في التقرير المروع الذي صدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي تحدث عن مؤشر التنافسية السنوي في مجال التعليم؛ احتلت مصر المرتبة قبل الأخيرة قبل غينيا، متذيلة القائمة. التقرير صادم بعض الشيء لكنه يعكس حقيقة واضحة ربما لا تخفى على أحد… مصر لا يوجد بها تعليم حقيقي!

ربما الـ”فهلوة” المعروفة عن المصريين انتقلت إلى النظام التعليمي، ونظرًا لما يتم تدريسه من مناهج نظرية فقط يلجأ الطلاب للحفظ أملًا في النجاح، فأصبحنا نرى في مصر أجيالًا تحفظ كلامًا غاية في الروعة عن أشياء لا يفقهون عنها شيئا وربما لو شاهدوها في الحقيقة لن يتعرفوا عليها.

أذكر أنني وبعد خمس عشرة سنة في التعليم لم أدخل المعمل سوى مرات تعد على أصابع اليد، أذكر منها أول مرة في المرحلة الإعدادية حين شاهدنا “قشرة البصلة” تحت الميكروسكوب، ومرة أخرى حين التحقت بكلية الطب في معمل الـ”بيوكيمستري” حيث نجري تجارب البول وتجارب أخرى من عصور ما قبل التاريخ لا تمت للواقع بصلة، ومرة أخيرة في قسم الفسيولوجي حيث كانوا يتلذذون بقتل الضفدعة المسكينة وتقطيع أوصالها لإبهارنا بتجارب لوذعية انقرضت منذ زمن.

في حين أن أقراننا في “أوروبا والدول المتقدمة” يجرون أبحاثًا وتجارب بأيديهم في معامل مجهزة على أعلى المستويات ويبتكرون ما نظن أنه إعجاز أو من المستحيلات.

لا أعتقد أن العلم والاكتشافات المذهلة هي بالأمر الصعب أو المستحيل، ولكن الأمر كله يكمن في وجود نظام تعليمي فعّال من كل النواحي، سواء المناهج أو المخصصات المالية للتعليم والبحث العلمي.

وبما أننا في “مصر أم الدنيا وقد الدنيا” لسنا بصدد إجراء أي محاولات حكومية لإصلاح النظام التعليمي – على المستوى القريب على الأقل – كان لزامًا على كل أب وأم أن لا يترك ابنه وحيدًا فريسة للتعليم الفاشل في بلادنا.

في أحد الأفلام التسجيلية التي تتحدث عن حياة مايكل فارادي صاحب الاكتشافات المذهلة كانت المفاجأة كبيرة للغاية،

فاراداي لم يكمل تعليمه الأساسي!

اضطره فقر أسرته للعمل في سن صغيرة في دكان لتجليد الكتب حيث كان يقرأ ويعلم نفسه بنفسه، ثم عمل مساعدًا للعالم همفري دافي الذي استعان به بعدما فقد أصابعه وإحدى عينيه في أثناء تجاربه، فاستعان بفارادي ليساعده في تجاربه.

كان فاراداي يشاهد التجارب أمامه ويقرأ ما يعينه على فهمها، وبعدها بدأ يجري تجاربه بنفسه ويحاول الوصول إلى ما يتعسَّر على همفري الوصول إليه، ويدون كل تجاربه ونجاحاته وإخفاقاته، وفي نهاية المطاف توصل لاكتشاف الكهرومغناطيسية وغيرها من الاكتشافات العظيمة مثل المولد والمحول الكهربيين.

ربما يكون ذكر فاراداي من باب الفأل السيء حيث أننا كرهناه دون أن نراه بسبب تجاربه المعقدة وغير المفهومة في مادة الفيزياء، لكن ربما أردت ذكر هذه المقاربة حيث أننا في مصر نحفظ تجربة فاراداي وخطوات التجربة وشروطها والظروف الملائمة لها ونتائجها… دون أن نرى التجربة تجرى أمامنا أو نرى كيف تحدث!

واختصارًا لما سبق لا أريد طبعًا ترك التعليم أو الانقطاع عنه، ولكن يجب على الآباء أن يكونوا عونًا لأبنائهم ، يساعدونهم على التعلم الصحيح والفهم وعدم الاكتفاء بحفظ الطلاسم التي لا يعرفون عنها شيئًا، والتوقف عن معاقبتهم على عدم قدرتهم على مجاراة هذا النظام الفاشل ومد يد العون لهم.

وربما الوسائل اليوم متاحة للجميع، وعلى سبيل المثال مواقع التعليم على الإنترنت أصبحت متوفرة والمواد التعليمية الحقيقية أصبح الوصول إليها سهلا، وربما فيديو لا تتجاوز مدته الساعة يغني عن شرح أسبوع من الحشو النظري في المدارس!

ولهذا أقول.. أنقذوا أبناءكم حتى لا يقعوا فريسة لنظام تعليمي يقتل فيهم الإبداع والنبوغ.

وبقي أن نقول إن فاراداي توفي وهو يعاني من حالة نفسية سيئة وفقدان للذاكرة نتيجة للمجهود العقلي الكبير الذي كان يبذله طيلة حياته… ولهذا احذروا من مصير فاراداي هو الآخر!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد