تسعى كثير من الدول، والتي تطرح نفسها إلى ما سمي وما زال دولًا عظمى، إلى الهيمنة على الساحة بفعل إمكاناتها العسكرية وامتلاك القدرة للهيمنة الاقتصادية على بعض الدول التي أرهقتها نظم حكم تابعة وموالية لها متعاقبة، فحولتها إلى ما أطلق عليه وما زال دول نامية أو دول العالم الثالث، وتدخل بفعل قدرتها وقوتها وسطوتها في قرارات تلك الدول عن طريق السيطرة والتحكم في النظم الحاكمة لتلك الدول التابعة، والتي لا تسعى أنظمتها قيد أنملة إلى الارتقاء بدولها ونظامها السياسي والديمقراطي والاقتصادي، حتى لا تخرج من تحت طواعية الحفاظ الدولي على بقائها وتنال دعم الدول العظمى المؤيدة لبقائها تحقيقًا لانتفاعيتها واستمرارًا لهيمنتها على القرار الإقليمي حسب طبيعة وتاريخ تلك الدول.

ونرى أن العالم يحكمه نظام عالمي كبير لا يترك شاردة ولا واردة إلا وكان جاهزًا بعدة سيناريوهات للتعامل معها، مع الوضع في الاعتبار إمكانية دخول مستجدات على كل مشهد بكل دول العالم، وتستهدف تحقيق أهدافه التي تصب في صالح سيطرته وهيمنته على القرارات بكل الدول بالتبعية المطلقة لتلك الدول المتحكمة والمؤثرة بالقرار العالمي.

وحتى يمكن تسهيل مهمة الدول العظمى في فرض سطوتها على الدول الفقيرة، كان يجب عليها السير قدمًا نحو إفقار تلك الدول والتدخل في اختيار أنظمتها الحاكمة، ومعاونة تلك الأنظمة للسيطرة عليها ومنعها من اتخاذ أية قرارات تستهدف خروجها من تحت السيطرة، لتصبح متحكمة في قراراتها وتنتج احتياجاتها حتى ترفع مستوى شعوبها اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وتحصل على تأييد شعبي يرفع عنها الهيمنة بالتبعية، ولكن لاحتمالية حدوث ذلك نهجت تلك الدول الكبرى منهجًا جديدًا لتغيير سيناريوهات التعامل مع الدول التي تم إفقارها بمزيد من الإفقار والمديونيات، لتظل تحت السيطرة والتبعية ولم تنسَ وسط ذلك فتح باب جديد للتعامل مباشرة مع الشعوب سعيًا لكسب قطاع مؤيد لها فكريًّا.

ولتحقيق ذلك كان لزامًا كسب من يسمون وما زالوا بالنخب في شتى المجالات؛ سياسية وإعلامية واقتصادية واجتماعية… إلخ، لكسب تأييد قطاعات مجتمعية متنوعة ومختلفة في حالة وجود أنظمة تصل إلى الحكم بعيدًا عن التبعية وخارج السيطرة والهيمنة، لتصبح قادرة على زرع الفتنة بين قطاعات مجتمعية وشعبية، وكسب رفض وإثارة احتقان ضد هذه الأنظمة لتنقلب عليها بالتغييب ونشر الأكاذيب والإشاعات، ولتسهيل تلك المهمة والتي تتطلب سنوات طويلة للإعداد والتهيئة.

فلابد من اتباع سيناريو مختلف طويل المدى؛ فإذا أرادت دولة محو شعب بكامله ودولة بكل معالمها وتاريخها، لاحتوائها وتقويضها وتقييدها، والهيمنة على مقدراتها والتحكم في قراراتها ومصيرها، تكون البداية تشويه تاريخها وبث الأكاذيب فيه، ثم محو لغتها وتغيير ثقافتها وهويتها، وجعلها تتبنى ثقافة جديدة وتتعامل بابتذال بلغة غير لغتها الأصلية حتى تندثر، ثم عليها بتلفيق تاريخ جديد كاذب لها وتعلمه لها ليترسخ بذاكرة الأجيال المتعاقبة. وقتها ينسى الشعب لغته وثقافته وتاريخه، وتضيع معالمه وتنتهي هويته. وقتها فقط تنتهي الدولة بشعبها وترسو بشكل مستقر نهائيًّا في قاع مزبلة التاريخ.

ومن هنا علينا أن نحافظ على لغتنا العربية لغة القرآن الكريم، ونعلمها لأولادنا ونورثها للأجيال، ونعلمهم تاريخنا وتاريخ أجدادنا وتاريخ عظمائنا من المسلمين، ولا نعتمد على التعليم بل نفتح لهم ندوات منزلية ونقدم لهم أفلامًا تاريخية ووثائقية تنقل التاريخ وتتوارثه حتى لا يتم تشويهه وبث الأكاذيب فيه.

تمسكنا بثقافاتنا وعاداتنا، وتاريخنا ولغتنا، وهويتنا وإسلامنا، أكبر شيء نحافظ به على دولتنا ومقدراتها من كل مخطط يدفع في اتجاه تقزيمها وتفتيتها وبث الفتنة بين نسيجها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد