كان الجغرافيون فيما مضى يرسمون الخرائط التي تعين الناس على فهم حقيقة الطبيعة من حولهم، وقد انغمسوا في سحرها نهارا وليلا، وطالما طلبوا فك طلاسم أسرارها فكانت الجغرافيا خير مفتاح لكل مغاليق ذلك الكنز البادي للعيان صعب المنال كأنه في قربه وبعده شمس تراءت للجميع ضياءً رضي الناس به منها فلم يطلبوا ما وراءه من حقائق وسمات.

 

لقد كان ذلك في أزمان عرف الناس فيه الطبيعة بسهولها وسواحلها، ووديانها وجبالها، بطقسها ومناخها، وسابق الشعراء والفلاسفة والعلماء والقادة والعسكريون في وصفها الجغرافيين، بل كانت عماد تاريخ كل حدث على الأرض يعرف منها أسباب تطور الحضارات وكمونها، وتكوّن الشعوب واندماجها، وقيام الدول وانهيارها.

ولم تكن الجغرافيا يوما بخيلة أو مقترة، بل طالما عرفت بالجود والكرم، حتى عرف الناس منها أن الحرية والخيال هبة الجبال والتلال للإنسان، وأن النظم والقوانين هبة الوديان والسهول له، وعرفوا منها أسباب الاستبداد ومقومات الغزو، فشكرت الجغرافيا حين أنجبت الشعراء والفلاسفة والعلماء، ولم يُلم سواها حين لم تثمر غير جبارين ومستبدين وجبناء، على الرغم من وقوفها كحجر عثرة وعقبة كئود أحيانا كثيرة في وجه هؤلاء، وملاذا آمنا منيعا في أحيان كثيرة أيضا لأولئك وللحرية والخيال والعلم.

لقد تصدعت أركان الجغرافيا مع تنامي مدنية الإسمنت والفولاذ، حين غابت الطبيعة عن أنظار الناس، ولم تعد الجغرافيا مفتاح أسرارها، بل تحولت الجغرافيا إلى مفرزة للأحاجي والألغاز، وباتت عصور الاكتشافات الجغرافية عصورا للترميز، فتحول عملها من شرح اللوحة ثلاثية الأبعاد التي يعيش عليها الناس في خرائط تقرب الزمان الذي يتصور الناس طبيعتهم من خلاله عبر رحلات طويلة يقطعونها سيرا على الأقدام أو ركبانا لآلات طبيعية واصطناعية تترك بصمات الطبيعة على وجوه المسافرين وظهورهم وآمالهم وطموحاتهم، تحول عمل الجغرافيا من ذلك إلى مجرد رسوم ونقوش على خرائط توضح للناس ما لم يروه أو يدركوه، فكأنهم أمام معادلات كيميائية أو مسائل فيزيائية وربما رياضية.

ومع ثورة المواصلات والاتصالات لم تعد الطبيعة غير صورة تليفزيونية باهتة تظهر من نافذة طائرة نفاثة تتخلل مناظرها قطع السحاب، وتتساوى فيها مرتفعات الجبال مع منخفضات الوديان، ولم يعد المانع المائي فيها غير شريط ملون على صفحة صفراء أو بنية، وفي أحيان أخرى لم يعد غير سجادة خضراء تميل إلى الزرقة أحيانا.

أصبح التواصل المعلوماتي يضع ملايين الصور واللوحات لطبيعة لم نرها يوما في حقيقتها المذهلة، وإنما شاهدناها طبيعة مسطحة تتساوى فيها الصور الفوتوغرافية مع اللوحات الزيتية لأي من الرسامين وأقلهم إتقانا، إن هذا ينذر بموت الشعر إذا مات الخيال، وموت الفلسفة إذا مات الاستدلال، وموت العلم بموت البحث والاكتشاف، وموت الحرية في سجن الثورة المعلوماتية، بل إنه ينذر حتى بموت الشجاعة والبطولة، بل الاستبداد والجبن أيضا.

فماذا يبقى للإنسان إذا ما صارت الحياة والوطن والانتماء مجرد صور مسطحة على حاسوب فائق الاتصال في غرفة مغلقة، تستطيع معه أن تدعي معرفة كل شيء، ولكنك حقا لا يمكنك أن تدعي معرفة حقيقة انتقام الجغرافيا ممن هجروا الطبيعة وقتلوا الروح الإنسانية.

*****************************

المقال مستوحى من كتاب انتقام الجغرافيا. لروبرت د. كابلان. ت: إيهاب عبد الرحيم علي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد