وهم لا يلوون على شيء بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

*أزمة السكن

لا شك أن تأمين السكن للنازحين يعد معضلة حقيقية تعاني منها تلك العوائل، فبعد العثور على سكن ملائم بشق الأنفس تصطدم العائلة ببدلات الإيجار المرتفعة التي تتراوح بين 500$ – 750$، ما يزيد من أعبائها؛ كونهم تركوا وظائفهم ومحالهم وأعمالهم الحرة إضافة إلى ترك مزارعهم وأغنامهم وأبقارهم في مناطق سكناهم الأصلية، ولم يعد لهم مورد يعيشون عليه، وهذا هو حال الميسورين منهم تحديدًا، فيما لم يعد أغلبهم يفكر في العودة ثانية بعد ورود أنباء مؤكدة تفيد بنسف منازلهم أو حرقها أو تفخيخها ومصادرة ممتلكاتهم وتجريف بساتينهم وسرقة حلالهم وتلف مزروعاتهم، وتناوب لعب الأدوار إن صح التعبير في ذلك وبطريقة الكر والفر كل من داعش التي تستولي على مناطقهم تارة والميليشيات المسلحة المنفلتة تارة أخرى.

ولعل الطامة الكبرى هي تلك التي تكتنف حال الفقراء منهم ممن أجبروا لضيق ذات اليد على السكن في خيام بائسة وصغيرة لا تكفي لعائلة واحدة، إذ لا تتجاوز مساحة الخيمة الواحدة أربعة أمتار مربعة فيما يسكن فيها 6 – 8 أفراد، أما الكرفانات فصغيرة هي الأخرى، ومعظمها يقسم بين عائلتين أو أكثر، فضلًا عن خلوها من الخدمات، حيث لا ماء صالح للشرب، ولا كهرباء، ولا مجارٍ فيها، أما عن غاز الطبخ فقد وصل سعر القنينة إلى ١٧ ألف دينار بما يعادل ١٤$، كذلك الحال مع النفط الأبيض، وباتت أغلب الخيام تعتمد على الطعام الجاهز الذي يتم توزيعه من قبل إدارة الخيام.

ولا شك أن الحمامات أمر غاية في الأهمية، حيث تضطر النساء إلى الاستحمام في المنازل القريبة من المخيم مع ما يكتنفها من مخاطر وإشكالات لا تحمد عقباها، فيما يصعب على كبار السن الذهاب إلى تلك المرافقات القليلة والقذرة في نفس الوقت، والتي زادت من معاناة المرأة النازحة وكبار السن على وجه الخصوص، علمًا بأن العواصف تفعل فعلها في اقتلاع عشرات الخيام بين الحين والآخر.

*الجانب الصحي

يعاني أصحاب الأمراض المزمنة هناك من عدم توفر الأدوية الضرورية، وصعوبة وصول الأطباء إليهم، وغياب الرعاية الصحية، كما يعاني الكثير من النازحين من أمراض الحساسية والأمراض الجلدية والربو ونزلات البرد الحادة وانتشار مرض التدرن الرئوي بينهم، وكذلك حبة بغداد أو “الليشمانيا” التي شوهت وجوه العديد منهم، إضافة إلى حالات الولادة العاجلة، ووجود نقص حاد في كراسي المعاقين والعكازات المرفقية والإبطية، إضافة إلى عدة الإسعافات الأولية الضرورية لعلاج الحالات الطارئة مع انتشار العقارب والأفاعي والبعوض والهوام، كونهم يسكنون في مناطق تقع خارج المدن.

الأطفال هم المتضرر الأكبر بين النازحين، ولهم حصة الأسد من المعاناة، فمن طفل رضيع يموت من شدة الحر في الخيام صيفًا، إلى طفل يموت من شدة البرد شتاءً، إلى ثالث بلدغة أفعى، ورابع بلسعة عقرب وعمره لا يتجاوز الشهر، فضلًا عن أطفال ماتوا حرقًا بعد أن التهمت النيران خيامهم، إلى قصص أخرى من مسلسل الرعب والعيش بمعية شباب يكبرونهم سنًّا لا يصلح أن يخالطوا أطفالًا بعمر الزهور في مثل هذه الأماكن المختلطة ومن كلا الجنسين.

*الدراسة مأساة أخرى

من النازحين من حصل على مدارس بعيدة وبدوام غير منتظم، فيما فقد معظمهم فرصة التعليم وأصبح لديهم من أوقات الفراغ ما يفتح الأبواب واسعة أمامهم لصحبة شباب أمي وغير متعلم قد يحمل أفكارًا اجتماعية وسلوكية غير سوية؛ ما يشكل خطرًا على شريحة كبيرة منهم.

*أبرز المناطق التي نزح إليها الفارون بعد الأحداث الأخيرة

هناك في خانقين مخيم الوند (كرفانات)، حيث بلغ عدد العوائل 732 عائلة وهم بحاجة إلى (حفر آبار، مضخات ماء، وحدة تصفية، رعاية صحية، مواد غذائية، أغطية وملابس)، وهناك مخيم (علياوة)، وعدد العوائل التي تقطنه 1630، إضافة إلى 200 عائلة تسكن الهياكل، وهي بحاجة إلى (مواد غذائية وطبية عاجلة).

هناك أيضًا هياكل (بهار تازة)، وعدد العوائل فيها 430 عائلة، وهناك قرى خانقين وعدد العوائل 10000 عائلة، كما أن هناك مخيمات (كفري وجبارة وكله جو) وعدد العوائل فيها يبلغ 3000 عائلة إضافة إلى مخيم (كلار) وعدد العوائل التي تسكنه 6000 عائلة، أما في مخيم السليمانية فهناك 4000 عائلة، وجميع المخيمات تفتقر إلى الرعاية اللازمة والخدمات الضرورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد