«دعنا نتولى إصدار النقود في أمة من الأمم والإشراف عليها, ولا يهمنا بعد ذلك من الذي يسن القوانين لهذه الأمة» أمشير ماير باور 1743-1812.

بالسيطرة على المال تستطيع أن تُذل أمم وتُركّع شعوبا دون أن ترسل جنديا أو تطلق رصاصة، فيكفي أن يكون هناك رجال أعمال ومفكرين وقادة رأي وعسكريين يحملون أفكارك لينفّذوا لك ما تريد ولو تطلب الأمر عدة أعوم أكثر لتحقيق أهدافك، لكنك ستصل بهم حيث تريد.

هكذا تعمل عائلة روتشيلد وتسير على خُطاها في مصر عائلة ساويرس اعتقادا وأسلوبا، لتحقيق أهداف خاصة -بعضها معلن وبعضها خفي- تتعارض مع أكثر الثوابت العقائدية للأغلبية المسلمة, وتتعمد إعلاء مصالح وقيم أيديولوجية خاصة مدعومة خارجيا على حساب الشعب المصري المسلم باستخدام كافة الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة على حد سواء.

تشابه كبير لا تخطئه عين الفاحص بين عائلة ساويرس في مصر وعائلة روتشيلد في أوروبا وأمريكا, تشابه في طريقة العمل التجاري وفي نوعية تلك الأعمال، تشابه في الصعود الاقتصادي السريع وفي سرعة الثراء، تشابه في تنوع الأعمال وتركيزها على استثمارات محدده للعائلتين، تشابه في تقارب العائلتين مع السلطات الحاكمة، تشابه في معاداة العائلتين للثورات ولكل الأيديولوجيات الأصولية ولكل ما يهدد مصالحها في البلاد التي لديهم أعمال بها، وحتما تشابه في الأهداف الخفية للعائلتين وهو مكمن الخطورة.

اختارت عائلة روتشيلد اليهودية أن تكون الداعم الأكبر لتكوين دولة إسرائيل الحالية ويبدو أن عائلة ساويرس قد اختارت أو صٌنعت لكي تكون الذراع الأقوى للكنيسة المصرية في مطالبها من الحكومات المتعاقبة في مصر وربما لأهداف أخرى.

عائلة روتشيلد عائلة يهودية ألمانية قام بتأسيسها رجل الأعمال اليهودى إسحق آكانان في القرن السادس عشر وفي بدايات القرن التاسع عشر قام «ماجيراشيل روتشيلد» أحد أحفاد إسحق بإرسال أولاده الخمسة إلى كل من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا لتأسيس مراكز أعمال ومؤسسات مالية في هذه البلاد حيث مراكز القوى العالمية ذاك الحين.

أسست العائلة منذ نشأتها استثمارات عدة فأسسوا شركات عدة لبناء سكك حديدية في كافة أنحاء أوروبا بدأت في بريطانيا ثم توالت الأعمال لعدة دول أخرى، كما أنها من ساعدت بريطانيا بدعم مالي قوي لمواجهة نابليون في حروبه التوسعية وساعدت فرنسا أيضا في نفس الحرب وهو مؤشر لانعدام الأخلاق والمبادىء متمثل في دعم الطرفين للحصول على أكبر منفعة ممكنة، وهي أيضا أكبر الداعمين لبريطانيا لإقراض مصر لحفر قناة السويس في عهد الخديوي إسماعيل.

تعددت استثمارات عائلة روتشيلد وكان نفوذها محددا رئيسيا للسياسة الاستعمارية لبريطانيا، حيث كانت العائلة المالكة لشركة الهند الشرقية وشركة الهند الغربية، تلك البلاد التي غدت منجم الذهب الاستعماري الذي قامت علية نهضة بريطانيا المسيحية الحديثة من دماء أبناء الهند وخيرات بلادهم.

وغالبية مؤسسات روتشيلد كما هي حال المؤسسات اليهودية تعمل بصورة أساسية في مجال التجارة والسمسرة

وتستثمر فيها العائلة، فأغلب السندات المالية للبلدان الكبيرة وأغلب البنوك العالمية بما فيها البنك الدولي وهو الجهة المقرضة لمعظم دول العالم بما فيها مصر، وأغلب شركات التأمين بجميع أنواعها، وكبرى شركات صناعة الذهب والمجوهرات والمعادن النفيسة وكبرى شركات استخراجه ومعظم الشركات متعددة الجنسيات، وتتقاسم تقريبا مع عائلة روكفلر مؤسس صناعة النفط في الولايات المتحدة السيطرة على الكثير من الخدمات المالية العالمية في أوربا والولايات المتحدة.

وتمتلك عائلة روتشيلد علاقات قوية بمعظم العائلات اليهودية الأخرى التي تملك استثمارات كبرى، فهي على علاقة قوية بعائلة زيلخا اليهودية المالكة لشركة كولت الشهيرة لصناعة المسدسات، ومقرها الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن أجل أن تصنع رأيا عاما مساندا لقضايا اليهود ووسيلة كبرى للضغط السياسي والاقتصادي على دوائر وأفراد صنع القرار في الغرب، نراهم قد أحكموا السيطرة على وسائل الإعلام بأمريكا وأوربا، فلديهم سيطرة شبه كاملة على جميع وكالات الأنباء الكبرى من قبل رجال الأعمال اليهود وغيرهم والعديد من أبناء عائلة روتشيلد أنفسهم يمتلكون مؤسسات إعلامية كبرى، وذلك حتى يتمكنوا من صياغة الأخبار وصناعة رؤى إعلامية وبناء بيئة دعائية مساندة لهم وتوجيه الرأي العام حسب هواهم ورغباتهم.

كل هذه الأمور نجدها بوضوح في المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا، فهذة العائلة من الخطورة أنها إن لم تمتلك بعض وسائل الإعلام ذات التأثير في العالم الغربي حرصت على أن يكون مالكوها كخاتم الإصبع لهم في سياستهم وقضاياهم، ولعل أبرزها قناة فوكس نيوز التابعة لإمبراطور الإعلام روبرت مردوخ، والمعروفة بمعاداتها للقضية الفلسطينية ومناصرتها التامة لإسرائيل، وقنوات إيه بي سي نيوز وشبكة سي إن إن الإخبارية وغالبية شركات إنتاج الأفلام في هوليوود، وصحف الواشنطن بوست ونيويورك تايمز، وفي أوروبا تجد سيطرتهم التامة على شبكة بي بي سي البريطانية والقنوات التليفزيونية الفرنسية والألمانية والهولندية وغيرها.

أيضا وكالة أنباء رويترز مؤسسها هو جوليوس باول رويتر الألماني اليهودي وهي إحدى أكبر وكالات الأخبار وأكثرها تقدما على مستوى العالم، وتجد أيضا وكالة أنباء الأسشيتدوبرس الأمريكية ووكالة الأنباء الفرنسية والتي كانت تسمى سابقًا وكالة أنباء هافاس نسبة إلى أحد مؤسسيها اليهود.

تعمدت عائلة روتشيلد اليهودية زرع وصناعة منصات وكوادر إعلامية مساندة لقضاياهم ومطالبهم فنجد صحفيين في سي إن إن وإيه بي سي نيوز، ونجد صحيفة الواشنطن بوست والتي يملكها مباشرة أحد أفراد عائلة روتشيلد ومجلة التايم ونيويورك تايمز، والتي تمتلكهما عائلة آرثر ساليزبرغر اليهودية، وول ستريت جورنال، ولوس أنجلوس تايمز، والكثير من الصحف ذات التأثير القوي على الجمهور وصناع القرار على حد سواء.

كما يترأس يهود مدعمون من عائلة روتشيلد وإسرائيل قنوات سي بي إس الأمريكية، والكثير من دور النشر التي تدعم أقلام محددة توافق اتجاهاتهم السياسية، ومجموعة إن بي سي الأمريكية، ومجموعة ديزني، ومجموعة آي آند آي التي تضم قنوات مثل هيستوري شانل ولايف تايم، ومجموعة قنوات سوني الترفيهيه، وشبكة قنوات إيه بي سي وغيرها كلها يملكها يهود أو شركاء داعمين لروتشيلد.

غير أن كثيرا من العائلات اليهودية الأخرى برعت في صناعة وإنشاء أعمال تجارية ناجحة وكبيرة على مستوى أكبر وأهم دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية، فنجد مثلا اليهودي الأمريكي هاوارد شولتز هو المدير التنفيذي ورئيس سلسلة محلات ستاربكس الشهيرة المنتشرة في جميع أنحاء العالم، وهناك أيضا جاك فرينبيرغ المدير التنفيذي لماكدونلدز وهو يهودي أيضا,كما أنه هو الرئيس الشرفي للغرفة التجارية الأمريكية الإسرائيلية. وهناك اليهودي الأمريكي أندرو غروف مؤسس شركة أنتل الشهيرة للإلكترونيات وأيضا لاري إليسون هو مدير ومؤسس شركة أوراكل للبرمجيات.

كما يتربع اليهودي الأمريكي مايكل ديل كمؤسس ومدير تنفيذي لشركة ديل لإنتاج الحواسيب المحمولة وهي إحدى أكبر شركات إنتاج الحواسيب في العالم، وفي مجال الأزياء هناك ليفي شتراوس مؤسس شركة (ليفيز) الشهيرة للملابس وهو ألماني الجنسية، كما أن اليهودي الأمريكي كالفن كلاين هو مؤسس شركة كالفن كلاين الشهيرة للأزياء.

هذه الهيمنة الاقتصادية والإعلامية للعائلات اليهودية وعلى رأسها عائلة روتشيلد هي ما دعتهم للدخول بشراسة إلي المعترك السياسي في جميع الدول التي لهم بها مصالح إستراتيجية وعلى رأسها أمريكا، وكل هذه التكوينات المتعددة تخدم فيما بينها بعضها البعض وتنسق لخدمة الأهداف اليهودية في إسرائيل وكل دول العالم بما فيها مصر، وما اللوبي الصهيوني إلا ممثلا لبعض هذه التكتلات الاقتصادية والإعلامية العملاقة التي قد ترفع أو تخفض من قدرات مؤسسات الدولة وأشخاصها الاعتباريين بين ليلة وضحاها إذا رغبت في ذلك.

إن حجم النفوذ الذي وصلت إليه عائلة روتشيلد جعلتها هي الواجهة الرسمية التي يتوجه إليها الخطابات من الملوك ورؤساء الحكومات الغربية عند الرغبة في مخاطبة اليهود فالعالم وذلك قبل نشأة دولة إسرائيل، حتى أن وعد بلفور الشهير كان موجها بالأساس لعائلة روتشيلد وتحديدا البارون والتر روتشيلد حيث كان هو المبعوث الذي قدمت إليه الحكومة البريطانية وعد بلفور الخاص بإنشاء وطن خاص لليهود في فلسطين.

سعت هذه العائلة للحصول على الألقاب والأوسمة من الدول التي قاموا باحتلالها اقتصاديا فأصبحوا لوردات وبارونات وأعضاء مجالس الشيوخ في هذه الدول وأنشأوا علاقات متينة مع الملوك ورؤساء الحكومات وكل الشخصيات السياسية ذات التأثير المجتمعي حتى أن كثيرا من السياسيين من خارج هذه العائلة عملوا في بنوك روتشيلد وأولاده قبل أو بعد مسيرتهم السياسية.

فالمال لا بد وأن يحميه نفوذ سياسي قوي، وهذا النفوذ يجب أن يربى ويصنع في المجتمع وإلا قد تصل بهم الأقدار لنفس النتيجة التي أدت لطردهم من جميع دول أوروبا وعلى رأسها بريطانيا قبل عدة مئات من السنين، وهو ما تخشاه كل المؤسسات الاقتصادية اليهودية وعائلة روتشيلد على وجه التحديد.

هكذا أحكم اليهود على عصب الحياة في الغرب وفرضوا سيطرة خطيرة على دوائر صنع القرار ومعظم المؤثرات الخارجية لصناعة القرار: كوسائل الإعلام والعلاقات الشخصية والاجتماعية بهدف تحقيق الربح أولا، ثم خدمة أهدافهم وأهداف طائفتهم اليهودية في الدول الأوروبية ودعم إسرائيل سياسيا واقتصاديا وعسكريا بما يضمن تفوقها على الدول العربية حتى لو كانت الوسائل في بلادنا هي زرع الفرقة والحروب ونشر العلمانية في البلاد المسلمة ومحاربة كل ما هو إسلامي.

وفى مصر لدينا نموذج يكاد يكون نسخة مصغرة من عائلة روتشيلد هي عائلة ساويرس والتي تهيمن على الاقتصاد المصري مع ترابط اقتصادي وعقائدي بشبكة أعمال مسيحية داخليا وخارجيا بما يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي في أوقات الأزمات وإن تغافلت عنها دوائر صنع القرار العسكري المهيمنة على حكم البلاد منذ عقود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ساويرس

المصادر

موقع الموسوعة المعرفية «ويكيبيديا»
كتاب أحجار على رقعة الشطرنج، ويليام جاي كار ترجمة مجدي كامل
كتاب آل روتشيلد مجدي كامل
وثائقيات على موقع يوتيوب
مقالات عديدة على شبكة الإنترنت
عرض التعليقات
تحميل المزيد